في حاسوبك المحمول، وفي هاتفك، وفي سيارتك، وفي غسّالتك الحديثة، وفي جهاز التنفّس بالمستشفى، وفي الصاروخ الموجّه، قطعة سيليكون صغيرة تؤدّي العمل كلّه. ولأن هذه القطعة صارت في كل شيء، صار من يصنعها يملك شيئاً أثمن من النفط: القدرة على تعطيل الآخرين.

لهذا لم تعد صناعة أشباه الموصلات شأناً تقنياً يخصّ المهندسين. صارت أخطر ملفّات السياسة الدولية، وأكثرها قدرة على تحديد موازين القوى في العقود القادمة.

أرقام تشرح حجم الظاهرة

تشير تقديرات القطاع لعام 2026 إلى أن مبيعات أشباه الموصلات عالمياً تقترب من 975 مليار دولار، بنموّ نحو 26 بالمئة عن العام السابق، مع توقّع بلوغ تريليونَي دولار في غضون عقد. لكن الرقم الأكثر دلالة ليس الإجمالي بل توزيعه: رقائق الذكاء الاصطناعي التوليدي وحدها يُتوقّع أن تقارب 500 مليار دولار، أي ما يعادل نصف السوق تقريباً.

والمفارقة تكمن هنا: هذه الرقائق التي تحصد نصف الإيرادات لا تمثّل سوى أقلّ من اثنين بالألف من عدد الوحدات المباعة. من أصل نحو تريليون رقاقة تُباع سنوياً، عشرون مليون رقاقة فقط هي رقائق الذكاء الاصطناعي. صناعة كاملة انقسمت إلى عالمين: عالم الرقائق الرخيصة الوفيرة التي تدير الأجهزة اليومية، وعالم القطع النادرة الباهظة التي تدير مراكز البيانات، حيث الربح والصراع معاً.

سلسلة هشّة على نحو مرعب

تخيّل صناعة تُقسَّم إلى حلقات، كل حلقة يحتكرها لاعب أو اثنان، وكفى.

التصميم: شركات أمريكية في الغالب تصمّم الرقائق دون أن تملك مصانع.

أدوات التصميم: ثلاث شركات في العالم تصنع البرمجيات التي بدونها لا يمكن تصميم رقاقة حديثة.

معدّات التصنيع: شركة هولندية واحدة تصنع آلات الطباعة الضوئية فوق البنفسجية القصوى، وهي الوحيدة عالمياً. آلة واحدة تزن عشرات الأطنان وتكلّف مئات ملايين الدولارات، ولا بديل عنها لصناعة الرقائق الأكثر تقدّماً.

التصنيع: تتركّز الأجيال الأكثر تقدّماً في تايوان وكوريا الجنوبية، وبنسبة عالية في جزيرة واحدة تقع في قلب أخطر نقاط التوتّر في آسيا.

التغليف والاختبار: يتّجه إلى جنوب شرق آسيا والهند بوصفهما مركزين صاعدين لهذه المرحلة، بينما تركّز تايوان والولايات المتحدة واليابان وأوروبا على التغليف المتقدّم والتكامل غير المتجانس.

كل حلقة من هذه الحلقات نقطة اختناق. ومن يسيطر على حلقة واحدة يستطيع أن يشلّ السلسلة كلّها. هذه ليست سوقاً حرّة بالمعنى المدرسي؛ إنها شبكة من الاحتكارات المتشابكة.

ما معنى «رقاقة بثلاثة نانومترات»؟

تتردّد في الأخبار أرقام مثل «خمسة نانومترات» و«ثلاثة» و«اثنان»، ويظنّ القارئ أنها قياس فيزيائي دقيق لحجم شيء ما داخل الرقاقة. الحقيقة أن هذه الأرقام صارت منذ سنوات أسماء تجارية لأجيال تقنية أكثر منها قياساً حرفياً؛ فلا يوجد داخل رقاقة «ثلاثة نانومترات» عنصر يبلغ عرضه ثلاثة نانومترات بالضبط.

لكن ما تعنيه فعلياً واضح: كل جيل جديد يتيح حشد عدد أكبر من الترانزستورات في المساحة نفسها، فتصير الرقاقة أسرع وأقلّ استهلاكاً للطاقة. والترانزستور، في جوهره، مفتاح كهربائي متناهي الصغر يفتح ويغلق مليارات المرّات في الثانية. رقاقة حديثة تضمّ عشرات المليارات منها على مساحة أصغر من ظفر الإبهام.

وكلما ضاقت الأبعاد، اقتربنا من حدود الفيزياء نفسها: عند هذه المقاييس تبدأ الإلكترونات في التسرّب عبر الحواجز بفعل ظواهر كمّية، وتصير العملية أشبه بالنحت على الذرّات. ولهذا يتباطأ الإيقاع الذي عُرف تاريخياً بـ«قانون مور»، ويتّجه القطاع إلى حيل أخرى لرفع الأداء: تكديس الرقائق طبقات فوق بعضها، وتخصيصها لمهامّ بعينها بدل جعلها عامة الغرض، وتحسين طرق ربطها ببعضها — وهو ما يُسمّى «التغليف المتقدّم»، وقد صار ميداناً للمنافسة لا يقلّ أهمية عن التصنيع نفسه.

سلاح التصدير

أدركت واشنطن هذه البنية مبكراً، فحوّلتها إلى أداة. منذ 2022 توالت قيود التصدير التي تمنع بيع أكثر الرقائق تقدّماً — ومعدّات تصنيعها — إلى الصين. ولأن الشركات غير الأمريكية تعتمد بدورها على تقنيات أمريكية في مكان ما من سلسلتها، امتدّ أثر القيود إلى ما وراء الحدود الأمريكية.

النتائج جاءت مركّبة. من جهة، تأخّرت الصين فعلاً في الوصول إلى أحدث الأجيال، وتعثّرت بعض مشاريعها. ومن جهة أخرى، تحوّل الحظر إلى حافز: تضاعف الاستثمار الصيني في البدائل المحلية، وسُجّلت قفزات في التصنيع بأجيال أقلّ تقدّماً لكنها كافية لمعظم الاستعمالات، وتوسّعت الصين بقوّة في الرقائق «الناضجة» التي يحتاجها العالم بكثرة في السيارات والأجهزة المنزلية والصناعة.

وتبادلت الأطراف الضغوط: قيود على المعادن النادرة والمواد الأساسية، ومراجعات دورية لقوائم الممنوعات، ونقاشات متكرّرة حول السماح بطرازات وسيطة أو منعها. النتيجة أن الشركات صارت تخطّط في بيئة تتغيّر قواعدها كل بضعة أشهر، وهو أسوأ ما يمكن أن يواجه صناعة تستغرق فيها بناء مصنع واحد أربع سنوات واستثماراً بعشرات المليارات.

سباق المصانع

الردّ العالمي كان موجة غير مسبوقة من دعم التصنيع المحلي. الولايات المتحدة أقرّت حزمة دعم ضخمة لبناء مصانع على أراضيها، والاتحاد الأوروبي أطلق مبادرته الخاصة، واليابان استعادت طموحها القديم بشراكات جديدة، والهند دخلت الميدان بحوافز كبيرة، وكذلك فعلت دول الخليج.

لكن المال وحده لا يصنع مصنعاً. المشاريع الكبرى تأخّرت مراراً، والسبب المتكرّر ليس التمويل بل الكفاءات: مهندسو التصنيع الدقيق والتغليف المتقدّم قلّة نادرة، وتدريب جيل جديد منهم يستغرق سنوات لا شهوراً. وهذا درس يستحقّ الانتباه: البنية التحتية البشرية أبطأ في البناء من البنية التحتية الإسمنتية، وأصعب في الاستيراد.

عنق الزجاجة الجديد: الكهرباء والذاكرة

برزت في العامين الأخيرين عقبتان لم تكونا في الحسبان.

الأولى هي الطاقة. تشير التقديرات إلى أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ستحتاج إلى نحو 92 غيغاواط إضافية من الطاقة الكهربائية بحلول 2027. هذا رقم يقارب استهلاك دول كاملة. ولهذا صارت شركات التقنية تتفاوض مباشرة مع مشغّلي محطات الطاقة، وتستثمر في المفاعلات النووية الصغيرة، وتبني مراكزها حيث تتوفّر الكهرباء لا حيث يتوفّر العملاء. عنق الزجاجة انتقل من السيليكون إلى الشبكة الكهربائية.

والثانية هي الذاكرة. الطلب على ذاكرة النطاق العالي التي تحتاجها معالجات الذكاء الاصطناعي ابتلع طاقة التصنيع، فارتفعت أسعار الذاكرة الاستهلاكية ارتفاعاً حادّاً: تضاعفت أسعار بعض أنواعها نحو أربع مرّات في خريف 2025 وحده، مع توقّعات بزيادات إضافية. المستهلك العادي يدفع اليوم ثمن سباق لا علاقة له به، حين يشتري حاسوباً أو هاتفاً.

وأين العرب من هذا كلّه؟

الموقع العربي في هذه الخريطة متواضع، لكنه ليس معدوماً، وله مسارات ممكنة تختلف في واقعيتها.

المسار غير الواقعي هو الطموح إلى تصنيع الرقائق المتقدّمة محلياً على المدى القريب. الكلفة والكفاءات والاعتماد على موردين محتكرين تجعل ذلك بعيداً.

المسار الواقعي الأول هو الطاقة. المنطقة تملك ما صار أندر من الرقائق نفسها: كهرباء وفيرة ورخيصة وأرض واسعة. الاستثمار في مراكز بيانات ضخمة يجعل من المنطقة موقعاً لتشغيل الذكاء الاصطناعي لا لصناعته، وهذا موقع ذو قيمة حقيقية إن رافقته شروط ذكية في نقل المعرفة والتوظيف المحلي.

المسار الواقعي الثاني هو التصميم. تصميم الرقائق لا يحتاج مصنعاً بل عقولاً وبرمجيات. ومن الممكن بناء قدرة عربية في تصميم رقائق متخصّصة لتطبيقات محدّدة، ثم تصنيعها لدى الغير. عدد من الدول الصغيرة بنت صناعات محترمة بهذا النموذج.

المسار الثالث هو التغليف والاختبار. هذه المرحلة أقلّ تعقيداً من التصنيع الدقيق، وتشهد إعادة توزيع جغرافي، ويمكن الدخول إليها باستثمار أقلّ بكثير.

وفي كل الأحوال، فإن المسألة ليست بناء مصنع بقدر ما هي بناء منظومة: جامعات تخرّج مهندسي إلكترونيات دقيقة، ومراكز بحث، وسياسات تحفظ استمرار الاستثمار عبر تغيّر الحكومات.

كيف وصلنا إلى هنا؟

لم تكن هذه الصناعة دائماً بهذا التركّز. في السبعينيات والثمانينيات كانت الشركة الواحدة تصمّم رقائقها وتصنّعها في مصانعها. ثم حدث تحوّل جوهري في التسعينيات: انفصلت وظيفة التصميم عن وظيفة التصنيع. ظهرت شركات تصمّم ولا تملك مصنعاً، وشركات تصنّع لحساب الآخرين ولا تصمّم شيئاً.

بدا هذا النموذج في حينه انتصاراً للكفاءة الاقتصادية، وكان كذلك بالفعل: خفّض تكاليف الدخول إلى السوق، وأطلق موجة ابتكار هائلة. لكنه أنتج أيضاً، بعد ثلاثة عقود، هذا التركّز الشديد الذي نشكو منه اليوم. فحين تتنافس مصانع العالم على خدمة الجميع، يفوز الأكفأ، ويستحوذ الأكفأ على كل شيء تقريباً، لأن كلفة اللحاق به ترتفع مع كل جيل.

وهذا درس اقتصادي عام يتجاوز الرقائق: التخصّص يرفع الكفاءة ويخفض المرونة. والعالم اكتشف الثمن حين توقّفت مصانع السيارات في 2021 بسبب نقص رقائق رخيصة لا تكلّف الواحدة منها بضعة دولارات. لم يكن النقص في الرقائق المتقدّمة بل في أبسطها، وهو ما كشف أن الهشاشة ليست في القمّة وحدها.

المخاطر المحدقة

لا يخلو المشهد من احتمالات مقلقة. أوّلها فقاعة الطلب: إن تباطأ الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، فسيجد القطاع نفسه أمام طاقة إنتاجية هائلة بلا مشترٍ، وقد شهدت هذه الصناعة دورات صعود وهبوط عنيفة من قبل.

وثانيها التوتّر الجيوسياسي: أي اضطراب في مضيق تايوان يعني توقّفاً فورياً لإنتاج الرقائق الأكثر تقدّماً، بأثر يتجاوز التقنية إلى الاقتصاد العالمي كلّه.

وثالثها التشظّي التقني: أن ينقسم العالم إلى منظومتين تقنيتين لا تتحدّثان إلى بعضهما، بمعايير مختلفة وسلاسل منفصلة. هذا الانقسام يرفع الكلفة على الجميع، ويضع الدول المتوسّطة — ومنها العربية — أمام اختيار لا تريده.

ماذا يعني هذا للمستهلك العادي؟

قد يبدو كل ما سبق بعيداً عن حياة القارئ اليومية، وهو ليس كذلك. أثر هذا الصراع يصل إلى الجيب مباشرة: ارتفاع أسعار الحواسيب والهواتف بسبب أزمة الذاكرة، وتأخّر توافر بعض الطرازات، وارتفاع كلفة الخدمات السحابية التي تعتمد عليها التطبيقات التي نستخدمها مجاناً — والمجاني يُموَّل من مكان ما، وسيُموَّل غداً بإعلانات أكثر أو باشتراكات جديدة.

وثمة أثر أبعد: حين تصبح القدرة الحاسوبية مورداً نادراً وموزّعاً بحسب الجغرافيا السياسية، فإن ما يمكن لمجتمع أن يبنيه من أدوات وخدمات يصير مرهوناً بموقعه من هذه الخريطة. ومن لا يملك القدرة على المعالجة، يستأجرها؛ ومن يستأجرها، يقبل شروط المؤجّر.

خلاصة

ما يجري في أشباه الموصلات ليس منافسة تجارية بل إعادة رسم لخريطة القوة. الدولة التي تصمّم وتصنع وتشغّل تملك اليوم ما كانت تملكه الدول الصناعية في القرن التاسع عشر حين احتكرت الفولاذ والسكك.

ومن اللافت أن هذه الصناعة، على ضخامتها، تظلّ غير مرئية للمستهلك. لا أحد يشتري رقاقة؛ نشتري ما يُبنى حولها. ولهذا يمرّ تحوّل بهذا العمق دون أن يجد في الرأي العام ما يوازيه من نقاش، بينما تجري في الكواليس ترتيبات ستحدّد من يستطيع أن يبني ماذا في العقود القادمة.

والدرس العربي في هذا كلّه ليس الحسرة على غياب المصانع، بل إدراك أن مواقع القوّة في السلسلة متعدّدة، وأن بعضها في متناول اليد: الطاقة، والتصميم، والكفاءات، والبيانات. من يفهم السلسلة يعرف أين يمكنه أن يدخل. ومن لا يفهمها ينتظر أن يُباع له المنتَج النهائي، ويدفع ثمنه مرّتين: مرّة بالمال، ومرّة بالتبعية.