حين تكتب سؤالاً في نافذة محادثة وتتلقّى إجابة مفصّلة بعد ثوانٍ، يجري خلف الشاشة عمل هائل يبدو للوهلة الأولى سحراً. وكغالب ما يبدو سحراً، فإن فهمه يبدّد الرهبة ويستبدل بها شيئاً أنفع: القدرة على استعمال الأداة بذكاء، ومعرفة متى يُوثق بها ومتى لا يُوثق.
هذا المقال محاولة لشرح ما يحدث داخل «النموذج اللغوي الكبير» بلغة يفهمها القارئ غير المتخصّص، دون معادلات ودون تبسيط مخلّ.
الفكرة الأساسية: توقّع الكلمة التالية
جوهر هذه الأنظمة أبسط مما يُتخيّل. النموذج اللغوي آلة لتوقّع ما يأتي بعد. أعطِه «ذهب الطالب إلى» وسيقدّر أن الكلمة التالية على الأرجح «المدرسة»، وباحتمال أقلّ «الجامعة»، وباحتمال ضئيل جداً «القمر».
الأمر كلّه تكرار لهذه العملية. النموذج يتوقّع كلمة، يضيفها إلى النصّ، ثم يعيد الكرّة متوقّعاً الكلمة التالية بالنظر إلى النصّ كاملاً بما فيه ما أضافه للتوّ. وهكذا تتولّد الفقرة كلمةً كلمة، من اليسار إلى اليمين في الإنجليزية، ومن اليمين إلى اليسار في تصوّرنا للعربية — وإن كان النظام داخلياً لا يعرف يميناً ولا يساراً، بل تسلسلاً فحسب.
قد يبدو هذا تافهاً: كيف لآلة تخمّن الكلمة التالية أن تكتب مقالاً متماسكاً أو تحلّ مسألة رياضية؟ الجواب أن التوقّع الجيّد جداً للكلمة التالية يتطلّب فهماً ضمنياً لأشياء كثيرة. لكي تتوقّع بدقّة نهاية جملة تقول «كان المتّهم بريئاً، ولذلك حكم القاضي بـ...»، عليك أن تفهم المنطق القضائي. ولكي تكمل «حاصل ضرب سبعة في ثمانية يساوي...» عليك أن تحسب. الدقّة في التوقّع تُجبر النظام على تشكيل تمثيلات داخلية للعالم، لا لأنه أراد ذلك، بل لأنه لا سبيل آخر إلى التوقّع الدقيق.
الرموز: كيف ترى الآلة النصّ
النموذج لا يرى حروفاً ولا كلمات، بل «رموزاً» (tokens). قبل المعالجة، يُفكَّك النصّ إلى وحدات صغيرة وفق قاموس ثابت. كلمة شائعة قد تكون رمزاً واحداً، وكلمة نادرة قد تُفكَّك إلى ثلاثة أو أربعة.
لهذا التفصيل أثر عملي يهمّنا نحن العرب: أنظمة التقطيع صُمّمت في أغلبها انطلاقاً من الإنجليزية، فتفكّك العربية تفكيكاً أكثر تشتّتاً. الجملة العربية قد تستهلك ضعف ما تستهلكه ترجمتها الإنجليزية من الرموز. وبما أن التكلفة وحدود السياق تُحسب بالرموز، فإن العمل بالعربية أغلى وأسرع استنفاداً للذاكرة. وهو أيضاً سبب من أسباب الأخطاء الطريفة التي يرتكبها النموذج في التعامل مع تصريف الأفعال أو عدّ حروف كلمة عربية.
الشبكة والمعاملات
داخل النموذج شبكة عصبية اصطناعية: طبقات من العمليات الرياضية، تحتوي على مليارات الأرقام تُسمّى «المعاملات» أو «الأوزان». حين نقول إن نموذجاً «بسبعة مليارات معامل»، فنحن نتحدّث عن سبعة مليارات رقم، كل رقم منها ضُبط أثناء التدريب.
يبدأ التدريب بأرقام عشوائية. يُعرض على النظام نصّ، ويُطلب منه توقّع الكلمة التالية، فيخطئ. تُقاس درجة خطئه، ثم تُعدَّل الأوزان قليلاً في الاتجاه الذي كان سيقلّل الخطأ. تُكرَّر هذه العملية تريليونات المرّات على كميات هائلة من النصوص. لا أحد يبرمج قواعد النحو، ولا يُملي على النظام أن الفاعل مرفوع؛ هذه الأنماط تترسّب في الأوزان تلقائياً لأنها تحسّن التوقّع.
ولهذا فإن أحداً — بمن فيهم من بنى النظام — لا يستطيع أن يشير إلى موضع بعينه ويقول: هنا تُخزَّن قاعدة كذا. المعرفة موزّعة على مليارات الأرقام بطريقة لا تقبل التفسير المباشر. هذا هو ما يُسمّى مشكلة «الصندوق الأسود»، وهي ميدان بحثي نشط لا حلّ نهائياً له بعد.
الانتباه: البنية التي غيّرت كل شيء
حتى عام 2017 كانت الأنظمة اللغوية تعالج النصّ كلمةً بعد كلمة بالتسلسل، فتنسى ما جاء في أول الفقرة حين تصل إلى آخرها. ثم ظهرت بنية «المحوّل» (Transformer) القائمة على آلية «الانتباه».
الفكرة أن كل كلمة في النصّ تستطيع أن «تنظر» إلى كل الكلمات الأخرى وتقرّر أيّها مهمّ لفهمها. في جملة «سألت الطالبةُ معلّمتَها عن كتابها، فقالت إنه في الحقيبة»، على النظام أن يحدّد إلى من يعود الضمير في «قالت» وفي «كتابها». آلية الانتباه تتيح لكل كلمة أن تزن علاقتها بغيرها وتحدّد مرجعها.
ميزة هذه البنية أنها قابلة للمعالجة المتوازية على آلاف المعالجات في وقت واحد، وهو ما جعل تدريب نماذج بهذا الحجم ممكناً أصلاً. البنية التي بدت في حينها تحسيناً تقنياً كانت في الحقيقة الشرارة التي أشعلت العقد الحالي كلّه.
ثلاث مراحل حتى يصير النموذج مساعداً
المرحلة الأولى: التدريب المسبق. يُعرَّض النموذج لكميات هائلة من النصوص — كتب، مواقع، أوراق علمية، شيفرات برمجية — ويتعلّم التوقّع. المنتَج في نهايتها ليس مساعداً بل «مكمّل نصوص»: إن كتبت له سؤالاً، قد يجيبك، وقد يكتب لك عشرة أسئلة مشابهة، لأنه رأى في تدريبه صفحات أسئلة متتالية.
المرحلة الثانية: الضبط بالتعليمات. يُدرَّب النموذج على أمثلة من أسئلة وأجوبة جيّدة كتبها بشر، فيتعلّم النمط: حين تُعطى سؤالاً، أجب. هنا يبدأ في التصرّف كمساعد.
المرحلة الثالثة: التعلّم من التفضيلات البشرية. تُعرض على مقيّمين بشريين إجابتان للسؤال نفسه، فيختارون الأفضل. تُستخدم هذه الاختيارات لتوجيه النموذج نحو ما يفضّله البشر: إجابات أوضح، أكثر نفعاً، أقلّ ضرراً. هذه المرحلة هي التي تمنح النموذج «شخصيته» وأدبه وحدوده.
ومن المهمّ إدراك أن هذه المرحلة الأخيرة تنطوي على اختيارات قيمية: من هم المقيّمون؟ من أي ثقافة؟ ما الذي يعدّونه إجابة مهذّبة أو موضوعاً حسّاساً؟ الحياد التقني وهم؛ كل نموذج يحمل بصمة من ضبطه.
لماذا يخترع النموذج معلومات؟
الظاهرة الأشهر والأخطر تُسمّى «الهلوسة»: أن يقدّم النموذج معلومة خاطئة بثقة تامة، أو يخترع مرجعاً غير موجود، أو ينسب قولاً إلى شخص لم يقله.
السبب في صميم التصميم. النظام مدرَّب على إنتاج النصّ الأكثر احتمالاً، لا الأكثر صدقاً. وحين لا يملك المعلومة، فإن أكثر التتابعات احتمالاً هو ذاك الذي يشبه الإجابة الصحيحة في شكلها. اسم مؤلف عربي معقول، وعنوان كتاب معقول، ورقم صفحة معقول — كل ذلك متّسق أسلوبياً ومنعدم الصلة بالواقع.
ولهذا فإن أخطر استعمالات هذه الأدوات هي تلك التي تسأل فيها عن وقائع محدّدة يصعب التحقّق منها: تواريخ، أرقام، اقتباسات، مراجع، أحكام قضائية، أسماء أعلام غير مشهورين. القاعدة العملية: كلّما كان الجواب أدقّ وأكثر تحديداً، وجب التحقّق منه أكثر.
حدود أخرى ينبغي معرفتها
حدّ المعرفة الزمني. بيانات التدريب تتوقّف عند تاريخ معيّن. ما جرى بعده غير معروف للنموذج إلا إن زُوِّد بأداة بحث. وحتى مع البحث، قد يخلط بين ما قرأه للتوّ وما استقرّ في أوزانه.
حدّ السياق. لكل نموذج سعة قصوى للنصّ الذي يستطيع أن يأخذه بعين الاعتبار. تجاوزها يعني أن أوائل المحادثة تسقط، فيتناقض النموذج مع نفسه.
غياب الذاكرة الحقيقية. النموذج في أصله لا يتذكّر محادثات سابقة. ما تراه من «تذكّر» هو في الغالب نظام خارجي يعيد حقن ملخّصات في السياق.
الضعف أمام الرياضيات الدقيقة. لأنه يتوقّع الرموز لا يحسب، قد يخطئ في عملية حسابية طويلة رغم إتقانه شرح النظرية. الأنظمة الحديثة تعالج ذلك باستدعاء آلة حاسبة فعلية، وهو حلّ عملي يكشف طبيعة المشكلة.
من النموذج إلى «الوكيل»
ما يستخدمه الناس اليوم لم يعد نموذجاً عارياً، بل منظومة حوله. أُضيفت إلى النموذج أدوات يستطيع استدعاءها: محرّك بحث ليطّلع على ما استجدّ، ومفسّر شيفرة ليحسب فعلياً بدل أن يخمّن، وقاعدة مستندات ليستند إلى مصادر بعينها بدل الاعتماد على ذاكرته.
هذه الإضافة غيّرت طبيعة الأداة. حين يُسأل النموذج المزوَّد بمصادر عن معلومة، فإنه يبحث أولاً ثم يجيب مستنداً إلى ما وجد، ويمكنه أن يذكر مصدره. هذا يقلّص الهلوسة كثيراً، لكنه لا يلغيها: يبقى النموذج قادراً على إساءة قراءة المصدر، أو على المزج بين ما قرأه وما يظنّه.
وحين تُمنح هذه المنظومة القدرة على تنفيذ خطوات متتابعة بنفسها — يبحث، يقرأ، يقرّر، ينفّذ، يراجع — نكون أمام ما يُسمّى «الوكيل». وهنا ينتقل السؤال من «هل الجواب صحيح؟» إلى «هل التصرّف صائب؟»، وهو سؤال أثقل بكثير، لأن الخطأ لم يعد جملة خاطئة بل فعلاً في العالم.
مفتوح أم مغلق؟
تنقسم النماذج إلى نوعين. «مغلقة الأوزان»: لا تُتاح أرقامها الداخلية، ويصل إليها المستخدم عبر خدمة على الإنترنت. و«مفتوحة الأوزان»: يمكن تحميلها وتشغيلها على جهاز محلي وتعديلها.
الفارق ليس تقنياً فقط. النموذج المفتوح يتيح للجامعة أو المؤسسة أن تشغّله داخل شبكتها، فلا تخرج بياناتها الحسّاسة، وأن تخصّصه لمجالها، وأن تدقّق في سلوكه. وهذا مهمّ بوجه خاص للمؤسسات العربية التي تتعامل مع بيانات لا يجوز إرسالها إلى خوادم في الخارج. في المقابل، تظلّ النماذج المغلقة الأكبر عادةً في الصدارة من حيث القدرة الخام.
والاتجاه العملي السائد اليوم هو المزج: نموذج مفتوح صغير يعمل محلياً للمهام اليومية والبيانات الحسّاسة، ونموذج كبير عبر الخدمة للمهام الصعبة. وهذا التقسيم أرخص وأكثر أماناً من الاعتماد على خيار واحد.
كيف تحصل على نتائج أفضل؟
فهم الآلية يقود مباشرة إلى استعمال أفضل:
أعطِ سياقاً كافياً. النموذج لا يعرف عنك شيئاً. حدّد من أنت، ولمن تكتب، وما الغرض. «اكتب مقالاً عن الماء» طلب فقير؛ «اكتب مقالاً من ثمانمئة كلمة عن أزمة المياه في غزة موجّهاً لقارئ ثقافي عام» طلب غنيّ.
اطلب الخطوات لا النتيجة. في المسائل التي تحتاج استدلالاً، اطلب منه أن يبيّن تفكيره خطوة خطوة. هذا يحسّن النتائج فعلياً، لأن كل خطوة مكتوبة تصير جزءاً من السياق الذي تُبنى عليه الخطوة التالية.
قدّم أمثلة. مثالان أو ثلاثة على الشكل الذي تريده أنفع من فقرة من التعليمات المجرّدة.
لا تجادل نفياً. «لا تستخدم كلمات معقّدة» أضعف أثراً من «استخدم لغة يفهمها طالب في الثانوية».
ابدأ محادثة جديدة عند التشوّش. إن بدأ النموذج يكرّر خطأً، فالأرجح أن الخطأ صار جزءاً من سياقه، ولن يخرج منه بالإلحاح.
خلاصة
النموذج اللغوي الكبير ليس عقلاً ولا موسوعة. إنه نظام إحصائي بالغ التعقيد، تعلّم أنماط اللغة البشرية بدقّة تكفي لمحاكاة الفهم في معظم المواقف، ولا تكفي لضمانه في أي موقف بعينه.
ولعلّ أنفع ما يمكن أن يخرج به القارئ من هذا الشرح هو تبديل السؤال. بدل أن نسأل «هل النموذج ذكي؟» — وهو سؤال فلسفي لا نهاية له — نسأل: «ما نوع المهمّة التي بين يديّ؟». فإن كانت مهمّة صياغة وتحويل وتلخيص، فالنظام قوي فيها بطبيعته لأنها في صميم ما تدرّب عليه. وإن كانت مهمّة استرجاع واقعة دقيقة أو حساب أو حكم يترتّب عليه أثر، فالنظام ضعيف فيها بطبيعته، ولا بدّ من مصدر أو أداة أو مراجع بشري. هذا التمييز البسيط يوفّر على المستخدم أكثر مما توفّره عشرات الحيل.
وهذا التوصيف ليس تقليلاً من شأنه. أداة تُحسن الصياغة، وتلخّص، وتترجم، وتقترح، وتشرح، وتبرمج، أداة عظيمة النفع. لكنها تظلّ أداة تحتاج إلى يد تعرف ما تريد وعين تعرف كيف تراجع. من فهم كيف تعمل، عرف أين يثق وأين يتحفّظ؛ ومن لم يفهم، ظلّ متأرجحاً بين انبهار ساذج وخوف بلا موضوع.