في مطلع عام 2026 أعلن «معهد الابتكار التكنولوجي» في أبوظبي إطلاق نموذج «فالكون إتش-1 عربي»، بثلاثة أحجام: ثلاثة مليارات، وسبعة مليارات، وأربعة وثلاثين مليار معامل. الأرقام التي رافقت الإعلان كانت لافتة: النموذج الأصغر تفوّق على منافسين من حجمه بنحو عشر نقاط في لوحة الصدارة المفتوحة للنماذج العربية، والنموذج الأوسط تجاوز نماذج تفوقه حجماً، والأكبر سجّل نتيجة أعلى من أنظمة تتخطّى السبعين مليار معامل. ومعه اتّسع سياق المعالجة إلى 256 ألف رمز، أي ما يكفي لتحليل كتاب كامل دون أن يفقد النموذج خيطه.
لكن وراء هذه الأرقام سؤالاً أهمّ من الأرقام: هل تدخل العربية عصر الذكاء الاصطناعي بوصفها لغة كاملة الأهلية، أم بوصفها لغة مترجَمة عن الإنجليزية بأدوات مستوردة؟ الإجابة ليست تقنية بحتة؛ إنها ثقافية وسياسية بامتياز.
الفجوة التي بدأت قبل الخوارزميات
النماذج اللغوية لا تخترع اللغة، بل تتعلّمها من نصوص موجودة. ومن هنا يبدأ الخلل. العربية لغة يتحدّث بها أكثر من أربعمئة مليون إنسان، لكن حضورها في النصّ الرقمي المتاح للتدريب أقلّ بكثير مما يوحي به هذا الرقم. المكتبات الرقمية العربية أصغر، والدوريات العلمية المرقمنة أقلّ، والصحافة المؤرشفة رقمياً أحدث عهداً، وكثير من الإنتاج الثقافي العربي في القرن العشرين ما زال حبيس الورق.
النتيجة أن نموذجاً يتدرّب على «الإنترنت» يرى الإنجليزية بوصفها لغة العالم، والعربية بوصفها لغة هامشية. وحين يُطلب منه أن يكتب بالعربية، فإنه يفعل ذلك بطريقة تحمل بصمة الإنجليزية: تراكيب مترجمة، تفضيل للجملة الاسمية القصيرة، ضعف في استعمال أدوات الربط العربية، وميل إلى مفردات القاموس لا مفردات الاستعمال. القارئ المتمرّس يشمّ هذه الرائحة فوراً، حتى وإن لم يستطع تسميتها.
ثمة مشكلة تقنية أعمق تُعرف بـ«التقطيع»: كل نموذج يفكّك النصّ إلى وحدات صغيرة قبل معالجته، وأنظمة التقطيع المصمّمة أساساً للإنجليزية تفكّك الكلمة العربية إلى قطع أكثر مما تفكّك نظيرتها الإنجليزية. معنى ذلك عملياً أن الجملة العربية تكلّف النموذج جهداً وتكلفة أعلى، وتستهلك من ذاكرته السياقية أكثر. لغتنا، في هذه الأنظمة، أغلى.
ثلاثة مشاريع عربية، وثلاث مقاربات
الردّ العربي على هذا الوضع تبلور في السنوات الأخيرة عبر مشاريع عدّة، لكلّ منها فلسفته.
«جيس»، الذي أطلقته مؤسسات إماراتية بالشراكة مع جهات بحثية، اتّخذ منذ البداية موقفاً واضحاً: نموذج مفتوح الأوزان، أي يمكن للباحثين تحميله وتشغيله وتعديله. هذا الانفتاح هو ما جعله ينتشر في الجامعات ومراكز البحث، ويصير أساساً لمشتقّات كثيرة. القيمة هنا ليست في الأداء وحده بل في بناء نظام بيئي.
«فالكون» سلك طريق التميّز التقني. بنيته الهجينة، التي تمزج معماريتين مختلفتين، تسعى إلى خفض تكلفة المعالجة مع رفع الأداء — وهو ما يهمّ عملياً أي جهة تريد تشغيل النموذج على بنية تحتية محدودة، وهذا حال معظم المؤسسات العربية.
«علّام» السعودي جاء بمقاربة مختلفة: التركيز على السياق المحلي، والالتزام بالمرجعيات الثقافية والدينية، والتكامل مع الخدمات الحكومية. إنه أقلّ سعياً إلى صدارة اللوحات، وأكثر سعياً إلى أن يكون مفيداً في مؤسسة بعينها.
وقد ظهرت إلى جانبها مشاريع أخرى، مثل «فَنار» القطري، ومبادرات مصرية ومغربية وتونسية أصغر حجماً لكنها مهمّة لأنها تعمل على اللهجات المحلية — وهي المنطقة الأكثر إهمالاً.
والملاحظة الجديرة بالتسجيل أن هذه المشاريع، على تنافسها، تشترك في مشكلة واحدة: ندرة البيانات العربية عالية الجودة. جميعها تغرف من البئر نفسها، وهي بئر ضحلة نسبياً. ولهذا فإن التنافس بينها على النتائج أقلّ أهمية من التعاون بينها على توسيع البئر: بناء مدوّنات نصية مشتركة، وتوحيد معايير التقييم، وإتاحة أدوات معالجة اللغة العربية مفتوحة المصدر. المنافسة على قمّة صغيرة أقلّ نفعاً من توسيع القاعدة.
معضلة اللهجات
حين نقول «اللغة العربية» في سياق الذكاء الاصطناعي، فإننا نعني في الغالب الفصحى المعاصرة. لكن العربي لا يعيش حياته بالفصحى. يشتري ويبيع ويغضب ويمازح ويداوي طفله بالعامية. وأي نظام يريد أن يكون مفيداً في الطبّ أو خدمة العملاء أو التعليم الأساسي، عليه أن يفهم العامية.
والمشكلة أن «العامية» ليست لغة واحدة. بين المغربية والعراقية مسافة تفوق أحياناً المسافة بين لغتين أوروبيتين شقيقتين. وبين المصرية والخليجية والشامية فروق في المفردات والتراكيب والدلالات، بل وفي معاني الكلمة نفسها. جمع بيانات كافية لكل لهجة عمل ضخم، لا يجذب الاستثمار لأن العائد التجاري لكل لهجة على حدة محدود.
وهنا تظهر مسؤولية ثقافية: توثيق اللهجات العربية رقمياً — تسجيلات، نصوص، حوارات، أمثال، أغانٍ شعبية — لم يعد مجرّد عمل فلكلوري. إنه اليوم شرط لبقاء هذه اللهجات مفهومة للأنظمة التي ستتوسّط بيننا وبين الخدمات. اللهجة التي لا تُرقمن ستصير، بعد جيل، لهجة لا تفهمها الآلات، ومن ثمّ لهجة أقلّ نفعاً، ومن ثمّ لهجة متروكة.
ما الذي تحسنه هذه النماذج فعلاً بالعربية؟
من الإنصاف أن نميّز بين مستويات الأداء بدل إطلاق حكم واحد. النماذج العربية الحديثة صارت جيّدة جداً في التلخيص، وفي الإجابة عن أسئلة معرفية عامة، وفي التحرير اللغوي وتصحيح الأخطاء الإملائية والنحوية الشائعة، وفي التحويل بين الفصحى والعامية في اتجاه واحد على الأقلّ. هذه مكاسب حقيقية، وأثرها في العمل اليومي للصحفي والمعلّم والموظّف ملموس.
وهي متوسطة الأداء في الترجمة الأدبية، وفي التعامل مع النصّ التراثي المشكول، وفي فهم السياقات الفقهية والقانونية الدقيقة، وفي الاستدلال الطويل بالعربية — إذ يلاحظ الباحثون أن كثيراً من النماذج «تفكّر» داخلياً بالإنجليزية ثم تترجم، فتظهر في مخرجاتها آثار هذه الترجمة الداخلية.
وهي ضعيفة في الشعر الموزون حين يُطلب التزام بحر بعينه بدقّة، وفي التشكيل الكامل الصحيح، وفي التمييز بين اللهجات المتقاربة، وفي المعلومات المحلية الدقيقة عن مدن ومؤسسات وأعلام خارج دائرة الشهرة. وهذه المنطقة الأخيرة هي الأخطر، لأن النموذج فيها لا يصمت بل يخترع.
العائق الصامت: النصّ الحبيس في الصور
ثمة عقبة تقنية قليلة الذكر لكنها حاسمة: التعرّف الضوئي على الحروف العربية. ملايين الصفحات من التراث العربي والصحافة والدوريات مخزّنة على شكل صور ممسوحة ضوئياً، لا نصّ فيها. والحرف العربي المتّصل، بتنوّع أشكاله حسب موقعه، وبنقاطه وتشكيله، جعل التعرّف الآلي عليه أصعب بكثير من اللاتيني، وتأخّر جودة الحلول عقوداً.
الخبر الجيّد أن النماذج البصرية اللغوية الحديثة أحدثت قفزة هنا: صار بالإمكان قراءة صفحة مخطوطة أو صفحة مجلة قديمة بدقّة عالية، بل واستخلاص بنيتها من عناوين وفقرات وحواشٍ. معنى ذلك أن مشروع رقمنة المكتبة العربية، الذي بدا لعقود حلماً بعيداً، صار مسألة إرادة وتمويل لا مسألة استحالة تقنية.
وهذه فرصة تاريخية بالمعنى الحرفي: الأرشيف الذي يُرقمن اليوم هو الذي سيتدرّب عليه الجيل القادم من النماذج، وهو الذي سيحدّد ما إذا كانت الآلة تعرف عن الأدب العربي الحديث بقدر ما تعرف عن نظيره الفرنسي.
من يقرّر ما هي «العربية الصحيحة»؟
ثمة سلطة جديدة تتشكّل بهدوء. حين يصحّح نظام آلي جملتك، ويقترح صياغة «أفضل»، ويرفض تركيباً بوصفه ركيكاً، فإنه يمارس دور المعياري اللغوي. الفرق أن المجامع اللغوية كانت هيئات معروفة، تصدر قراراتها علناً، ويمكن مساءلتها ونقدها. أما النموذج فيمارس المعيارية ضمنياً، عبر ملايين التفاعلات اليومية، دون أن يعلن قواعده أو يبرّرها.
ومن أين يستمدّ هذا النظام معياره؟ من البيانات التي رآها. فإن كان معظم ما رآه من العربية آتياً من صحافة رقمية معاصرة ذات أسلوب معيّن، فسيصير هذا الأسلوب هو «الصواب» في تقديره. وستُوصَم أساليب أخرى — أدبية، تراثية، إقليمية — بالغرابة. هكذا تُفرض ذائقة لغوية لم يقرّرها أحد، ولم يصوّت عليها أحد، وليس لها عنوان يُشتكى إليه.
لا يعني ذلك أن نرفض الأدوات، بل أن نستخدمها ونحن ندرك أنها ليست حَكَماً محايداً. حين يقترح عليك النظام تعديلاً، أنت أمام رأي إحصائي لا أمام حكم لغوي، ولك أن ترفضه.
ما الذي يمكن فعله؟
القدرة على التأثير في هذا المسار ليست حكراً على الحكومات وشركات التقنية. هناك أعمال ملموسة في متناول المؤسسات الثقافية والأفراد:
رقمنة الأرشيف الثقافي. كل مجلة أدبية عربية تحوّل أعدادها القديمة إلى نصّ رقمي قابل للبحث تسهم مباشرة في تشكيل العربية التي ستتحدّث بها الآلات. وهذا العمل، بعكس ما يُظنّ، صار أرخص بكثير بفضل تحسّن أنظمة التعرّف الضوئي على الحروف العربية.
الإتاحة الواضحة. لا يكفي أن يكون النصّ منشوراً؛ ينبغي أن يكون قابلاً للفهرسة، بترميز سليم، وبنية واضحة، وترخيص محدّد. كثير من الكنوز العربية على الشبكة مخزّنة كصور لا يمكن قراءتها آلياً، فهي كأنها غير موجودة.
التقييم النقدي. نحتاج إلى نقّاد لغويين يختبرون هذه النماذج بجدّية: كيف تتعامل مع الاستعارة؟ مع التضمين القرآني؟ مع الإحالة التراثية؟ مع السخرية؟ لوحات الصدارة تقيس أشياء محدودة، والأدب فيها غائب تقريباً.
المشاركة في البيانات المفتوحة. ثمة مبادرات عربية لجمع بيانات لغوية مفتوحة يمكن للأفراد المساهمة فيها، بتسجيل أصواتهم أو مراجعة نصوص أو توثيق مفردات لهجاتهم. المساهمة الصغيرة هنا تُراكم.
بين السيادة والانفتاح
يدور في المنطقة نقاش حول «السيادة الرقمية»: هل يجب أن تمتلك الدول العربية نماذجها الخاصة، المدرّبة على بنيتها التحتية، الخاضعة لقوانينها؟ الحجّة قوية: الاعتماد الكامل على أنظمة أجنبية يعني أن قرارات جوهرية — ما يُسمح بقوله، وكيف يُمثَّل تاريخنا، وأي البيانات تُخزَّن وأين — تُتَّخذ خارج المنطقة.
لكن السيادة لها ثمن. تدريب نموذج كبير من الصفر يتطلّب استثماراً هائلاً في الرقائق والطاقة والكفاءات، والنتيجة قد تكون نموذجاً أضعف من البدائل المتاحة مجاناً. ولهذا يميل كثير من المشاريع العربية إلى حلّ وسط: البناء على نماذج مفتوحة قائمة، وتخصيصها بالبيانات العربية، وتشغيلها محلياً. سيادة على الاستخدام والبيانات، لا على الأساس التقني.
هذا الحلّ عملي، لكنه يترك سؤالاً معلّقاً: من يملك الأساس، يملك في النهاية القدرة على تغيير قواعد اللعبة. والاكتفاء بالتخصيص يعني البقاء في موقع المستخدم المتقدّم لا المنتج المستقلّ.
خلاصة
العربية اليوم في لحظة مفصلية. لأول مرة منذ قرون، تُعاد صياغة علاقتها بالتقنية من موقع غير هامشي: هناك نماذج عربية جيّدة، وباحثون عرب في الصفّ الأول، واستثمارات ضخمة. لكن التقنية وحدها لا تكفي. ما يحدّد مصير لغة في العصر الرقمي هو حجم ما تنتجه بها من معرفة، ونوعية ما ترقمنه من تراثها، وجدّية ما تطالب به من احترام لخصوصيتها.
ولنتذكّر أن اللغات لم تمت يوماً لأنها عجزت عن التعبير، بل لأن أهلها توقّفوا عن إنتاج ما يستحقّ أن يُعبَّر عنه بها. اللاتينية لم تسقط لضعف في نحوها، والسريانية لم تنحسر لفقر في معجمها. تراجع اللغات يبدأ حين تصير لغة الحياة اليومية شيئاً، ولغة العلم والعمل والمستقبل شيئاً آخر. وهذا تحديداً هو الخطر الذي تضاعفه التقنية إن تُركت وشأنها: أن تصير العربية لغة الوجدان والذكريات، والإنجليزية لغة كل ما يُنجَز فعلاً.
الخطر ليس أن تعجز الآلة عن العربية؛ فهي تتحسّن بسرعة. الخطر أن تجيدها إجادةً سطحية، فتنتج عربية صحيحة نحوياً، فقيرة ثقافياً، مقطوعة الصلة بتاريخها، ثم نعتاد عليها ونظنّها لغتنا. ودرء هذا الخطر ليس مهمّة المهندسين وحدهم، بل مهمّة كل من يكتب بالعربية اليوم.