لمْ يكنْ للفَراشةِ منْ أثَرٍ
إلى" محمود درويش”
حافظ محفوظ
1
قطّعْ فُلْفُلَكَ وَفُجْلَكَ
لَكَ مَا شِئْتَ مِنَ الوَقْتِ وَأكثر
أبصرتُ فتاةً فوق سريرك،
لا تلمسهَا وامتحنِ السكّينَ مِرارا
خذْ قِطعة لحمٍ، ألقِ بها في النّارِ
ستنضجُ بعد قليلٍ.
لا تَسكبْ زيتَ الزيتونِ عليهَا،
دَعْها تحمرُّ
أضفْ قطراتٍ من خلِّ التفّاحِ،
كثيرًا منهُ إنْ شئتَ
فلنْ تبقَى غير رَوائحهِ فوقَ شفاهِ فتاتكَ
مُوسيقَى ترفعُ قبّعةَ الأمبراطور وتسقِطهُ
عنْ عرشِ نبيذكَ
صبَّ لها كأسًا ثانيةً
واتركْها تَنزعْ فُستانَ اللّوزِ
بِرفقٍ
كيْ لا توقظَ أفراخَ السمّانِ،
برفقٍ
فالغزلانُ تنامُ حذاء البئرِ،
بِرفقٍ
فاللّيْلُ وَحِيدٌ
اللّيلُ فتًى يكبرُكَ بشهرينِ وقيلَ بعامينِ
ولكنّكَ أطولُ منهُ ظلامًا
فاجلسْ معهُ كصديقٍ
واختلِفَا في موْعدِ حبٍّ
أحضرْ خبزَ القمحِ السّاخنِ منْ فُرنكَ
لا تنظرْ ناحيةَ البابِ أو ناحيةَ الشبّاك،
أعدَّ المائدةَ
فَتاتُكَ نائمةٌ
وعشاؤكَ منصوبٌ
وأنا أبْكِي كَنبيّ مغدور.
2
ماذا تفعلُ عندكَ؟
منْ ألقى بك في ذاك الجبِّ؟
ألمْ نخرجك قديما
ورعاك الفرعونُ؟
وما ذاك الدّمُ فوق قميصِكَ؟
هلْ أعددتَ طعاما لضيوفِ أبيكَ؟
وتلك القارورةُ فوق سَريركَ،
من جاءَ بحقلِ اللّوزِ إلى بيتكَ؟
هيّا اخْرجْ
مُدَّ يديْك إلينَا
سنُعيدكَ هذي المرّةَ لأبيكَ
فلا تلعبْ خارجَ سُور الدّارِ
ولا تأمنْ إنسًا أو جانا
وتعلَّمْ كيفَ تطيرُ
فقدْ أعطيناكَ جناحيْن
تعلّمْ كيفَ تطيرُ
فعيْبٌ أن يمشِي رجلٌ مثلكَ
كالنّاسِ على قدميْن.
3
لمْ يتغيّرْ شيْءٌ منذ قفزتَ على أسوارِ الأرضِ
وهمْتَ بعيدا.
لم تظهرْ شمسٌ ثانيةٌ
المطرُ كعادته يصعدُ من أعلَى
الأسماكُ ترابط في البحر وتحلمُ بك
الوردُ هو الوَرْدُ وينشر عِطرك
الخبزُ هو الخبزُ
في الفجرِ وفي الظهرِ وفي أحلام الجَوْعَى.
هل تذكر رائحةَ امرأةٍ تُلقي في التنّورِ عجينتَها؟
هلْ تذكرُها تدعوكَ لتنقرَ حبّاتِ القمح مِن كفّيهَا؟
هِيَ هِيَ
يمكنها أنْ تبقى حُوريةَ الشعراءِ جميعا.
يمكنها أنْ ترسلَ دمعتَها خلفَ السّور
ويمكنني أن أبكيَ كنبيّ مغدور.
4
لمْ يكنْ للفراشةِ من أثرٍ
غيْرَ أنّكَ صدّقتَ ما تزعمُ النّارُ،
صدّقتَ جمرتهَا.
الرّمادُ افتتانُ الفناءِ بصورتهِ
الرّمادُ بقاءُ القصيدةِ في غمدِهَا
وجيادٌ مكبّلةٌ بالرّثاءِ.
تملكُ اليومَ ما كنتَ تملكُ أمْسِ
سِوَى أنّ بينهما سرَّ هذا الهواءِ
تملك اليومَ ما كنت تملك أمسِ وأكثر
أشعارَ أسخيليوس بصوته
والشُّهداءَ جميعًا
وإخوَتَكَ السّاجدينَ على سُحُبٍ من دُعاءِ
تملك الوقتَ للانحناء كداليةٍ نحوَنا
وكزيتونةٍ نحو حوريةٍ في الغناءِ
لمْ يكنْ للفراشةِ منْ أثرٍ
رُبّما أثَر الانسلالِ من الأرضِ نحْوَ السّماءِ.
تونس سبتمبر 2008