ستون عاما على ذكرى النكبة (1948 ـ 2008):

وتشييع جثمان الْعَرَب!

              

               شعر: محمد ياسين العشاب

 

سِتُّونَ عَامًـا، يَـا بَنِيَّ تَأَهَّبُـوا!***سِتُّونَ عَـامًا كَيْفَ مِنْهَـا نَهْرُبُ؟!

سِتُّونَ عَامًا وَالْحَقِيقَةُ لَـمْ تَـزَلْ***بَيْنَ الْغَيَاهِـب،ِ وَالْمَصَائِدُ تُنْصَـبُ!

أَوَ مَا كَـفَانَا مَا جَرَى فَلَقَدْ جَرَى***هَوْلٌ تَدَكُّ بِـهِ الْجِبَـالُ وَتَـذْهَـبُ!

سِتُّونَ عَـامًـا يَا بَنِـيَّ وَأُمَّتِـي***تَصْلَى الْجَحِيمَ وَفِي لَظَاهُ تُقَـلَّـبُ

سِتُّونَ عَامًـا وَالنُّفُـوسُ سَقِيمَةٌ***مِـمَّا رَأَتْـهُ فَصَـدْعُهَا لاَ يُـرْأَبُ

تَجْتَـرُّ مِنْ قَاسِي الْمَرَارَةِ حَنْظَلاً***وَمَرَارَةُ الْمَاضِـي أَشَـدُّ وَأَصْعَـبُ

سِتُّونَ عَامًا كَيْفَ مَرَّتْ وَامْتَطَتْ*** ظَهْرَ الْحَقِيقَـةِ وَالْحَقِيقَـةُ تَعْـجَبُ!

إِنَّـا رَعَيْنَـاهَا بِمَحْضِ خِيَانَـةٍ***وَخِيَانَـةُ الرَّاعِـي أَحَـطُّ وَأَغْـرَبُ!

سِتُّونَ عَامًـا قَدْ مَضَتْ يَا أُمَّتِي***وَالْجَبْـرُ يَنْهَـبُ مِنْ حِمَاكِ وَيَسْلُبُ

فَإِذَا الْحِمَى نَهْبٌ وَهَاتِكُ عِرْضِهِ***يَجْنِي الثِّمَارَ كَـمَا يَشَـاءُ وَيَحْلُـبُ!

سِتُّونَ عَـامًا يَا عِبَـادُ لَقَـدْ مَضَتْ***والْقَلْبُ نَـارٌ وَالْحَـشَا مُتَلَهِّـبُ

                  سِتُّونَ عَامًا كَيْفَ لَـمْ نَـعِ دَرْسَـهَا***قَضَتِ السِّنِينُ وَلَمْ نَزَلْ نَتَرَيَّـبُ

حَتَّى مَتَى نَرِثُ الْمَذَلَّــةَ وَالأَسَـى***حَتَّى مَتَى وَإِلَى مَتَى لاَ نَغْضَـبُ!!

 

***   ***   ***

 

وَاحَرَّ قَلْبِيَ كَمْ صَبَرْتُ وَلـَمْ أَزَلْ*** فِي نَـارِ صَبْرِيَ عَانِـيًا أَتَقَـلَّـبُ

مَالِي تُحَمِّـلُنِي الحوادثُ كُـلَّـمَا***عَصَفَتْ مآسِيَـهَا وَرُشْدِيَ تَسْـلُبُ

إِنِّي وَأَشْجَانٌ تُصَفِّـدُ خَـافِقِـي *** مِنْ حَسْـرَةٍ فِي أََسْرِهَـا أَتَعَـذَّبُ

يَبْكِي فُؤَادِيَ مِنْ أَسَـاهُ وَمُهْجَتِي***تُسْقَى شَجَاهَـا عَلْـقَـمًا لا يُشْرَبُ

فكَأَنَّمَا جِسْمِي وَكُـلِّـيَ لَوْعَــةٌ***أَضْحَى هَبَـاءً وَالشُّعُورُ مُغَـيَّـبُ

والنفسُ تَسْكُبُ زَفْرَةً وَ الرُّوحُ تَذْ***هَـبُ حسرةً فِي قٌلْبِ فِكْرِيَ تَضْرِبُ!

آهٍ عَلَى شَعْـبٍ يُـبَـادُ وَأُمَّـتِي***بالصَّمْتِ تَحْفِـلُ وَالسُّكُونِ تُرَحِّـبُ!

كَمْ كُنْتُ أَفْخَرُ أَنْ يُمَجَّـدَ يَعْـرُبٌ*** فالْيَـوْمَ أَخْجَـلُ أَنْ يُمَجَّـدَ يَعْرُبُ!

مَا لِلْعُرُوبَةِ قد ثَوَتْ، وَلِمَنْ نُعَـــــمِّرُ بَعْـدَها، وَلِمَنْ تُرَانَا نُنْسَـبُ؟

لكَـأَنَّ آفَـاقَ الْبِـلادِ تَـلَبَّـدَتْ*** غَـيْـمًا يُجَمِّـعُهُ السُّكوُنُ الأَرْحَبُ

وَتَعَالَـتِ الأَصْـوَاتُ تَنْعَى فَقْدَهَا*** وَالأُفْـقُ رَعْـدٌ وَالرَّدَى يَتَصَبَّـبُ

لَمْ تََكْتَرِثْ وَالنَّاسُ تُقْـتَـلُ بُكْرَةً***وَدِيَـارُهُـمْ وَجْـهَ النَّهَـارِ تُخَرَّبُ

أَبَـتِ الكلامَ وَقدْ أَتَـاهَا عَاصِفٌ***مِنْ مَعْشَرٍ بَعْدَ الْهَـوَانِ تَـذَأَّبُـوا!

حَلُّوا بأرضِ اللهِ فانْتَهَكُوا الحِمَى***وتَجَاسَرَتْ أَيْـدِي الدَّنَـاءَةِ تَنْهَـبُ

سَفَكُوا الدماءَ و دَمَّرُوا كلَّ القُرَى*** وَالْقَاذِفَـاتُ إِلَى الشَّبَـابِ تُصَوََّبُ

دَخَلُوا المساجدَ والكنائسَ فاعْتَدَوْا*** في بَيْتِ لَحْمٍ شَرُّهُـمْ لا يُحْجَـبُ

هَدَمُوا الديارَ وَأَفْسَـدُوا، فتَعَلَّلَـتْ*** بالخِزْيِ أُمّـَتُـنَا وَبَاتَتْ تَنْـدُبُ!

أَوَ تَرْتَضِي فِيـنَا الْعُرُوبَةُ أن تَرَى*** هَذَا الهوانَ ولا تقومُ  و تغضَبُ!!

لَمَّا استغاثَ بِهَا بَنُوهَـا حَسْــرَةً***قَالَتْ لَهُمْ: مِنْ بَحْرِ غَزَّةَ فَاشْرَبُوا!

 

***   ***   ***

 

                   أَزْرَتْ بِنَا في العالمينَ مَشَاهِــدٌ***وَقَـفَـتْ لَهَا كُـلُّ البريةِ تَعْجَبُ!

                   إِذْ قَـامَ أبطَـالٌ لَبُوسُهُـمُ الْعُـلَا***طَلَبُوا الشَّهَادَةَ مَا سِوَاهَا يُطْلَبُ؟

                   لَكَأَنَّـهَا جَنَّـاتُ عَــدْنٍ أُزْلِفَـتْ***لِمَنِ اصْطَفَاهُمْ رَبُّهُمْ فتَأَهَّـبُـوا

                   يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخْشَـوْنَ الْعَـذَا***بَ وَغَيْرُهُـمْ قبلَ المَـمَـاتِ يُعَذَّبُ

                   عَبَرُوا حُدُودَ النفسِ قبلَ حُدُودِهِمْ ***وَتَجَـاوَزُوا دَرَكَاتِهَـا فتَغَـلَّـبُـوا                        

                   إِذْ أَقْدَمُوا وَصُدُورُهُـمْ مَكْـشُوفَـةٌ***وَالغَاصِبُونَ أمامَهُم قَـدْ أُرْهِبُـوا

                   وَتَقَدَّمُـوا نحوَ العَـدُوِّ بِـلاَ وَنًـى***وَجَمِيـــعُ دَبَّـــابَاتِهِ تَتَأَهَّبُ

                   لَمْ يَرْجِعُـوا أَبَـدًا، وَكَيْفَ وكُـلَّـمَا***نَبَذُوا الحياةَ سَعَتْ إليهم تَحْـدِبُ

                   جَـادُوا بِأَرْوَاحٍ سَمَـتْ وَبِهِـمَّــةٍ***رَفَعَـتْ لِـوَاءً لِلْكَرَامَـةِ يُرْهَبُ

                   صَدَعُوا الحقيقةَ فانْجَلَتْ، يا لَيْـتَـنَا*** لِمَعَـادِنِ الأحْـرَارِ يَوْمًا نُنَْسَبُ!

                   لِلَّـهِ دَرُّكِ يَـا ابْنَـةَ الأقصى، فَـمَا***فيـنَا فتًى من مثلِ نَبْعِكِ يَشْرَبُ!

                   "آيَـاتُ" لَـوْ أَنَّـا قَدَرْنَـا مَا هَمَـتْ***مِنَّا الدُّمُـوعُ وَمَا لِمِثْلِكِ تُسْكَبُ                     

                   أَفَمَنْ حَبَـاهُ اللـهُ فَضْـلًا وَارْتَـقَـى***نحو الجِنَانِ كَمَنْ يَنَامُ وَيَطْرَبُ ؟

                   ما مِثْلُهُـمْ في عِـزَّةٍ و كَرَامــــةٍ***أَبَـدًا، وَلاَ شَـأْوٍ بَعِيدًا يُطْلَبُ          

                   سَـارُوا وَنورُ اللَّهِ فَيْـضٌ وَالسَّـنَا***يَهْدِي به مَنْ في الشهادةِ يَرْغَبُ

                   كَمْ لَـذَّةٍ ذَاقُوا وَكَـمْ مِـنْ مُتْـعَــةٍ*** شَرِبُوا إذا سَاحُ الجهادِ تَلَهَّبُ!

خَيْـرَ الـبَـرِيَّـةِ جِـئْـتَنَا بِمَعَزَّةٍ***كُنَّا بِـهَا بَيْـنَ الْبَـريَّةِ نُرْهَـبُ

وسَـلاَ ضِيَاءَكَ مَعْشَـرٌ لم يَعْرِفُوا *** مَعْـنَى الضّيَاءِ، فَلَيْلُهُمْ مُتَغَلِّـبُ

لَوْ أَنَّهُمْ جَاءُوكَ طَهَّـرْتَ العُـقُـو *** لَ وكُلَّ قَلْبٍ في الهدايةِ يَرْغَـبُ

آهٍ لَكَمْ ذُقْنَا المَرَارَةَ بَعْــــدَمَـا*** هِمْنَا نَرُومُ سِوَاكَ، وهْوَ مُجَـرَّبُ

وتَرَفَّعَـتْ عنكَ الدُّنَـى بمَوَاقِـفٍ *** قد غَالَهَا غَضَبٌ لَهَا و تَعَصُّـبُ

   كيفَ انْصَرَفْنَا عنكَ حتى ضُيِّعَـتْ*** آمالُـنا، وعلى الهَوَى نَتَحَسَّـبُ !

حتى رَسَفْنَا في القُيُـودِ فمَنْ لـَنَا*** بِتَحَرُّرٍ عِفْنَــاهُ وَهْوَ مُقَــرَّبُ!

مَنْ قَدْ رَأَى نورَ الحبيبِ فقــاَدَهُ*** فحياتُــه نورٌ يفيضٌ فيَشْـرَبُ

 

***   ***   ***

 

كَمْ ضَاقَ صَدْرِي مِنْ مَعَاشِرَ أَوْرَثُوا***أَوْطَانَـهُمْ خَوْفًـا بِهَا لاَ يَنْضُبُ

فإِذَا المُرُوءَةُ بينَهُـمْ لا تُرْتَـجَـى ***وَإذا الرُّجُـولَةُ عندهم لا تُقْـرَبُ

وَإذا العقولُ تَشَتَّـتَـتْ بظُنُونِـهَـا***فالحَقُّ دَاجٍ و المعاني غَيْهَــبُ

إِلَّا تَذُودُوا عَنْ حِمَانَـا فَارْحَلُــوا!***أَوْ تَنْفِرُوا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَاذْهَبُوا!

                  اَلْفَجْـرُ آتٍ لاَ مَحَالَـةَ فَاغْضَـبُوا!***سِتُّونَ عَامًـا، يَـا بَنِيَّ تَأَهَّبُـوا!