وُقوفاً أَبي

مُنذُ أَن طاوَعَ القَلبُ ناراً

أَعُدُّ اشتِباكَ دَمي بِالذُّبابِ

لأُزجيَ فَوضى الحِرابِ

عَلى حَوزَةِ الرُّوحِ وَهماً

وُقوفاً

عَلى حَدِّ سَيفِ القَتيلِ يَغوصُ عَميقاً بِلَحمي

عَلى الذِّكرَياتِ ، عَليَّ

عَلى قَشَّةِ القَمحِ آخِرِ هذا الطَّريقِ الغَريقِ

عَلى رَعشَةِ الخَوفِ قَبلَ انقِلابي

عَليكَ وُقوفاً

عَلى وَجهِكَ الشَّتَويِّ

إذا مالَ غَيمٌ ليَشرَبَ مِنّي الهَديرَ

وُقوفاً أَبي

مُنذُ لا مُنذُ  ما زِلتُ وَحدي قَتيلاً.... أُنادي

أبي ، مِثلَ خَيطٍ بِذَيلِ الخَيــالِ             أُجَرجِرُ خَلفي سَوادَ السُّـؤالِ

حَزيناً كَأَنّي إذا ما ذَرَفــــتُ            عَليكَ دُموعي بَكَيتُ لِـحالـي

كُليبُ أَبـي شَــدَّ روحي إلى صَــخرَةٍ في العَراءِ بِحَـبـلِ الضَّــلالِ

بَنى مِن حُطـامي مَتاريسَ عَظمٍ             وَإكليلَ عَرشٍ ، وَتاجَ الجَلالِ

فَقاحَـتْ جُروحي الَّتي لا تَزالُ         تَئِنُّ – أَبي – رَغمَ طـولِ ابتِهالي

كُليبُ – أَبي– سَدَّ ماءَ السَّماءِ         وَرَدَّ خُطايَ ، وَزادَ اشتِــعـالي

كُليبُ أَبي

مَدَّ لي في الفَراغِ الفَراغَ جِداراً

وَسلَّ الكَلامَ وَعِشرينَ ناراً

وَسالَ عَلى خُضرَةِ الرُّمحِ

رَدَّ الغَمامَ

وَنادى بِكُلِّ الوُجوهِ لَعَلَّ القَبائِلَ مِنّي تُعِدُّ السَّلامَ

كَأَنّي أَبي ما تَرَكتُ الرِّياحَ تَجوبُ اغتِرابي

كَأَنّي أَبي ما خَلَعتُ جَبيني

وَسَلَّمتُ وَجهي سِتاراً

لَهُ

لِلمَدينَةِ

لَكِنَّ كُلَّ المُلوكِ إذا دَخَلوا قَريَةً أَوجَعوها....

فَكَيفَ السَّبيـلُ وَقَد ناخَ ظَـهري       وَداسَتْ ضُلوعي صُنوفُ النِّـعالِ

وَخَيلُ المُهَلهِلِ غاصَتْ عَـميـقاً       بِلَحمي وَفاضَتْ ، وَجَفَّـتْ دِلالـي

وَما كُنـتُ إلاّ طَليـقَ الِّلـجـامِ        مَعَ الرّيحِ أَجري وَراءَ المُحــالِ

أَنا المُستَعـارُ مِنَ الشَّمسِ زَيتاً         تَمُــرُّ بِسَمِّ الخِيـاطِ جِـمـالي

أَنا الهُدهُـدُ الـنَّبـَويُّ وَعَرشٌ         لِبَلقيسَ كانَ وَراءَ ارتِـحــالي

أَنا الذِئبُ أَعوي وَجوعي صَهيلٌ         تَئِنُّ لَهُ راسِـيـاتُ الجِـبــالِ

فَما أَسلَمَ الجُـوعُ مِنّي جَبيناً           وَلا شَـدَّ عُنْقي بَريقُ الحِـبـالِ

يَتيماً وَها عُدتُ دونَ التِئـامٍ            شَموساً سَقَتني ضُروسُ الَّليالي

وَما كُنتُ إلاّ نَصـوحاً وَلكِنْ             يَضيقُ الرِّجالُ بِحُلْمِ الـرِّجـالِ

أَبي ما غَـدَرتُ وَلكـنَّ زَهوَ            كُلَيـبٍ رَمــاهُ بِداءٍ عُضـالِ

 

كُليبُ ، أُنادي

فَيَشرَبُ صَوتي قَطيعُ الحَمامِ

الَّذي مَرَّ مِثلَ جَرادٍ عَلى صُفرَةِ القَلبِ

ناباً ، فَناباً

كُليبُ ،

وَتَشرَبُ صَوتي السَّنابِكُ

كَم أَيقَظَ الحُلمُ فيَّ احتِلاماً !

وَكَم أَيقَظَ الحُلمُ فيَّ انقِلاباً !

أَنا القاتِلُ المَيِّتُ المُستَمِرُّ الإيابِ

إلى حِضنِكَ الأَبَويِّ أَبي

ما تَساوَت دِمائي بِماءِ الغَسيلِ

وَحُمّى العَويلِ

فَكيفَ تَساوَتْ رُؤوسُ النَّخيلِ إذَن بَينَ كَفيَّ ؟

كَيفَ تَداعَتْ بِلادٌ وَفَرَّتْ بِلا قَدَمينِ إلى قَدَميَّ ؟

وَصَمتٌ طَوى حِكمَةَ العارِفينَ

وَعِشقاً لِلَيلى

فَعادَتْ إليكَ بِصَمتِ المُهَلهِلِ

وَالقَلبُ نارٌ تَكَسَّرَ مِثلَ الجِرارِ ؟

وَصَمتٌ طَوى خَيبَةَ الغارِقينَ بِوَهمِ السَّلامِ

فَعادوا إليكَ بِجوعِ اليَمامَةِ

وَالدّارُ عَصفٌ تَشَظَّتْ عَلى قَلَقِ الإنتِظارِ؟

وَما أَطلَقَ الكَفُّ بَعدُ أَبي

غَيرَ بَعضِ ارتِعاشٍ

وَرُمحاً مَضى يَقطَعُ الصَّمتَ حُرَّاً

إليهِ ، إليَّ

إلى غَفلَةِ الرُّوحِ

وَمضَةَ عِشقٍ

أَضاءَتْ وَرائي انبِثاقَ السَّلامِ مِنَ القَلبِ

مِثلَ انقِلابِ القَتيلِ – الطَّريدَةِ –

قَبلَ الأَوانِ عَلى المَوتِ

يَفتَحُ باباً لِكُلِّ احتِمالٍ

كَأَنْ أُصبِحَ الآنَ وَحدي سِتاراً

لِجوعِ الرِّمالِ

لِصَمتٍ ذَليلٍ

وَعِشقٍ بَديلٍ

وَما كانَ يَوماً كُليبُ – أَبي –

غَيرَ وَعدِ الذُّهولِ

أَخي في الرِّهانِ

أَخي في الِّلسانِ

أَخي في اغتِرابي

أَخي في عَذابي

وَلكنْ إذا ما عَصى النَّهرُ مِنّي سَبيلاً

تَرَكتُ انحِنائي

وَآثَرتُ مَوتي

لأَِمحـوَ ذُلَّ السِّـنيـنِ العِجافِ          وَنارٍ خَبَتْ خَلفَ خَيطِ الـذُّبالِ

فَمُـلكٌ عَلى كاسِـراتِ الطُّيـورِ         يَذِلُّ إذا لَم يَكُـنْ باعـتِـدالِ

رَماني بِداءِ الصَّـهيلِ الطَّـويلِ          وَحُمّى الرَّحيلِ ، وَجَرحِ المَآلِ

فَدانَ المُـهَـلهِلُ دَهراً لِرُمحي           وَلَحمي المُوَزَّعِ فَوقَ النِّصالِ

سَلامٌ عَلى شَـهوَةِ الحالِميـنَ           عَلى الحُلمِ فينا بَعيدِ المَـنالِ  

دِمـاءٌ لَنا أَينَعَ الشَّـوكُ فيهـا           فَظَلَّتْ تُسَبِّحُ باسمِ المَعـالي

فَكيفَ استَراحَ السُّـؤالُ وَرائي           وَخالَطَ صَوتي سَليـلُ الغَزالِ؟

وَكَيفَ استَكانَت جُروحُ المُــهَلـهِلِ بَعدَ الَّلــهيبِ وَطولِ انفِصــالِ؟

وَكيفَ استَضاءَتْ بِلادٌ أَبي

في الهَزيعِ الأَخيرِ

بِنارِ الهُتافِ

وَزيفِ الكَفافِ

وَنامَت عَلى شُرفَةٍ بِانتِظارِ الَّذي

لا يَقودُ سِوى لانتِظارِ انتِظارِ