اتفاقية ترسيخ وليس تنظيم وجود قوت الاحتلال الأميركي في العراق
رشيد شاهين
يحاول الرئيس الأميركي جورج بوش فيما تبقى له من فترة قصيرة في سدة الرئاسة للدولة الأقوى في العالم أن يحقق ربما الاتفاق الأخير أو الانجاز الأخير فيما يتعلق بالعراق – هذا إذا اعتبرنا انه حقق أي انجازات في العراق بعد احتلاله سوى تدمير البلد وتحويله إلى مقبرة للعراقيين، كما ونجح في جعله أحد أكثر البلدان فسادا في العالم، والأكثر خطرا والأقل أمنا والأكثر عددا في ما يتعلق باللاجئين سواء بالداخل أو بالخارج، عدا عن كل ما جلبه الاحتلال الأميركي من كوارث لا تعد ولا تحصى إلى هذا البلد الذي يعتبر واحدا من أكثر الدول التي تحتوي على محزونات من النفط وغيره من المعادن غير المكتشفة أو المستثمرة- خاصة وان "السيد بوش" انتقل من فشل إلى آخر على مدى أكثر من خمس سنوات منذ المغامرة التي قام به على أساس من الكذب الكثير والذي لم يشهد له التاريخ الحديث مثيلا سوى فيما قام به وزير إعلام هتلر من كذب وخداع وتزوير.
في هذا السياق فهو قد انتدب وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس من اجل التوصل إلى ما قيل انه اتفاقية ل "تنظيم الوجود العسكري"لقوات الاحتلال الأميركي الموجودة في العراق.
والحقيقة أن من يتناغم مع الرئيس الأميركي في هذا الإطار هو رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي والذي طالما كان مع بقاء هذه القوات والذي انقلب على موقفه هذا بشكل مريب وغريب وبدون سابق إنذار، فصار وكما تشير كل التصريحات الصادرة من بغداد وكأنه يريد برمجة أو جدولة الانسحاب الأميركي أو تنظيم هذا الوجود وهو الذي يعلم علم اليقين بأنه وبدون هذه القوات وبدون تواجدها لما تمكن لا هو ولا سواه من الوصول إلى السلطة، خاصة وأنه وبعد
خمس سنوات من الاحتلال الاميركي للعراق لا يستطيع لا هو ولا سواه من مغادرة مخبأه في المنطقة الخضراء وهذا ما ينطبق على سادته من الاميركيين الذين اقتطعوا منطقة شاسعة من بغداد سموها بالمنطقة الخضراء، وحولوا ما تبقى الى معازل واسوار وجدران ومنعوا الناس من السير في عشرات الكيلومترات من طرقها سواء برمكباتهم او حتى مشيا على الاقدام، والمالكي يعلم كذلك بأن أميركا وعندما أتت إلى العراق إنما أتت كقوات احتلال وليس كقوات تحرير، وان ما تم دفعه من الخزينة الأميركية والذي تجاوز بحسب كل التقديرات أل ستمائة مليار دولار عدا عن الخسائر البشرية لم يكن من اجل عيون العراقيين ولا من اجل الإطاحة بنظام صدام حسين بقدر ما كان من اجل السيطرة على العراق وإبقاءه تحت الهيمنة الأميركية أو في أحسن الاحوال واحدة من الدول التي تسير في ركاب القرار الأميركي وجزء من السياسة الخارجية الأميركية كما هو حال الكثير من دول العربان التي رهنها قادتها للسيد الأميركي بغض النظر عمن يكون هذا السيد ديمقراطي أم جمهوري.
محاولات السيد الأميركي إظهار أميركا بمظهر الدولة الحضارية والمتمدنة وانه لا أطماع له في العراق وان كل ما يريده هو الحفاظ على العراق والتدرج به إلى أن يتمكن من "الوقوف" على قدميه ليس سوى محاولات بائسة، حيث يعلم العالم بان من أوصل العراق إلى هذا الدرك إنما هو هذا الاحتلال وهدم أسس الدولة العراقية وكيانها بفعل ما تم اتخاذه من خطوات على الأرض منذ اللحظة الأولى للحرب، ومنذ الغارة الأولى على العراق والتي كان الهدف من وراءها هو الوصول بالعراق إلى هذا الحال.
الخداع الأميركي في ما يتعلق بالاتفاقية التي تريد توقيعها مع العراق من اجل "تنظيم الوجود العسكري الأميركي" ليس سوى استكمالا لكل مسلسل الخداع والكذب الأميركي الذي تمت فبركته منذ اتخذ القرار بغزو العراق واحتلاله والسيطرة عليه وتحويله إلى "محمية" كباقي المحميات في المنطقة، وهو جزء من إستراتيجية أميركية تم وضعها في ثمانينات القرن الماضي من اجل السيطرة على أكثر من أربعين من دول العالم بطرق مختلفة من بينها الاحتلال المباشر كما حصل في العراق وأفغانستان.
أن يحاول رئيس الوزراء العراقي التظاهر بأنه مع تنظيم هذا الوجود وانه مع الانسحاب ليس سوى جزء صغير من عملية الخداع التي يمارسها الرجل بالتوافق والترتيب مع الرئيس الأميركي وأركان إدارته، خاصة وان موقفه معروف من انه مؤيد قوي لبقاء قوات الاحتلال الأميركي، إلا انه أدرك تنامي الشعور بالكراهية والنزعة العدوانية ضمن صفوف أبناء الشعب العراقي إزاء وجود القوات الأميركية والتي ثبت على مدى السنوات الخمس الماضية أنها ليس سوى قوات احتلال وان كل ما قيل عنها في البداية من أنها سوف تنشر الديمقراطية والحرية والرفاهية لم يكن سوى خداع وكذب وتدليس وان هذه القوات مارست كل أنواع الموبقات في العراق وان شيئا فعليا على الأرض لم يتحقق لصالح المواطن العراقي وان البلد تحول إلى مرتع لكل الفاسدين والعصابات وأجهزة المخابرات وان شيئا لم يتقدم أماما في البلد منذ أن أتت قوات الاحتلال إليه في العام 2003. هذا الشعور لم يقتصر على المواطن العراقي العادي بل كان قبل ذلك ضمن قوى سياسية وأحزاب لها جماهيرها العريضة وفي المقدمة أتباع التيار الصدري الذي يعتبر أكثر التيارات السياسية شعبية وجماهيرية في العراق.
محاولات الخداع التي مورست على العراقيين منذ بداية الاحتلال لم يعد بالامكان تمريرها عليهم، وإذا ما نجحت تلك المحاولات ضمن لحظة تاريخية معينة ونتيجة ظروف لها علاقة بممارسات النظام السابق فان الفترة التي انقضت على وجود تلك القوات ومن جاء معها لحكم البلاد أصبحت كافية لان يدرك أبناء العراق بأنهم إنما مورس بحقهم خداع كبير، ومن هنا ربما يأتي الإحساس بالندم من قبل الكثير منهم كونهم صدقوا ما قيل عن أن تلك القوات إنما أتت من اجل تحرير العراق ونقله إلى مصاف الدول المتقدمة.
إن الحديث عن "جدولة الانسحاب أو تنظيم للتواجد العسكري الأميركي" لا يمكن أن يكون حديثا جادا عندما نعلم بان الحديث يدور عن 14 قاعدة عسكرية أو عشرة أو حتى اثنتين أو واحدة، حيث انه حتى القاعدة الواحدة فان بإمكانها أن تكون أضخم قاعدة في العالم، ويمكنها أن تكون ضمن مساحة العراق المعروفة اكبر من بعض الدول في المنطقة أو في العالم. إن الحديث عن هذا العدد الكبير من القواعد في العراق وبقاء أعداد ومعدات ضخمة ذات تقنيات متقدمة جدا في المجال العسكري لا يمكن أن يكون سوى احتلال لكن بالاتفاق مع حكام العراق الجديد والذين لا يمكن أن تكون لديهم القدرة على الفكاك من السيطرة الأميركية خاصة وان من أتى بهم إلى الحكم هو "سيدهم" الأميركي".
إن الحديث الذي لا يزال يتردد عن أن هؤلاء القادة وصلوا إلى السلطة من خلال انتخابات "شفافة ونزيهة" وأنهم تم انتخابهم من خلال صناديق الاقتراع ومن قبل أبناء الشعب العراقي إنما هو كلام يمكنهم أن يقنعوا به أنفسهم وان يدلسوا به على أنفسهم وأتباعهم حيث لا يمكن ولا بحال من الأحوال أن تكون هنالك ديمقراطية في ظل الاحتلال، هذا بالاضافة الى اننا نعلم خاصة واننا كنا شهودا على تلك الانتخابات كيف كانت عملية الانتخابات وكيف تم استغلال الدين والرموز الدينية بشكل لا علاقة له بالدين.
كذلك فإن من غير الواقعي أن يتم فهم وجود هذه القواعد بعيدا عن التهديدات الأميركية الإسرائيلية للدولة المجاورة للعراق والمقصود هنا إيران هذا إذا ما تخطينا ما حدث مؤخرا في القوقاز من أحداث أعادت إلى الأذهان ما كان يعرف بالحرب الباردة وما يقال الآن عن "عودة للدب الروسي" إلى ما يمكن وصفه بمحاولة استعادة "أمجاد الاتحاد السوفييتي السابق" وهذا ما سوف يستدعي بالضرورة وجود القوات الأميركية في أي بقعة ممكنة في المناطق القريبة من حدود روسيا والعراق في هذا الإطار احد البلدان المرشحة لذلك.
الحديث عن تنظيم للوجود العسكري الأميركي وسواه ليس سوى محاولة للإيحاء بان أميركا لا ترغب بالبقاء في العراق، لكن ما يوجد على الأرض من حقائق وترتيبات ينافي ويدحض بشكل كامل هذه الادعاءات الأميركية وكذلك العراقية، هذا بالإضافة إلى كل التصريحات الأميركية في هذا المجال والتي أشارت في الكثير منها إلى رغبة أميركية بالتواجد في هذا البلد لعشرات السنين واعتراف القادة الأميركيين وعلى الأخص العسكريين منهم بان ما تم إحرازه على الأرض من تقدم في بناء القوات العراقية غير كاف وكان آخر ما جاء في هذا الإطار ما قاله قائد قوات الاحتلال الأميركي في العراق الجنرال بترايوس قبل يومين في مقابلة له مع صحيفة نيويورك تايمز " لم أكن أعرف من أنها حلقة دموية مفرغة، لم نحقق مكاسب نوعية لافتة على الصعيد الأمني، ما زال هناك الكثير من العمل للقيام به"، ولا نستبعد هنا من أن عدم تحقيق تقدم في إعداد القوات العراقية وهذا التأخير في بناء هذه القوات يأتي على خلفية محاولة التذرع بالبقاء في العراق اطول فترة ممكنة رغم اننا نعتقد بان أميركا لا تحتاج الى ذرائع في هذا السياق.
بالإضافة إلى هذا الذي ذكرنا فان من غير الممكن أن تكون أهداف الغزو الأميركي للعراق مكتملة أو تحققت إن تم سحب القوات الأميركية كما يتوهم البعض، حيث إن من المعروف بان واحدا من الأسباب لتلك الحرب هو حماية الدولة العبرية ومنع قيام دولة قوية في العراق مستقبلا من اجل منع أي تهديد مستقبلي لهذا الكيان عدا عن أطماع أميركا في بناء الشرق الأوسط الكبير أو الجديد والذي تحدثت عنه بكل صراحة الوزيرة رايس خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان في العام 2006.
إننا نعتقد بان بوش وخلال الفترة القصيرة المتبقية يرغب بتحقيق ولو انجاز واحد قبل أن يغادر غير مأسوف عليه - لا بد هنا من التذكير بأن محاولات بوش تحقيق انجاز في فترة الأشهر الأخيرة من ولايته لا تقتصر على العراق بل هو يحاول الشيء ذاته في جبهة فلسطين حيث مارس كذبا مماثلا فيما يتعلق بالدولة الفلسطينية التي لا بد من أن تقوم في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومن هنا فإننا نعتقد بان الزيارة التي تنوي رايس القيام بها إلى المنطقة خلال هذا الأسبوع تأتي في هذا السياق-، وعلى أي حال فهو – بوش- وفي كلتا الحالتين الفلسطينية والعراقية يعلم بأنه لن يستطيع أن يحقق أي تقدم، وهو بتقديرنا إنما يحاول أن يرسم سيناريوهات لخلفه وبالتالي الإبقاء على إرث ثقيل يتم من خلاله توريط الإدارة الأميركية القادمة بغض النظر عمن تكون ديمقراطية أو جمهورية في قضايا ضمن رؤيته التوراتية للأمور حيث يعتقد الرجل بأنه إنما يحقق المشيئة الإلهية لكل ما يفعل.
بيت لحم
24-8-008