بسم الله الرحمن الرحيم

هل يأتي اليوم الذي نأكل به لحوم البشر ؟ .

أ . تحسين يحيى حسن أبو عاصي – فلسطين -

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كفرا بشعوب العالم إن لم يعترف العالم بشعبي ، ولن ندفع الضريبة وحدنا وغيرنا بالنعيم يرفل .

 أثناء تصفحي لوجوه الناس في بعض الدول العربية ، ومن مختلف الشرائح الاجتماعية ، من بائع وعامل وطالب ، وسائق وتاجر ورجل أعمال ، وموظف ومثقف وأُمي ومسئول ، لاحظت السعادة مرتسمة على الوجوه ، فتذكرت سكان فلسطين وتحديدا قطاع غزة ، وما سطرته الأيام على وجوههم .

تذكرت ما خطته الليالي والأيام ، بأحداثها الجسام ، على وجوه الأسرى الذين عشت معهم وبينهم في السجون الإسرائيلية سنوات طويلة ، حيث الوجوه الذابلة واليد على الخد ، والعزلة شبه الدائمة ؛ بسبب الحالة العامة المسيطرة على أجواء السجن ، من قمع وإجحاف ، وكبت وقهر وإهمال ، إلى أخر مصطلحات هذه القائمة السوداء .

حال المواطن الفلسطيني على أرضه ، لا يختلف كثيرا عن حال السجين الأمني داخل السجون الإسرائيلية ، فلو تمعنت جيدا في وجوه الناس ، واختلطت بهم عن قرب لوجدت العجب العجاب ، فأحوالهم تغنيك عن مقالهم ، كل شيء مقروء على الوجوه ، ولا شيء يُحسدون عليه

فقر وبطالة وغلاء فاحش وهموم الحياة المتلاطمة ، تلطم الخدود كما تلطم القلوب ، الجميع يعيش أجواء التوتر والقهر والحرمان ، قصف وتدمير وقتل وهدم لم يرحم بشرا ولا شجرا ولا حجرا ، لا يخلو بيت من شهيد أو جريح أو سجين ، العمليات العسكرية التي نفذتها إسرائيل فقط في الفترة ما بين 28 فبراير حتى 4 مارس 2008م أدت إلى مقتل 125 مواطنا فلسطينيا ، من بينهم 27 طفلا ، و 11 امرأة ، وإصابة  220 مواطنا من بينهم 44 طفلا و6 نساء ،  حصار خانق أدى إلى الموت ، بتنا نعيش في كارثة حقيقية ، مهما تلاعب بعض الأقلاميين في الألفاظ ، مات ( 123 ) مريض بسبب الحصار حتى تاريخه 3 / 4 / 2008 م وفقا لإحصائية وزارة الصحة .

وعمليا الاعتقال ضد الفلسطينيين منذ عام 1967تُقدر بـ ( 000 800 ) ولا زال حوالي ( 11000 ) معتقل داخل السجون ، موزعين على أكثر من ( 27) معتقل وما يتعرضوا له من تعذيب خلال فترة التحقيق .

  تقطع الكهرباء وتعطل الأجهزة والمصانع والمضخات، والمياه لاتأتي منتظمة في معظم مدن و أحياء قطاع غزة ، والمياه الجوفية ملوثة لا تصلح للشرب ، والهواء ملوث أيضا ، والخطر البيئي يلاحقنا حتى انتشرت أمراض السرطان بين المواطنين بنسبة تفوق كل التوقعات .

إيقاع الحياة مؤلم للغاية ، والكل يعيش ضغطا وتوترا في تزايد مستمر، حتى ساعة نزهة لنا ولأطفالنا ، لا طعم لها ولا لون ولا رائحة ، لأن القلوب مقفولة ( كما يقولون ) ، فما بالك إذا كانت النزهة شبه مفقودة أو تكاد أن تكون منعدمة تماما قياسا بدول الجوار العربي ، قطاع غزة يخلو من أماكن الترفيه للصغار وللكبار ، كما يخلو من أماكن النمو والتطوير والإبداع ، والناس هنا يرددون عبارة ( بس نقدر نأكل الخبز )  سمعت الكثيرين يرددون عبارة ( لو وضعوني في نصف الجنة فلا أكن مسرورا ) .

 

تفشت بيننا مظاهر لم تكن من قبل ، شرود الذهن وضعف التركيز ، والاستغراق في التفكير العميق ، والاعتكاف في البيت ، غابت الابتسامة عن الوجوه ليحل بدلا منها العبوس ، وغاب المرح ليحل الحزن ، وغابت الحيوية ليحل الكسل والخمول ، لكثرة ما ألم بنا من هم وغم .

الأمراض النفسية ارتفعت وتيرتها إلى درجة غير مسبوقة ، وأصبح قطاع غزة من أكثر مناطق العالم استهلاكا للأدوية ، وذلك وفقا لحديث متلفز سابق لمدير احد مستشفيا غزة  .

حتى الأطفال يميلون إلى اللعب العنيف ( لعبة الهجوم والدفاع ) ليعبروا بذلك عن أمور يعرفها الأخصائيون جيدا ، وهم الذين يقفون على مفترقات الطرق ، وأمام الإشارات الضوئية ، يبيعون ما يسد رمق أسرهم  .

الطلاق ارتفعت وتيرته بسبب الفقر، وما ينتج عن ذلك من حرمان وهدم وتشتت للأسر .

في الطرق الرئيسية ، تجد الباعة المتجولين من أصحاب المهن والفنيين وخريجي الجامعات ، منهم من هو جالس على الرصيف لبيع الحلويات لأطفال المدارس ، ومنهم من يبيع العوقوت ( نوع من أنواع الكعك ) ، ومنهم من يبيع الساندويتشات أو الآيس كريم ، أو المثلجات الخفيفة ، أو المفكات أو الولاعات ،أو القهوة والشاي ،أو نكاشات أسنان ، انتشرت بسطات السجائر انتشارا كبيرا ، كما انتشرت ظاهرة المقاهي ومحلات البقالة  ، وقيادة السيارات من كل الأنواع ، بحثا عن لقمة العيش بعد أن أغلقت المصانع وشلت الحياة الاقتصادية .

شباب جامعيين خريجي كلية الطب والهندسة والحقوق يبيعون الخضار على عربات تجرها الحمير أو بسطات يفرشونها على الأرصفة وقارعة الطريق ، ومع ذلك كله نقاتل ونتعلم ونزرع ، وسنظل نبني ونتعلم ، وسنظل نملك القدرة على العطاء والإبداع نتحلى بالإرادة ، ولن يُهزم شعبنا بإذن الله تعالى ، ولن يركع إلا لخالقه جلّ في علاه ، مهما تآمر علينا القريب والبعيد ، والعدو والصديق .

لقد ضاعت البلاد والأوطان وضاع كل شيء تقريبا ، ولكن الكرامة لا ولن تضيع بإذن الله ، وستنتزع الأجيال النصر من بين مخالب وأنياب أعدائنا بإذن الله تعالى مهما طال الزمان أو قصر .

فهل يأتي اليوم الذي نأكل به لحوم البشر ....... !!! ؟؟؟ فافهم يا لبيب ، فلن ندفع الضريبة لوحدنا وغيرنا بالنعيم يرفل .

((فاصبر إن العاقبة للمتقين))