الكلمة لها أهمية عظمى في واقع حياتنا اليومية، إذ تلعب دوراً مهماً في تنمية العلاقات الاجتماعية والأسرية، والحياة الزوجية بصفة خاصة تحتاج إلى تلك الكلمات أكثر من غيرها لما لهذه الحياة من أهمية بالغة في بناء المجتمع " والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين " . فهي جواز السفر إلى عالم المودة، ومكان الاستقرار في وطن المحبّة، وسبيل فراقك ورحيلك حيث الشوق والانتظار، فمهما كانت الخلافات بين الزوجين ستبقى الكلمة الطيبة هي البلسم الشافي لجروح الأحزان، والمرهم الدافئ لأوجاع الهموم، فمن بينها يتدفق الخير فتنتعش القلوب، وتطمئن الأفئدة وتسكن الجوارح، وتحلق في سماء المتحابين سحابة الدفء ..والأمن ..والأمان . فالكلمة الدافئة تحمل أنيناً وحنيناً تتجلّى في حنايا العشرة الزوجية، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلاطف زوجته عائشة بكلمة فيها من العطاء المتشبع بالحنان فيقول لها : " يا عائش " وهو استعمال عرف عند أهل اللغة بالتدليل فهذه النغمة الوجدانية سرّ السعادة الزوجية، وبدونها لا تكتمل السعادة، وعاملتها بالرحمة وغمرتها بالحنان، تفتّحت وفاحت مسكاً، وعاشت طويلاً، ملأت بيتك وحياتك عطراً وجمالاً وإنْ أهملتها أو قسوتَ عليها بكلماتك الجارحة ذبلت وماتت قبل أن تمنحكَ شذاها، فالزوجة وردة حلوة تهزّها أعاصير كلماتك القاسية، ولكنك بكلماتك الطيبة تظلّ سياجها المنيع، وكهفها الذي تأوي إليه، وفي المقابل يجب على الزوجة أن تكون لينة الطباع حسنة الخلق تتقرب من زوجها بأسلوب مماثل، ولكلّ كلمة دلالاتها السحرية، وأبعادها العاطفية، ودورها في إنعاش المحبة والمودّة، فبكلمة طيبة تهمس بها في سمع الزوجة تجعلها تشعر كأنها تملك الدنيا، وتدفعها للمحافظة على زوجها، والتشبث بكيانه، وتبقيها في دائرته وتحت حمايته ومملكته، مفتخرة بشخصيته وبلطف كلماته، وعذوبة ألفاظه، ففلسفة الكلمة تلعب في حياتنا اليومية دوراً مهمّاً في تقوية علاقاتنا، وغرس بذرة البقاء في أرضنا، وفي أجواء سمائنا .فكلما فتحت فمك لتتكلم فإن زوجتك تستطيع بمداركها وقدراتها العاطفية أن تشخص صورتك الحقيقية وما تحمله من حب ولوعة وحنان، وبقدر ما تكون كلمتك لطيفة بقدر ما تكون لطيفاً في سلوكك فتسعدك هذه الكلمة وتسعد زوجتك، وبقدر ما تكون كلمتك قاسية بقدر ما تكون قاسياً فظاً غليظ القلب، تترك حسرة وندامة في نفسك، واضطراباً وتوتراً وقلقاً في قلب زوجتك .فالكلمة لها فوائد جمة فهي تحيي الأرض بعد موتها، وتزينها بثوب الحسن والجمال، وتفرشها ببساط أخضر، فتستجيب السماء لتذرف على وجنتيها دموع الفرح، وتتساقط قطراتها على الأرض لتكون وعاءً لدموعها، ومن نتائجها أن تجري الأنهار، وتتفتح الأزهار، وتخضرّ الأشجار، وتتزين الثمار، فيستظلّ الزوجان بظلال المودة والحنان .وقد شبه المولى تبارك وتعالى الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة .لأنْ الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع، يقول ابن القيم رحمه الله : " وهذه الشجرة لابد لها من عروق وساق وفروع وورق وثمر، فعروقها العلم والمعرفة واليقين، وساقها الإخلاص وفروعها الأعمال الصالحة .فالمؤمن دائماً سعيه في شيئين : سقي هذه الشجرة وتنقية ما حولها، فبسقيها تبقى وتدوم وبتنقية ما حولها تكمل وتتمّ " قال تعالى " ألم تَرَ كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرةٍ طيبةٍ أصلها ثابتٌ وفرعها في السمَاء .تؤتي أكُلَها كلّ حين بإذن ربّها ويضرب الله الأمثال للناس لعلّهم يتذكّرون " .وقد تترك الكلمة في النفوس أثراً طيباً إذا كانت مقرونة باللين والوضوح والمصارحة والحوار الهادي الهادف البناء سواءً مع الزوجة أو الأبناء، فالمسألة ليست كلمة، ولا قطرة ماء، بل العطاء المتدفق الذي يفيض ويتدفق في كل اتجاه، إنها الحركة التي تحرك المشاعر في أعماق قلوبنا، فالكلمة الطيبة طيبة في عطائها ..في لونها وشكلها ..في ثمارها ورائحتها ..في مستقرها ومستودعها ..في الماضي والحاضر والمستقبل، وستظل تؤتي وتعطي ثمارها كل حين بإذن ربها . فالإنسان إذا رحل من الحياة الدنيوية تبقى كلماته في القلوب التي تمت وتربت على يداه ترددها الألسنة أزمنة عديدة، ويكون بذلك قد أثمر ما غرسه وجنى فائدته في حياته وبعد مماته . شعر : ومن يك ذا فم مر مريض يجد مراً به الماء الزلال ومن أصدق من الله قيلاً " من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد " .