لماذا لا تتوقفوا عن استغبائنا ؟
بقلم : زياد أبوشاويش
كنت آمل أن لا أضطر لنشر هذا المقال الذي جهزته منذ أسبوعين تقريباً ، وفي ظني أن الحال سيتغير، أقله على صعيد التسويق الإعلامي لطرفي الصراع الذي أدمى قلوبنا وهشم الكثير من قيمنا وقناعاتنا ، والذي خلق وقائع كارثية جديدة فوق أرضنا ، ووضع عقبات كأداء أمام نجاح مشروعنا الوطني . غير أن الأمور بقيت على حالها ، بل زادت سوءً فوق سوئها الذي نلمسه في كل حين . وبرغم وجود معطيات جديدة منذ كتبت هذا المقال وأهمية التطرق لها بالشرح والتحليل ، إلا أنني أرجأت تناولها لمقال مستقل آخر مكتفياً بنشر ما أضعه الآن بين أيديكم .
في معادلة الصراع الفلسطيني الداخلي استخدم الإعلام بكثافة لمواكبة الحدث من جهة ولتبرير مواقف وسلوك طرفي الصراع من جهة أخرى ، واستخدمت في هذا الإطار أسلحة كثيرة فاقت بعشرات المرات ما استخدم في القتال المسلح . ففي هذه كان الكذب والتزوير والتزييف والالتواء ، وتحشيد الأنصار من كل لون ومن كل صنف ، وفيه أيضاً استخدمت مفردات جديدة وتنويعات مدهشة من الرياء والمداهنة وغيرها من التكتيكات الإعلامية التي رجونا أن نجيدها ضد العدو ، وأن تكون بذات الحماس عندما تتناول التعريف بقضيتنا في العالم الظالم،الذي لا زال يتحدث بلغتين ويكيل بمكيالين . ولأن الكيل قد طفح ولم يعد هناك مزيد من الأساليب الخاطئة والملتوية، فقد "تحمسنا" واتكلنا على الله للقول: كفى تجييشاً وتحريضاً واستقطاباً ، لان هذا لا يخدم أي هدف وطني بل العكس . والأهم أن نقول يكفي استغباءً لنا ولشعبنا النازف والمكلوم ، وكما عاهدنا على قول كلمة الحق فإننا سنقول ما نراه الحق في هذا المجال ، وسأخص الطرفين بكلامي ، ولكن سأركز على حركة حماس وإعلامها، كونها تثقل العيار وتستعين بمرجعيات دينية لنصرتها، في صراع مخزي وغير مجدي، وأصاب أهلنا وامتنا بأوجاع في القلب والروح ، ولان الإسلام يجب تنحيته في هذا المجال لوضوح إدانته لاقتتال الإخوة، وليس من اللائق توريط البعض في مشاكلنا واستفتائه فيها خصوصاً عندما نضع هذا البعض في صورة مغلوطة للمعادلة الجارية على أرضنا وفي وطن سليب كل ما فيه مستباح أرضا وجواً وبحراً .
ودعونا نبدأ بمن خسر معركة الدفاع عن مؤسساته وأجهزته ونحن نقر مع الأغلبية بأن حركة فتح كلها هي الخاسرة، وليس فئة ما أو مجموعة ما كما يحلو للبعض تمريره لغرض في نفس يعقوب ، ونقر أيضاً بان مؤسسات السلطة هي مؤسسات فتحاوية بنسبة كبيرة جداً ، وربما هذه احد ثغرات التكوين الأول أو ضروراته .
إعلام فتح يصور المعركة بأنها مؤامرة تم تدبيرها بليل مع الإيرانيين ، ويخففون لهجتهم قليلاً عندما يشركون سوريا في التآمر ، وينسبون لقيادة حماس اتهامات الارتهان لأجندات خارجية إقليمية ، إلى درجة أن ساعة الصفر كانت محددة ربما في طهران وليس غزة أو دمشق ، ثم تكمل هذه الدعاية التي تستغبينا لتقول أن هؤلاء مجرد انقلابيين مجرمين وأنهم مجموعة أو فصيل خرج عن الشرعية .... إلى آخر المعزوفة التي تحاول إيهام الناس أن هؤلاء أتوا إلينا من المريخ وأنهم طارئون على الشعب والقضية ، وهذا أمر غير مقبول ولا منطقي ، لان حركة حماس هي امتداد لتكوين مجتمعي وفكري منذ الخمسينيات ، ممتد الجذور في أرضنا ولا يمكن نفيه بإنكاره أو اتهامه بالعمالة أو أنه مجرد أداة لا غير . ولأن قرار حماس بالاستيلاء على السلطة كان واضح المعالم، وقد تدرجت لغة الخطاب والتعبئة الحمساوية باتجاه الحسم بطريقة لا تعطي أي فرصة للقول بان قرارها كان مستورداً ، ولعل السيد محمد دحلان قد أوضح ذلك في لقائه المتلفز مع محطة lbc اللبنانية . كما أن رفض أي حوار أو مرونة مع حماس لا يقدم دليل إدانة لحماس وبراءة للبعض في حركة فتح . ولذلك أتمنى على الإخوة في حركة فتح وهي التي تزخر بالملكات الفكرية والثقافية ومن ذوي الخبرة أن تراجع هذه اللغة باتجاه البحث عن تفسير منطقي ومعقول لما جرى ، وإمعان التفكير بحثاً عن حلول تأخذ المصالح الوطنية أولاً ، ثم إصلاح الأمر داخل فتح وتوحيد أجنحتها ثانياً بعين الاعتبار .
إن ما تقدم لا يعني تبرأة حماس من جريمة الحسم العسكري ، أو التقليل من مسؤوليتها عما وقع ، ولكن من الأجدى لفتح وإعلامها أن تبحث عن حجم المسؤولية التي تتحملها هي فيما آلت إليه الأمور ، وأن تضع المعادلة في نصابها الصحيح ، وتفسير الكارثة التي حلت بشعبنا بطريقة علمية، عادلة ومنصفة ، وأن تضع مكونات الأزمة وتطورها وأسبابها أمام الناس بعيداً عن الأوهام ، أو التصورات المسبقة لحماس باعتبارها العدو الأول وليس الاحتلال ، وهو ما نطلبه من حماس أيضاً وسنطلبه مراراً . كما ليس مفيداً لفتح تجاهل تورط قلة من الحركة في توتير الأجواء ودفعها باتجاه الصدام ولمصلحة المشروع الأمريكي الإسرائيلي للحل ، والتأكيد على أنهم قلة يساعد في الرد على دعاية حماس وإصرارها على استغبائنا بوضع المعادلة بشكل مغلوط .
وقبل أن أنهي في الشق الفتحاوي من الخلل والمغالطات أود القول أنه ليس مقنعاً لأي مواطن فلسطيني أن يتم عقد لقاء قمة في شرم الشيخ بحضور الرئيس عباس ورئيس وزراء العدو الصهيوني ، ويرفض الأخوة في فتح لقاء حماس في ذات الوقت ، وأنه مهما حاولت أقلام فتح تسويغ الأمر فانه من الصعب تقبل ذلك في مجتمع كمجتمعنا الفلسطيني وفي وجود دعاية تتحدث بمنطق صحيح في هذا الأمر . كما وأرجو أن يقر الإخوة في حركة فتح الرائدة بأن ما وقع كان أمراً معروفاً لديهم ومتوقعاً وأنهم قصروا في علاج الأسباب والنتائج .
وفي الطرف الآخر ، أي ما يتعلق بحماس ودعايتها الأذكى لتبرير ما فعلته وما أقدمت عليه مع سبق الإصرار والترصد ، وهي التي نعرف وتعرف الأغلبية من شعبنا في قطاع غزة أنها كانت قادرة منذ عامين على حسم الصراع في غزة لمصلحتها ، فقد توغلت حماس في استغبائنا إلى درجة أضحى من الواجب علينا جميعاً أن نقول لها كفى ، فليس بهذه الطريقة يمكن أن نرتقي بشبابنا ولا بوعي أهلنا ، بل إن هذا يجعل الأمور أكثر تعقيداً وأصعب للحل ، كما أنها تفتح الطريق لكل صراع الإخوة بطريقة دموية ، وتلتمس لهكذا صراعات الحجج بل وتسخر الدين لخدمة هذا الغرض .
وفي طليعة القضايا التي يجب أن تنتبه حماس لها من أجل التوقف عنها هي وضع المعادلة بصورة مغلوطة أو زائفة أمام الشعب باعتبار المعركة التي دارت وانتهت بالوضع الكارثي الذي نراه هي معركة بين حماس المقاومة والمؤمنة بالله واليوم الآخر وبين فئة ضالة وعميلة ومرتبطة بأجندة أمريكية صهيونية ، وهذا غير صحيح لأنه لو كان كذلك فلم المعركة ضد كل الأجهزة والمقرات وسحب السلاح من عناصر الأمن الوطني وغيره من أجنحة السلطة بعد استتباب الأمر لحماس ؟ ولماذا لم تقصر حماس معركتها على هذه القلة الخائنة ومعها ؟
ولماذا لم تشترك كل الفصائل والقوى والشعب في القتال مع حماس ضد هؤلاء ؟ وما السبب في ضرب رموزنا الوطنية كالعلم والجندي المجهول والبطش بقسوة ملفتة بكل من دافع عن مكان عمله رغم أن هذا واجبه وحقه ؟ وهل يفسر مثل هذا السلوك تجاه الجميع القول بأنها معركة ضد قلة عميلة ، والتي لا ينكر الناس وجودها ، وهي كانت وربما تبقى هنا وهناك في فتح كما في حماس ، ولماذا يتم الإفراج عن المعتقلين الجنائيين والجواسيس في السرايا إن كان الأمر كذلك ؟ وهل قتال القلة وهزيمتهم يستدعي كل هذا الحشد من الأسلحة ومنها الصواريخ والمدافع الرشاشة وغيرها ، وهل اقتصر الأمر على إنهاء الفئة الضالة أم امتد ليطال كل شيء ومن ثم الاستفراد بالسلطة والكلام عن الغنائم والقضاء على العلمانيين والإمارة الإسلامية ، وكل ما نسمعه من قيادات حماس وكادراتها ؟
ولو لم تكن المعركة تستهدف السلطة والتحكم بالآخرين فلماذا الملفات والنبش بها واستخدامها في المعركة الإعلامية ؟ ولماذا إن كانت المعركة ضد زمرة فاسدة وعميلة تستمر حماس في احتلال مقرات السلطة وهي برموزها على رأس الهيئات الفلسطينية المعنية بالحفاظ على استقلالية هذه المقرات والأجهزة ، ولماذا قرار العفو عن أبناء فتح ومنتسبي الأجهزة بعمومها وليس بالفئة الضالة ؟ ولماذا العفو من حماس وليس من رئيس الوزراء ؟
وسأكتفي بهذا رغم وجود عشرات الأدلة على زيف ما تدعيه حماس حول جوهر الصراع وأسبابه ، خصوصاً أن هناك اتفاقاً جرى توقيعه بين حماس وفتح في مكة المكرمة ، وهو اتفاق يلزم طرفيه باللجوء للحوار والطرق السلمية والديمقراطية لحل الخلافات .
تقول حماس أنها كانت مرغمة على خوض المعركة رغم معرفتها بالنتائج السلبية ، وهذا غير صحيح ، وأيضاً لعشرات الأسباب والمؤشرات في طليعتها ما ذكرناه للتو حول اتفاق مكة وعدم اللجوء للقوة لحل أي خلاف . وأضيف بأن درجة التأزم التي وصلت إليها الأمور بعد اتفاق مكة كانت أقل من تلك التي استدعت الاتفاق وهو ما يشير لقدرة حماس على تحمل هذه الدرجة من التوتير لأشهر طويلة بل لسنوات لو لم تكن ترغب في الحسم العسكري .
وأمر آخر هو ذلك السؤال الذي يخطر على بال أي مواطن وسمعته من أكثر من مناضل وأكثر من مثقف ويقول لماذا وأمام حماس عشرات الخيارات لعلاج الخلل ؟ ولديها طيف واسع من التحالفات الداخلية والخارجية ولديها مرجعية مكة ولديها الوزارة التي بين يديها ولديها طرق وأساليب سياسية وأمنية قادرة في اقل تقدير على لجم الأمر وإبقاء التوتر في نطاقه المحمول وحتى تقزيمه بمزيد من الصبر والجهد المشترك مع كل قوى الخير والسلم الأهلي من شعبنا ؟
إذن ليس الأمر خاضعاً لرخصة الاضطرار الشرعية " ومن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه " وإنما شيء آخر ليس مجاله هذا المقال ، لكنه بعجالة كسب ورقة في المساومة الداخلية وفرض أمر واقع تعتقد حماس أنه يمكن المساومة عليه في إطار سعيها لاكتساب الشرعية الدولية وتخفيف الحصار عليها وربما إرغام السلطة بشقها الرئاسي أو الفتحاوي على إشراكها بشكل جدي في إدارة شؤون السلطة ، ولاحقاً في منظمة التحرير الفلسطينية .
ولأن المعادلات والمشاريع تقاس بنتائجها فان السؤال الجوهري المشروع في حالتنا الفلسطينية يصبح : هل نحن الآن أفضل حالاً والحرية أقرب منالاً مما كانت عليه قضيتنا وشعبنا قبل الحسم العسكري الحمساوي ؟
ربما يتحدث أحدهم عن الأمن والهدوء المتوفر الآن في قطاع غزة وهو أمر لا نقاش حوله ، ولا يشك عاقل في أن الوضع الآن أكثر استقراراً على هذا الصعيد ، ولكن هل كان هذا يستحق أن نضحي بجملة من أساسيات العمل المقاوم وشروط نجاحه لنيل انضباط نعرف جميعاً أنه جرى بحد السيف ؟ وهل تحويل التناقض الثانوي إلى تناقض رئيسي دموي وحاقد ومن ثم تسخير جهد حماس بمجمله في القطاع للسيطرة ومراقبة قدرة فتح على التململ ومن ثم الرد وردع أي نشاط ينطوي على أي مؤشرات من هذا النوع ، كما هذه القسمة المؤلمة لشعبنا على غير صعيد ، وتسخير جهد السلطة وفتح بمجمله لذات الغرض ضد حماس ومراقبة سلوكها في الضفة ، بخلاف جملة الاعتقالات التي طاولت مئات من أبناء حماس وتجميد قدرتهم على المقاومة ، كما تشديد الحصار على الأهل في القطاع واستباحته دون رقيب أو حسيب ، بخلاف السمعة المخجلة التي حولتنا في نظر العالم إلى عصابات متناحرة تحت الاحتلال . هل كل ذلك وغيره من المسائل التي حفرت عميقاً في وجدان كل وطني غيور على دم أهله ومستقبل شعبه تساوي النتيجة الايجابية التي أشرنا إليها ؟ أم أنها تزيد عنها بالسلب عشرات المرات ؟
لقد كانت حماس على حق في أغلب شكاواها ، وكنا ندعم مطالبتها في ممارسة حقها الناشىء على ضوء نتائج الانتخابات التشريعية ، بل أكثر من هذا طالبنا فتح بأن تتحول إلى ظهير مساعد لحماس كحكومة حتى لو تحولت فتح إلى ساتر ترابي تقصف من خلفه حماس باتجاه العدو برغم قناعتنا بأن حماس في السلطة لا تستطيع القصف على العدو ، ولا يمكن الجمع في حالتنا الفلسطينية بين هذه وتلك وخاصة لحركة مقاومة تتهم على الصعيد الدولي بأنها إرهابية ، وتتربص بها قوى وحكومات عربية حليفة لأمريكا ومشروعها في المنطقة ، لكننا لا يمكن أن نتقبل هذا الكلام المغلوط عن الإصبع أو الساق المصابة بالغرغرينا ، والتي يضطر المرء لبتره أو بترها حفاظاً على حياة صاحبها ، لأن هذا كلام حق ومنطق، يراد به باطل . ولو قبلنا سلوك حماس وتبريرها اليوم ، وسمحنا بتمرير هذا المنطق وهذه القاعدة ( الاضطرار) فإننا لن نستطيع أن نمنع لاحقاً أي خطوة شبيهة من أي طرف يشعر بأنه قادر على إنهاء خلافاته مع أشقائه بذات المنهج الدموي وعبر الحسم العسكري ، وبالاعتماد على نفس القاعدة الفقهية ، أو التبريرات المتعلقة بالغرغرينا ، ولعل فتح والسلطة الآن تقوم باعتقال مناضلي حماس وكادراتها في الضفة على ذات الأرضية الأمر الذي نرفضه قطعاً ولا نقبل تبريره ، كما رفضنا تبريرات حماس في غزة ولا نقبلها .
وفي محصلة حديثنا ولأننا سبق أن طالبنا كلا طرفي الصراع للاحتكام لكلمة سواء ، ولأننا لا زال يحدونا الأمل في تغليب لغة العقل والمصلحة الوطنية على غرائز الانتقام والثأر ، وعلى غرائز الاستعلاء والعزة بالإثم ، فإننا ندعوا بكل صوت مرتفع وواضح النبرات لكي تتوقف آلة إعلام الطرفين عن التهييج ، وإثارة الأحقاد وتعميق الشرخ ، وخصوصاً حماس التي ما فتأت تتحفنا بالحديث عن المؤامرات والجواسيس والعملاء ، وغير ذلك مما لا يقدم جديداً لقضيتنا أو للجهد المبذول للملمة شؤوننا وإعادة الأوضاع لنصابها الصحيح .
ولأننا لا زلنا مقتنعين بأن تراجع حماس وتنازلها سيخدم المصلحة الوطنية ، وهو كسب لفلسطين نراه يقيناً ، ولا تخسر منه حماس سوى بعض الأغلال التي وضعتها في رقاب شعبنا وقادتها ، ولأننا ما زلنا نرى في حماس قوة المقاومة الرئيسية لو تخلصت من ورطة غزة ، فإننا نرجو الله أن يلهم قيادة حماس الصواب وتقدم لشعبنا ولمستقبل مشروعه الوطني طوق النجاة عبر تنازلها ، وهي ذات دعوتنا للإخوة في حركة فتح والرئاسة أن تمد لحماس يد التسامح ويد الحرص على عودة اللحمة لطرفي المعادلة الفلسطينية الداخلية في مواجهة عدو يتربص بنا جميعا ، وأول ما يفعله الطرفان في هذا المضمار أن يكفا عن استغبائنا ، ويوقفا كل تبرير مهما كان لما جرى وما يجري في غزة والضفة .
زياد أبوشاويش