على حافة الرصيف أقف حائرا" ، أتشرنق بزعيق المحركات وصراخ المدينة .. يغمرني إحساس بالوحدة والخوف وسط ذلك الصخب البشري المؤجج بالفزع والفوضى ، أشعر بنبض الزمن يتراجع وعقارب الساعة تمردت على مسنناتها وراحت تعود إلى الوراء بخطى الهمجية ..!
من أنا ؟ أما زلت ذلك القروي الهادئ رفيق الطبيعة الخضراء والفضاء الرحب … صديق العصافير والنهر وأغصان الشجر ؟ . كيف قذفتني أمواج العشق بهذا الوحل المدني المدجج بالتخلف والحزن ؟ الشوارع ملغومة بالحفر والقنابل والأحجار النيزكية ، تجاورها أرصفة محطمة يحتلها باعة بائسون ، ينادون الزبائن بأصواتٍ خائفة تخرج من حناجر منغرسة في لوعة المرارة والألم الدفين ، أيديهم تتأرجح بخجلٍ واضطراب وكأنها رؤوس أفراخ جائعة تفتح أفواهها بلهفة أمام لقــمة تقذفها الأم في جــوف حوا صلها ، أنفاس الناس هنا تنتابها تنهيدة عميقة تحمل مع حفيفها لوعة أعوام طويلة من الخوف والسقم والحرمان ، أجساد متعبة تمضي على غير هدى تحمل رؤوسا" متوترة شحنت بكهارب الغضب والتمرد والجسد الذي يعذّب.
أين أنـا ؟ هل أنا حقا" في مدينة السلام والحضارة والكبرياء .. ؟ أنتم أيهـا المخططــون منذ أربعون عاما"، يا أصحاب أربطة العنق الملونة وبدلات الحرير الثمينة ورزم الأوراق التي تحملونها جيئة"وذهابا ، يامن طوقتم رقاب الشعب بحبال المشانق وجماجم الأبرياء ، ماذا صنعتم لشعبكم ؟ الحياة … الحب … الرفاه … المجد … الكرامة … الكبرياء ؟ لاأرى سوى مدينة محتضرة تلتف حولها أفعى صفراء تنـفث سمها أينما تشاء ، ماذا أرى ؟ مدينة هربت من مدنيتها ، هجرت تراثها وممتلكاتها وفـنها وأشيائها وراحت تغوص في أعماق القرون تبحث عن كهفٍ آمن يحفظها من زوبعة طائرة ودوي لغم ، يا حضارة المجد .. أرجعي الآن ولا تترددي ، أنهضي من مقابرك كماردٍ عنيدٍ يسحق الوجود ، تبرئي من أمتدادك الملطخ باللوعـة والفقر والتمزق ، اقطعي أوصال الزمن ، اصرخي بوجـه أولئك الذين أطفئوا شعاع مجدك بدكتاتوريات الآراء وقرارت الضياع .
من أنا حقا" … ؟
أما زلت ذلك القروي العاشق الذي أرتحل عن قريتـه إلى بغداد يبحث بين أروقة المدينة عن قريبـته المجنونـة الهاربة … تلك القروية الجميلة المسماة ( أنــوار ) التي ستفقد جمالها الأسطوري هنا حتما"بين أزقـة الآلام ومساكن الحزن … لا أدري … ، أراها في زجاج السيارات المسرعة تحدق في عيني وتصرخ صراخ مدوي ، كدوي سيارة مفخخة تحطم زجاج البنايات وتكبت أنفاس الروح ، وهي تقول :
- أنت أيها القروي العاشق ، عد إلى أرضـك وأشواك البرية ، لقضبان سجنك الأبدي ، لقوقعتك المغلقة منذ القدم ، لمحراب طقوسك المعتـقـة ، ودعني أبحر عارية" مع أمواج الرغبة والوجود ، دعني أهرب من بقعة الوحشة اللامتناهية وأسوار الحرية المؤصدة في قرى العدم واللاوجود ، دعني أنطلق كالحصان الجامح فوق رمال البحر الممتدة مع مدى الروح .. تشدني ذراع رجل ما ، أجد في أنامله الدافئة أنوثتي ، أكتشف معه كنوز صدري المدفونة في جسدي المهجور ، أتلذذ برعشة تبتلع مني سنين حرماني عندما تتلامس فيها شفاهنا المتعطشة دوما" لوسادة الفرو الناعمة والالتصاق العذب ، دعني أفجر براكين غرائزي التي هرمت في منـفى قريتكم بلا ذنب أرتكبه ، سوى أني نشأت وسط أقارب لا يعرفون غير لغة السلاح والموت ، يتقاتلون فيما بينهم من أجلِ عيني الزرقاوين وشعري المذهب وجسدي الأشقر الممتلئ ذات الخصر الوسيم … ثلاثون عاما" وأنا مقيدة في أسرتي المنهكـة أنتظر الفارس المغوار الذي سينتصر في النهاية ليتزوج المرأة المحطمة ضحية سنين اليأس وتقاليد الضياع ، عبثا" أنتظر ، نجوم السماء أقرب من أن يتزوجني أحدكم ، لأن الكل يوجه فوهات البنادق للكل ، صياح الأفواه فوق جثة في النهار يمتد لرصاص الثأر في الليل ، أغنية الفجر لديكم هي أنين أرامل وعويل يتامى ، فجركم دامٍ كأفقٍ أحمر تهاجر فيه أسراب طيوركم وهي حزينة ، تمضي بأحلامها نحو قمم الجبال الجرداء ، بعيدا" هناك ، حيث لاغارةٍ عشائرية ولا موكبٍ حزين .
وتهتف ثانية" ،
- عد إلى أرضك يا حاتم يا أبن هزاّع ، إلى حبات رملك المخدشة وأعاصير شمسك الحارقـة ، إلى رائحة الموت المنتشرة بين أنهار حقولكم والشجر ، إلى واقعك العنيف الموروث منذ مئات السنين ، ودعني … دعني أحيا سنيني المتبقية هنا بين حبيب يجذبني ومعجب يلاحقني ، دعني أنطلق كفراشة هاربة من بطش جراد الحقول ووخز أشواك البرية ، أطوف فوق قرى اليأس ، فوق بيوتا" مدفونة في أعماق البراري أجمع النساء الضحية أمثالي ونهرب جميعا" نحو القمر ، نحـو النــجوم ، مثل طيور متمردة تهاجر أعشاشها إلى الأبد … دعني …
يدوي انفجار قريب أيقظني من سراب حلمي وصراخ أنوار ، انطلقت بلا وعي راكضا" مع الناس بقوة خارقة تقمصت أحشائي وكأننا في سباق ماراثوني نتجه صوب الكارثة ، أشعر أن أنوار بجانبي الآن كما هي في سرابي دوما" ، دموعها تصب في قلبي الذي ينبض خافقا" مرتعشا ، لا أدري ، أهي دموع الحنين إلى الأهل والعشير ؟ أم هي الدموع السرية كتلك التي تنهمر في زوايا حانات الليل ومراقصها ؟ رحت أقترب من منطقة الانفجار وشبح الحبيبة يلاحقني ، يشرنق أعماقي بقوة غامضة تمدني بطاقة الحياة والأمل والانطلاق العنيف … كان مشهدا" مروعا" لا تهمله ذاكرتي ما حييت ، دمار بالكامل لبناية من طابقين كانت قائمة هنا منذ لحظات تحوي شققا" سكنية وبعضا" من المحال التجارية ، تسكنها عوائل كادحة دفن بعضها تحت الأنقاض ، جثثهم تحترق داخل شفاه نار مفترسة تلتهم كل شيء ، سحب دخان غليظة تطاول السماء ، أشلاء ممزقة تلتهب ، أصوات استغاثة تتصاعد من بين الأكوام ، أنين مصابين ونزيف جرحى ، صرخات نساء وأطفال أصابهم الجنون ، تكبير شيوخ عجزة أغمي على أحدهم من هول الانفجار فأرتمى بجسده وسط الطريق يقوم رجلان بإسعافه ، مركبات متناثرة وأخريات محطمة تحترق إحداهن بسائقها مع ثلّة من النسوة اللواتي حبسن بداخلها ، سيارات إسعاف تكتسح المنطقة بزعيقها المخيف ، عجلات إطفاء تتسابق بجنون يقفز منها رجال إنقاذ مسرعون وضعوا فوق رؤوسهم قبعات حمراء وزرقاء أخذوا يقتحمون الأكوام بعنف ،
وقفت بين الأنقاض أطاول بنظري السماء وشفتاي ترتعش بعد أن تجمعت في صدري صرخة عظيمة تكاد تخرج بجنون لتشق السحاب وتبتلع الآفـــاق .
وفجأة :
اخترقت سماء بغداد أسراب مهيبة من الطيور المهاجرة تتجه شرقا" … استدارت الطيور عائدة من حيث أتت ، وبحركة ميلان مدهشة وتنسيق رائـع هبطت تشكيلاتها نحو فضاآت الكارثة منكسة الرؤوس تحاول عبورها ثانية" ببطء وتأرجح وأنظمام ، فتعالت مجتمعة صيحات آلاف الطيور صعقت أسماعنا وأرهبت نفوسنا وكأنها تعلن بصيحاتها تلك عن عزائها الشديد لأرواح الأبرياء وللطبيعة برمتها وتلعن بهتافات حناجرها همجية الإنسان وقسوة الضمير .