ربما نلتقي غدا
ودعتني بكسل وقالت: "ربما نلتقي غدا" ... ربما؟! آه يا غدا كم أنت بعيد ، أبعد غد صادفني في حياتي ، آه لو كانت كل الأيام اليوم ، الأمس اليوم ، واليوم اليوم، وغدا اليوم وكلّ يوم ....
أنا وقهوتي وحبيبتي روائح ثلاث امتزجت في واحدة ، فرائحة القهوة توقظني ورائحة الحبيبة تسعدني وانا بين هذه وتلك محاصر ، فقهوتي أشربها وحبيبتي تشربني، حبيبتي تلتهمني ، تتسلل الى كل ركن من جسدي ، الى كل زاوية من روحي ، تملكني ، تحكمني ، تتحكمني دون رادع ودونما وازع من ضمير.
يا ملهمتي ، يا بصمة العشق على شفتي ، يا معركتي ، أنا المحارب الذي اعتاد غزو النساء منذ عصور ، ألحبّ والعشق أسلحتي ، والقدّ المائس وشَعر الحوريات أشرعتي ، وحرفان هما كلمة السرّ التي كانت تتفتح أمامها كل ضمائر التأنيث . قد كانت تتفتح أمامها أزهارا خجلة من ندى الحب حين يتساقط رذاذا على الخد العطش قبلا وخجلا ...
ورأيتني وأنا أحترق’ منتظرا ، ماذا جرى؟ أمعقول هذا الذي يحدث لي؟ هل اليوم غدا؟! أم هو الأمس لا زال منتظرا على أعتاب غدي؟ ما الذي يجري؟ هل أضعت’ في غمار الحب بوصلتي ؟ هل فقدت’ أسلحتي ، هل أسقطت’ أشرعتي ؟ يا أشرعتي لبّي ندائي ، فالوقت يمضي وانا أذوي على مقعدي وحدي ، كفراشة أضاعت في درب الهوى شعلتها تحلم بالنور القادم من المجهول ، تحلم بالوعد الآتي من بعيد ، كيوم عيد ...
وأتت ... أقسم بالذي ثبّت هذا القلب بين الضلوع أتت ، أتت وكلّ شيء توقف إلا غدا، كان يهرول نحوي مشرقا مشبعا بالحنين ، أتت ... أقسم بالتي انخلع لإشراقتها فؤادي أتت وكانت تهرول نحو أمسي ترسم على جسدي خارطة السنين . أتت ، ولا زلت غير مصدق أنها أتت حتى غنّت أناملي من كفها الرقيق ، حفرت بعينيها بين عينيّ طريق ... وملكتني ، ثم أعتقتني ثم تملكتني ثم أعدمتني على أعواد أهدابها ، أعدمتني وأنا المذنب والبريء ...
يا رب ، ما أجمل الموت في حضرة النساء ! ، ما أبلغ الصمت حين تتكلم’ العيون، فأجمل الكلمات هي تلك التي نقولها من غير كلام ، وأجمل التحيات تحية الإبتسام.
... وجلسنا ، ومشينا ، وضحكنا وبكينا ، وأسبغ اللـه علينا نعمة الكلام من غير كلام ونعمة النصر لحظة الإستسلام ... مسكين يا من لم تذق طعم العشق يوما وحلاوة الموت في مقابر العاشقين. ... ومضى الوقت ، ولعنة اللـه على الوقت حين يمضي ونحن نستجديه أن يمكث بيننا وقتا آخر . لكنه مضى ، وانقضى وافترق الذي نحن فيه ملتقيان . وعادت لتودعني بكسل: "ربما نلتقي غدا" ...، وعدت إلى مقعدي أحترق من جديد ، آه يا غدا كم أنت بعيد ، فأبعد غد صادفني في حياتي غدا .
رائـــد الشـــيوخي
20/10/2005