استنجاد الذات

في ظلمة تلك الليلة  الموحشة ، أحسست بأن هذه الرياح تحمل معها أشياء لا أفقهها ، رائحتها ، زفيرها المتقطع ، الغبار الذي يملأ الدنيا ويضيق على الصدور ، كلها تسبب الإزعاج والقلق ، نهضت من مكاني أتحسس الطريق بهدوء شديد باتجاه الباب وهممت بإشعال النور ، منعني شيء ما لم أدركه ،  أحسست به لكني لم أره ، انتابني بعض الخوف والاضطراب ، خصوصا و أن الشيء الذي لامسني غير مرئي ، وفي نفس الوقت انتابني شعور غريب يدعوني بإلحاح ويجذبني بقوة إلى ذلك الجسم الغريب غير المرئي .
صوت الأشجار وأسلاك الكهرباء المتناطحة فيما بينها بفعل الرياح والنباح المتقطع من هنا وهناك ، زاد من حدة التناقض الذي أحسست به  تلك اللحظة ، ترى هل أنا أحلم أم أنه الخوف فقط . استجمعت قواي وهدّأت من روعي وفزعي  وتمالكت بعضا من أعصابي .
ضوء خافت تسلل من تحت الباب أرجعني إلى نقطة الصفر بعد أن تمالكت أعصابي ، دقات قلبي في تسارع قوي ، قواي شارفت على الانهيار، أفكاري وتفسيراتي توقفت نهائيا ، بدأ ذلك الضوء  في عرض بعض الصور على الجدار وكأنه العارض الضوئي المستعمل في دور السينما ، الصور لم تكن واضحة في البداية لأن حاسة الرؤية كانت هي أيضا شبه معطلة . إنها صوري ، صور المدرسة ، الجامعة ، العمل ، الشارع ،  أصدقائي . وفجأة ظهر ذلك الشيء غي المرئي ، كلّمني بحدة ، صوته يشبه صوتي إلى درجة يصعب التفريق بينهما ، بل إنه صوتي تماما ، أخبرني بأنه " ذاتي وضميري "  . صوته ينم عن حزن سحيق عميق  ، أخبرني بأنه قد فر من جسمي لأنه لم يستطع التحمل ، تعرض للمصادرة في كل شيء ، في إبداء رأيه ، في محاولته للتقييم والتقويم  ، قوى الشر الخارجية والداخلية و النفس والهوى ، تحالفوا ضدي واتهموني بالرجعية والأصولية و امتلاك  أشياء محرمة محليا ودوليا ، و بدؤو  في إعداد اللوائح والمناشير والبحث في دساتيرهم عن عقوبة كل هذا  وكيفوا قوانينهم وعدّلوا  ، في كل ما يطيل المدة ويشدّد العقوبة ، فهربت من كل هذا الظلم وهربت بجلدي علني أجد لهذه الحالة  مخرجا .
عندها استغفرت الله و راجعت نفسي في ما فعلنا بأنفسنا و بالناس ، و أدركت أن هذا الزمان ، قد صودر فيه الضمير وأجلت فيه المبادئ  وأقصيت فيه الأخلاق الحميدة الطيبة ، لم يبق إلا صوت الشر والأنانية والمصالح ، فعملت بعد كل هذا على مصالحة ذاتي وتمكينها على من همشها وأقصاها .

Please publish modules in offcanvas position.