صوت الأشجار وأسلاك الكهرباء المتناطحة فيما بينها بفعل الرياح والنباح المتقطع من هنا وهناك ، زاد من حدة التناقض الذي أحسست به تلك اللحظة ، ترى هل أنا أحلم أم أنه الخوف فقط . استجمعت قواي وهدّأت من روعي وفزعي وتمالكت بعضا من أعصابي .
ضوء خافت تسلل من تحت الباب أرجعني إلى نقطة الصفر بعد أن تمالكت أعصابي ، دقات قلبي في تسارع قوي ، قواي شارفت على الانهيار، أفكاري وتفسيراتي توقفت نهائيا ، بدأ ذلك الضوء في عرض بعض الصور على الجدار وكأنه العارض الضوئي المستعمل في دور السينما ، الصور لم تكن واضحة في البداية لأن حاسة الرؤية كانت هي أيضا شبه معطلة . إنها صوري ، صور المدرسة ، الجامعة ، العمل ، الشارع ، أصدقائي . وفجأة ظهر ذلك الشيء غي المرئي ، كلّمني بحدة ، صوته يشبه صوتي إلى درجة يصعب التفريق بينهما ، بل إنه صوتي تماما ، أخبرني بأنه " ذاتي وضميري " . صوته ينم عن حزن سحيق عميق ، أخبرني بأنه قد فر من جسمي لأنه لم يستطع التحمل ، تعرض للمصادرة في كل شيء ، في إبداء رأيه ، في محاولته للتقييم والتقويم ، قوى الشر الخارجية والداخلية و النفس والهوى ، تحالفوا ضدي واتهموني بالرجعية والأصولية و امتلاك أشياء محرمة محليا ودوليا ، و بدؤو في إعداد اللوائح والمناشير والبحث في دساتيرهم عن عقوبة كل هذا وكيفوا قوانينهم وعدّلوا ، في كل ما يطيل المدة ويشدّد العقوبة ، فهربت من كل هذا الظلم وهربت بجلدي علني أجد لهذه الحالة مخرجا .
عندها استغفرت الله و راجعت نفسي في ما فعلنا بأنفسنا و بالناس ، و أدركت أن هذا الزمان ، قد صودر فيه الضمير وأجلت فيه المبادئ وأقصيت فيه الأخلاق الحميدة الطيبة ، لم يبق إلا صوت الشر والأنانية والمصالح ، فعملت بعد كل هذا على مصالحة ذاتي وتمكينها على من همشها وأقصاها .
Facebook Social Comments



