يا لعجب الإنسان.....

يفتح لعدوه المجال لتحطيمه’ لافتراسه و تصيير فؤاده  كالجثة المشوهة التي لا تتمتع حتى بحق الرقود و الراحة الأبدية’ قد يكون هذا العدو وهميا لكنه حقيقي موجود’ غير ملموس ولا يقاتل بالسيف محض ’ لكنه يرسم طريق حياتك بشتى الأقلام و الألوان مع انه يفضل الأسود القتيم منها....

و اثر قوة هذا العدو اللذوذ, يسقط الذكي الأريب الصنديد  لكنه يُحول الخسائر إلى أرباح حيث يجعل  من تجربته درسا قد يَحُولُ دون إسقاطه مرة أخرى لكن هيهات .... اذ ان العدو ذكي هو الاخر ’ فطن بما يعمله فلا يسقط احدا حتى يعد خطة اخرى...لكن على الاقل يستفاذ من الدروس اذ تمتلئ رفوف الكاتب بالكتب التي تغوص في بحر الدروس و التجارب الذي يمخر عبابه كل قوي ’ لايمل من العوم و لا تهن قواه..

اما الجاهل المغفل الرعديد فيجعل من مصيبته مصيبتين ... ويحاول نقل عدواه الى كل من يحيط به و يحبط نفسه و ينزوي وحده فيهب للضعف فرصة كي ينقض عليه و يمزق جثته و ينخر عظامه نخرا و يجعل من حزنه مرضا مزمنا يعيث في جسمه فسادا و يطعم الاسى لحمه و يسقي الغم دمه و يوزع غمض جفنه على الاخرين فيغدو كمن يشعل فرنا و يؤجج ناره ثم يقتحمه’ كمن يصنع له شراب التنغيص و الكدر و الموجدة و الشحناء ثم يشريه رغم كرهه...

فلماذا نجعل من الحياة دائما مسرحية حزينة’ تروي احداث بطل تنازل عن بطولته لشرير   ما ان توعد بمُقَاتلته ؟ اين من هذه المسرحية بطولة احمد بن حنبل الذي قاتله وحش السجن و الجلد و توعد بالتهام جثته و تصييرها طبقا للوحوش الضارية و تقديم دمه كمشروب لذيذ يتنغم به الشر و الحزن’ لكنه و قف و اشهر سيفه وقاتل و رغم انه جلد و سجن الا انه لم يجعل من ذلك حفلا بهيجا يتمتع به الحزن و الشر بل جعله مأْثما كريبا  ينعي فيه الحزن و يتاسف لانه اغرق الضحية في بحر مظلم لكن ذلك لم يحل دون تمتعها بما هو في العالم الاخر النائي من جمال و ابداع ’ لانه وضعها في نار ملتهبة محرقة و لم يمنعها ذلك من التمتع بالوانها الزاهية ... فأصبح بذلك إماما للسنة و فقيها عليما تدين له الإنسانية بالشكر و الذكر..

 يا لغضب شرير يرى ضحيته تصنع خيرا بالشر!!

يا لضعف من يهدي إليك ثعبانا ليعضك’ فتأخذ جلده الثمين و تترك الباقية للوحوش الضارية!!  

يا لخيبة عقرب تلدغك فتجعل من لدغتها مصلا واقيا و مناعة حصينة ضد سم الحيات!!      ويا  لإخفاق من ناولك كوب ليمون حار فأضفت إليه حفنة من السكر و جعلت منه شرابا حلوا و تمتعت به ! !

فكم من مكلوم مات أبناءه فرثاهم بقصيدة أنصت لها الدهر’ و ذهل منها الجمهور و صفق لها التاريخ...

و كم من متبلة وافت اخوانها فوصفتهم بقصائد ارتعدت منها فرائص القدر’ و وهنت بذلك قوى الشر و جثى لها فحول العرب و افصحهم شعرا...

اذا فلا تضق ذرعا’ فمن المحال دوام الحال’ و اجعل من انتظار الفرج عبادة و محاربة الشر عادة’ و المصائب العظمى افادة’ و الليالي حبالى تضع دائما اياما حسنى و الغيب مستثر لايزيل عنه غطاء الجهل حتى تفتر و تسعد’ ثم تخبئه كي تغدو اللذة لذتين اذ ان لذة الفرح لا تكبر حتى يسبقها ترح و حزن و انتظار يحفز الفرج...

و لا تكن عبدا لساعتك الراهنة و رقا لظروفك القاتمة’ فلن تر الا النكد و الضيق و التعاسة’ فانت مُنزَوِ في غرفة اليوم و الساعة لا تنظر الا الى جدرانها و بابها’ ألا فمد بصرك وراء النافذة و اخرق به الحجب و اطلق عنك افكارك و توقعاتك الى ما وراء الاسوار تر العجب العجاب...

فكما لا يطيل النوم عمرا’ لن يحل البكاء و الانطواء بابا من ابواب الفرج...

و كما لا يقصر في الاعمار طول السهر’ لا يحد السمر و الافترار و الجذل مشكلا بل هو كالمسكن لا تمر فترة حتى يعاودك الالم...