كم أنت بعيد يا أقصى

أربعون عاما ً وأنا أراك أمامي ، أربعون عاما ً وأنا أسمع صوت المآذن يرن بأذني ، أربعون عاما ً وأنا أرى جموع المصلين تنحني وتركع، تسجد وتسبح.

كان يخيل لي أني إن رفعت هامتي قليلا ً ستراني ، كان يخيل لي أنه إن ارتفع صدى همسي قليلا ً ستسمعني ، كان يخيل لي إن مددت طرف إبهامي سألمسك ، كان يخيل لي انك تبحث عني في كل الوجوه وتنتظرني مع إطلالة كل صباح .

 اليوم فقط أدركت كم أنت بعيد يا أقصى ، وكم أنا أبعدت ، اليوم فقط علمت بأنني لو رفعت هامتي إلى حدود السماء لن تراني ، وإن مزق صوتي أذن الفضاء لن تسمعني ، وإن مددت إبهامي وكل أصابع يدي لن ألمسك ، اليوم فقط أدركت أني كنت أرى الوهم وأسمع الوهم وألمس الوهم وانتظر الوهم وأن جدارا ً أكبر مني ومن أحلامي ومن أوهامي يفصلنا.

اليوم فقط استوعبت أن جزءا ً مني محتل ، جزءا ً مني يرزح تحت نير الاحتلال  ، اليوم أدركت أن العودة بعيدة ..بعيدة جدا ًوأنك اليوم أبعد من كل يوم.

اليوم غادرني الأمل بالعودة إليك ، اليوم فقط شعرت بغربتي الحقيقية ، اليوم تذكرت صورتك في أخر لقاء وأيقنت أنها كانت لعبة الطفولة وضاعت مع الأيام ، اليوم أدركت واقتنعت بأني كبرت ولن يجديني الركض في جنباتك واللعب داخل أسوارك ولن يجديني الانتظار على سلالمك حتى يفرغ الأحبة من صلاة الجمعة لاصطحابي في نزهة صيفية في ربوعك ، ولن ينفع أن أجلس أنا وأترابي نعد رؤوس المصلين حتى نعرف كم يبلغ عددهم ونحن لم نكن نجيد العد سوى على أصابع اليد .

لم يعد  ينفع الانتظار يا أقصى ولم يعد يجدي ،ذهب الذين لم تكن الدنيا تشبع من حديثهم،ذهبوا بصمتهم  طواهم الصمت ، طواهم الموت ، ولم يعد يجدي الانتظار يا أقصى ، لم يعد يجدي ، سامحني يا أقصى أنا وعدت بالعودة  لكن هم لم ينتظروا، أنا وعدتهم  لكن هم لم ينتظروا ، سامحني يا أقصى أنت اليوم أبعد من كل يوم ، أنت بعيد يا أقصى، كم أنت بعيد يا أقصى .