هبط الفجر من أقصاه الى أقصاه عبر صوت المآذن

وعلى الطاولة شمعة تحترق... تذرف قطنا ً نظيفا ً ورائحة

وظل ُ كلينا مشوه ُ ... وقع على السقف المضاء

أنا والقلم .. نسطر ثمة أحرف مألوفة بين جدران ٍ أربعة كرحاب البحر الفسيحة

وأثر الفوضى في كل مكان .. متناثر ٌ كرمل الشاطئ

وبقايا ثيابي المكدسة .. والمعلقة كما لو على سعف النخيل ..سئمت بعضها.

كان قرب الباب حذاء ٌ كتاني أبيض مخصص للبيت

وما إن رأيته حتى إستفزني لإنتعاله ومن ثم الهروب

فتحت الباب وخرجت لأتمشى مع ظلي الوحيد في عتمة هذا الفجر البرجوازي

, هبطت من على سلم أفكاري ونزلت ...أعد الحجارة المصفوفة جنبا ً الى جنب بشكلها الخاطئ

أشفق على هذا الشارع والذي يليه و... الذي يليه...الخ)

لأن ثمة أوزان متفاوتة في الشكل والمحتوى تدهسه ذهابا ً وإيابا ً

وليس هناك مطر في تموز كي يمحي أو يغسل عنها الضجر...

 

أخرجت طبشورا ً من جيب معطفي لأرسم خطا ً  يفصل بيني وبين كل شيئ أعوج..

وأخذت أمشي وأمشي ...كان هذا الهروب المجلد بين ثنايا الورق مضحكا ً بنكهة الجروح

والصبح بدا يلوح ... وكنس الفجر بقية النجوم من السماء كما يكنس الرماد

والسكون مخيم ٌ .. وها أنا أتكئ على طرف السرير

أريد أن أمضي حتى السابعة .. لأسمع النفوس الذائبة وأودع المتثائبة بعد ضجيج الأمس

في هذا العالم الذي يحدد العجائب على هواه

سأجلس من هنا حتى ثلاث ساعات  بينما أنتم نائمون .. تتقلبون .. أو ربما تحلمون بأعجوبة ما

وفي الصباح نتبادل الأدوار دون أن ندري...

أيها الفيض البعيد عن الهم

أيتها الأوراق... ضجي وإنتشري

وخلي حبر السهر المرير يطفح بالعذاب دون أن ننتحب

حتى ينتشله الأفق الوحيد الذي كان يجتازني

مع دخان ذاك المخبز القريب  ...

أيها الزمن إخلطني مع رائحة الخشب المحترق

أو إقذفني مع ذرات القمح أو أنثرني نحو السماء ملايينا ً من الذرات

قبل بزوغ الشمس ... وهي التي تأتي وحدها في الموعد نفسه دون خداع

تجر خيوطها الذهبية وتدخل متلصصة عبر فتحات وثقوب

فقط كي تبحث عمن حرموا من الدفء  .. فتمدهم دفأ وحنو ...

كنت قد قررت أن أعتزل فنجان القهوة لهذا الحين

فجلبت كأسا ً أبيضاً كبير وسكبت فيه فاكهة البابايا معصورة بلون الشمس

البرتقالية لأحتسيها وأرتشف معها طفولتي البائسة

وهي الشيء الوحيد البائس الذي رحل لأنني أحن لعودته ..لأعود ألعب

بفقاعات الصابون كلعبة مفضلة لدي..

كانت تلك العلبة الإسطوانية البلاستيكية ذات غطاء يصدر فقاعات من خلال دائرتين

مع كل غمرة في الصابون .. فقاعات ٍ سحرية كللؤلؤ

وكانت ألوان هذه العلبة الزاهية تغمرني فرحاً عميقا ً في عالم لا لون له

وإحساس غريب مع كل هفوة ونفس...

أما الدوائر التي لا تلبث أن تعلو بالهواء فتنفجر كانت العامل الوحيد

الذي علمني على التحفيز والحماس وعدم اليأس من الفشل

ولكنني أدركت ذلك متأخرا ً ...

بعد أن تبددت الأحلام الوردية والندية كعمري أنذاك...

لا أحزن على ما مضى بقدر ما أحزن على ذلك الطفل الذي لم يكبر بداخلي

سوى بجسده وملامح وجهه  مع مر الأيام     ...

أتسائل .. لما إنتاج الأطفال كان كحياكة جرزة من الصوف

دون الإهتمام على ما سيكون عليه الشكل النهائي ؟؟

ألم يحن بعد الوقت لكي يدرك المنجبون إن هذا الطفل ربما يأتي دون أكمام!

أو ربما يبهت لونه وتردء خيوطه مهما كان نوعها إن لم يعتنى به كما يجب..

هكذا تقلبت أفكاري حتى الخامسة...

وليس هناك سوى صوت المروحة التي تدور وتدور معها تكات الساعة ..

تسك ...تسك ... تسك  كالصوت الذي يصدر منا بدل الإجابة ب (لا)

وصدى أجراس الحزن تقرع عبثا ً بداخلي ...

ولستم تدرون ... ولا أدري أين سنصل ... مع ليلكة هذا الفجر المعتق منذ الأزل

بلونه المائل الى زرقة العفن تماما ًكلون هذه المدينة

وسكانها المخدرون ذوو المناعة إثر ما ينتجه العفن من البنسلين

والمحرومون بلا شك من أية ظروف ملائمة للعيش وأي عامل يساعد على الحياة

بشكل طبيعي كحق من حقوق الإنسان الأقل من عادي

ورغم كل هذا كان ثمة أمور جميلة وفريدة لأنها واضحة من قلتها

كصوت طيور تزقزق بلا أعشاش لتنذر بصباح جديد ...

تطير بين أزقة الشبابيك وأسطح المنازل المغبرة لتحافظ على توازن ما بالطبيعة قدر الإمكان

وصوت وحده يبعث الطمأنينة في الوجود ... صوت أذان الفجر