أطبقت الشمس الملتهبة على تلك البقعة التي تسبح في هذا العالم الرحيب...أسطح المنازل و البشر و الأشجار و الأحجار و الأشياء جميعا تئن تحت وطأة ذلك القيظ...كانت تضطرب مثل كائنات هلامية لا تكاد الأنامل تطالها إلا بشق الأنفس.
الشوارع مقفرة من المارة. الدكاكين و المتاجر تلفظ آخر جحافل الزبائن من بطونها...كنت أمشي الهوينى ألتمس الظلال المتوارية كمن ينشد إبرة في كومة قش...أصابعي تضطرب ضجرة داخل جيوبي

المهترئة التي هجرها رنين النقود منذ مدة.
ساورني الضيق من تلك البطالة الخانقة...منذ أيام لم تسلل يدي إلى جيب أحدهم أو إلى حقيبة إحداهن ،أو إلى حافظة نقود أحد العمال البسطاء  قد استلم راتبه الضئيل للتو ...إنها حرفتي  ،وكم يحز في قلبي حين أتذكر هذه الحقيقة المرة. مررت بالبنك ...رن...رن...أعلنت أجراسه المجلجلة موعد الإغلاق. اتخذت مكانا خفيا أتربص ...و بعد هنيهة كان البنك يلفظ رهطا من البشر،لا شك أن الأموال مخبأة في مكان ما من أجسادهم التي تفور من شدة الحر و التي تتضوع عرقا مقززا .
ها هي هناك ..سيدة تحث الخطى منصرفة من البنك ،حقيبة يد  صغيرة تتهادى باطمئنان   بين أصابعها...أفرجت شفتاي عن ابتسامة طويلة احتفاء بفريستي. من المؤكد أن هذه الحقيبة متخمة بمال وفير...فرقعت أصابعي التي ألمت بها الشيخوخة و الكسل لوقت طويل. أزفت ساعة العمل الآن...مشيت في أثر المرأة متلصصا و أفكاري مترعة بنشوة لم أتذوقها منذ أمد بعيد. لقد كانت تلك الحقيبة تستفز أناملي المتوثبة لقنص ذلك المال.
- أحم...أحم...أعتقد أن الحقيبة مترعة بالمال – قرع سمعي صوت ذكوري خلف كتفي . لم أحفل بذلك الشاب المجهول و قلت دون أن ألتفت :
- لست متعودا أن أخاطب شخصا لا أعرفه –
قال الشخص النزق و قد لحق بي :
- أنا و أنت نمتهن نفس تلك الحرفة اللعينة. و من المفيد أن نتفق –
أجبته و أنا أحث المسير حتى لا تفلت مني المرأة :
- لا يعنيني لغوك هذا من قريب أو  من بعيد . دعني و شأني فانك تضايقني –
- تطلع إلى تلك الحقيبة يا هذا . ستكون بين أحضاننا إذا خططنا لذلك سويا –
أجبته و قد تلبدت غيوم الضجر و الغيظ بين أضلعي :
- انك شخص ممل و.....-
ماذا؟ لقد تلاشى الفتى من جانبي كما الزئبق...لم أعثر له على أثر...أوووووووووووف. اكتنفني شعور باللذة و السكينة من فراق ذلك الآدمي الثقيل. و أمعنت في ملاحقة تلك السيدة بمفردي و قد عزمت أن أنفذ المهمة في أقرب فرصة...فجأة صعدت المرأة أدراج عمارة و صعدت في أثرها و أصابعي تتلهف شوقا إلى تلمس تلك الحقيبة المغرية...تسمرت المرأة في مكانها كأن أقدامها شدت إلى الأرض بسلاسل من حديد. التفتت صوبي مبتسمة ، انتعشت ذاكرتي الخاملة فجأة ...أنا أعرف ملامح هذه السيدة. من؟؟ أسقط في يدي و تبددت  الدماء من عروقي...آلمني ابتسامها ثم تمتمت كأنني أعاتب نفسي (إنها عميد شرطة المدينة . و منذ سنة توسطت لي لدى مسئوليها في قضية سطو ..فأفرجوا عني لاحقا )...استبد بي الخجل و  تقهقرت فورا  إلى الخلف و تلاشيت.