متشحٌ بالملل , جلس يجتر قصة صمته الألف , حروفه تجمعت في سِفْرِ حلقه , كومةً من الأنقاض .
ثمة كلمات ضلت طريقها , فراح يصارعها القلق , وعلى غير العادة لم تستطع فيروز أن تحلق به في
فضاءاتها اللامتناهية .
السيجارة ما قبل الأخيرة انتصبت بين شفتين من ترقب , بينما راحت قدماه تمشطان المكان جيئةً وذهاباً .
تسمرت عيناه في يده , أخذ شهيقاً عميقاً , ثم راح ينفث ما بفمه من هواءٍ , بنزقٍ شديدٍ , راكلاً أول كرسيٍ صادفه .
لعينةٌ تلك الثواني التي راحت تتوالد ببطئٍ شديد .
كان واثقاً أنها لم تتحرك أبداً قبل الآن , وكان واثقاً أيضاً أنها في قمة عرسها المجنون , وهي تمارس عليه ساديتها الرتيبة تلك .
لذلك راح يكيل الأدعية والتعاويذ , على تلك العقارب , التي مازالت تحبو أمام عينيه , وعلى وقع خطواته المضطربة .
عبر الدخان الذي فجر عنانه من سيجارته الأخيرة هاجمه المساء , وراح يندلق على وجهه رويداً رويداً , ويغزل ابتسامتها الشفيفة , نابشاً في ذاكرته عناقيداً من الخيبة المنسية .
ذلك الصمت بدا له أعقم من امرأةٍ عاقر , غير أن قدومها سرعان ما عمَّده بآلاف الحكايا والأساطير الدافئة .
عند أول حكايةٍ تبددت سحابة الإنتظار , آخذةً معها كل ماضيه السحيق , وباعتذارها المكسور أعلن الزمن انهزامه بعد تأسفه , هو الآخر.
تناول يدها ... نزع عنها كل شيء يتصل بالوقت
رائع ذلك القرنفل الذي عشش بوجنتيها , كسرب حمامٍ جريح
ورائع أنا .. كم أتقنت اللون ..!!
- هل نتجه إلى العربة ؟
- ربع ساعةٍ على الأكثر . أجابها
لم تستطع برودة نيسان الفاترة أن تغير لونه , غير أن الخوف على القرنفل انتابه , عندما تظاهرت بالبرودة خجلاً كعادتها .
لذلك أعلن منحه الحياة الأبدية , حينما أشعلها بقبلةٍ , طيرت شظاياهما لغةً للعصافير .
حاول الإعادة , إلا أنها ارتعشت لنشوة الدفء في عينيه .
- أنذهب ؟ سألته
- هيا
نزل قلبه إلى ركبتيه , عندما منحته يدها أمام شباك التذاكر , كطفلٍ استحوذ ألعاب الدنيا كلها .
قطع تذكرةً واحدة , وهم معها بالإتجاه إلى العربة .
لأول مرةٍ يرى كل هذا الموج الأزرق يطفح من عينيها , عندما ابتسمت باندهاشٍ , أعقبه تساؤلها ..!!
- وأين الثانية ؟
- آه .. لقد .. لقد نسيت نفسي .



