قرع جرس الإنذار . تدفق الى قاعة الإجتماعات عدد كبير من رجال
السياسة والفكر والمجتمع والخبراء والعلماء ، كل منهم يتأبط ملفاته ويسرع
بإتجاه مقعده . بعد لحظات عمّ الهدوء القاعة واعتلى المنصة رجل قصير القامة ،
وقد كسا الشيب شعر رأسه ويبدو من خلال سيره وحركاته ، أنه عصبي المزاج ومتوتر .
وقف صمتاً للحظات متفرساً في وجوه الحضور ، ثم قال بصوت منخفض فيه
نبرة ذل وضعف :\" إخواني .. أخواتي ، نحن نعيش لحظات عصيبة ، العالم كله
يعادينا ويستنكر أعمالنا وينعتنا بالقتلة والسفاحين . (بصراخ مفتعل) نحن نعاني
من عزلة دولية خطيرة ، (بهدوء مفاجىء يكاد يكون همساً) ، الخطر يحدق بنا جميعاً
ويجب الخروج بأسرع ما يمكن من هذا الوحل الذي غصنا فيه \" .
طلب أحد الجالسين حق الكلام فأذن له رئيس الجلسة . فوقف وصاح بأعلى
صوته مفتعلاً الثقة بالنفس :\" أعتقد أن وسائل الاعلام لا تنقل الحقائق بصدق
عما يجري هنا . فنحن نطالب دائماً بإحلال السلام ، ونعمل جاهدين من أجل
تحقيقه ، ورغم كل هذا نلاحظ أن وسائل الاعلام تخطط وتبرمج لضربنا وتشويه صورتنا
أمام الرأي العام العالمي . أعتقد أنه آن الأوان لشن معركة ضارية لا هوادة فيها
ضد الصحافة والصحفيين ومعاقبة كل هؤلاء الذين يزيفون الحقائق وينقلون صوراً
مشوهة عنا في الخارج \" .
فقاطعه آخر :\" يجب طرد العرب من البلاد ، هذا هو الحل ، فالمثل يقول
إقلع السن وإقلع وجعه \" . وقال آخر :\" لماذا لا نسخّر بعض الصحفيين لنقل
الصور التي تروق لنا الى الرأي العام العالمي ، وبهذه الطريقة لن نسمح للصحفيين
المعادين لنا بأن يشوهوا صورتنا ، ومن الناحية المادية يمكننا شراء وكالات
أنباء لا صحفيين فقط \" . فتعالت الأصوات المؤيدة لهذا الإقتراح .
لكن الرجل الذي يقف على المنصة صاح بأعلى صوته طالباً حق الرد . وبعد
أن هدأت العاصفة في القاعة قال :\" ولكن يا سادة لا تنسوا أن الصحفيين ترسلهم
وكالات أو صحف ولا يمكننا نحن أن نفرض عليهم من يختارون للعمل لديهم . أما
صحافتنا وللأسف الشديد لم يعد يصدقها أحد حتى اليهود أنفسهم \" .
ضحك الجميع ، ربما لأنهم إكتشفوا غباءهم . أما الرجل الذي يقف على
المنصة فابتسم حين شعر بانتصاره على خصومه وبأنه سحقهم سحقاً ، ولكن زهوه
بالنصر جعله ينسى بقية الإقتراح ، فتوقف عن الحديث وعاد الى مكانه ليتيح للبقية
حق الكلام .
انتهز الفرصة ضابط عسكري شاب ، صعد الى المنصة بالملابس العسكرية ،
وصاح بأعلى صوته :\"ولكن يا سادة هنالك أمور أخطر أضعاف المرات من كل ما ذكر
خلال هذا الإجتماع التاريخي ، إننا نعيش يومياً هناك في الضفة ، ونواجه
المتظاهرين الذين يتربصون لنا في كل زاوية وخلف كل جدار وفي الأزقة . ويؤسفني
أن أنقل لكم حقيقة مرّة ومؤلمة ، وهي أن كل الأسلحة المتطورة والحديثة التي
بحوزتنا ، عجزت عن سحق هؤلاء المتظاهرين ، إنهم يرفضون الموت ، إنهم لا يموتون
\".
ساد الصمت أرجاء القاعة ، لم يتفوه أحد ببنت شفة . نظر الضابط
العسكري الى الحضور وقد فاجأه رد فعلهم ، فهو لم يتوقع أن يكون لكلامه مثل هذا
الوقع . فاحتار .. صمت الحاضرين أذهله . لم يعد يدري ماذا يفعل . تسمر في
مكانه ، الى ان بادره أحد المجتمعين بسؤال ، وعلامات الرعب بادية على محيّاه
\" هل تقصد أنهم لا يخافون الموت ؟! \" .
فأجاب الضابط العسكري مؤكداً وصارخاً بشكل هستيري :\" ان الفلسطيني
يرفض أن يموت . هل تفهم ؟! هل تريد أن أعيدها على مسامعك مرّة أخرى ؟ إن
الفلسطيني يرفض أن يموت .. ان الفلس..\" . عندها تدخّل حراس الاجتماع ، أخرجوه
بالقوة من القاعة وهو مستمر في الصراخ . فهز أحد الحاضرين برأسه أساً ، وهمس في
أذن زميله \"مسكين هذا الشاب ، أراد أن يصبح ذو مركز فاقتادوه الى مستشفى
الأمراض العقلية \" . ثم أضاف :\" من الأفضل لك أن تلتزم الصمت أنت الآخر ،
فأنا أعرفك تمام المعرفة ، وأعرف جيداً مبادراتك واقتراحاتك ، فالزم الصمت
أرجوك \" .
بعد لحظات عاد رئيس الجلسة ليحتل موقعه ، نظر الى الحضور متفحصاً ،
ثم قال :\" اخواني ، رغم كل الظروف والعقبات التي تواجهنا ، يجب أن نحافظ على
رباطة الجأش حتى نستطيع مواجهة المشاكل التي تنهال علينا من كل أنحاء العالم \"
.
فجأة يظهر شبح في داخل القاعة . يصاب جميع الحضور بالذهول ، رئيس
الجلسة يحاول الإختباء . بعض الحراس يخرجون أسلحتهم الرشاشة ويشرعون بإطلاق
النار على الشبح ، لكنه لم يتأثر بالطلقات النارية .
يتعالى الصراخ في أرجاء القاعة :\"ما هذا\"؟! ، \"إنه لا يموت\" ،
\"إنه شبح\".
بعدها يعلو صراخ أحد الجنود على الضوضاء :\" إني أعرفه ، لقد قتلته
في غزة .. إنه فلسطيني .. قتلته بيدي \" . يعلو الصراخ وتزداد البلبلة ، وكل
الأنظار تتجه نحو الجندي .
يشعر رئيس الجلسة بأن الكرة ستضيع من بين يديه إذا استمر الوضع على
ما هو عليه ، فسارع الى الضرب على الطاولة بعنف طالباً الهدوء .
رئيس الجلسة :\" إخواني .. ان كل ما يجري أضغاث أحلام .. كابوس لا
أكثر . ويجب أن نحافظ على سير الجلسة \".
يتقدم الشبح من الطاولة التي أمام رئيس الجلسة والإبتسامة العريضة
ترتسم على شفتيه ليجلس عليها ، فيصرخ الجميع \" لكنه موجود أمامك ، إننا نراه
\" .
يصاب رئيس الجلسة بذهول ورعب شديدين . وما أن يصحو من هول الموقف حتى
يفر هارباً نحو الحضور ، فيضحك البعض رغم أن الموقف لا يحتمل ذلك .
يقف أحد الحضور وتبدو عليه الجرأة ويصرخ في وجه الشبح :\"أيها الشبح
إذا كنت موجوداً بالفعل فتكلم !\".
اتجهت في هذه اللحظة كل الأنظار نحو الشبح ، وساد القاعة صمت رهيب .
نظر الشبح ملياً في وجوه الحاضرين ، ثم رفع يده اليمنى طالباً حق الكلام .
ففتحت الأفواه وتوقف الجميع عن التنفس . فقال الشبح \"لا تغرسوا رؤوسكم في
الرمال كالنعامة \". ثم وقف وسار بإتجاه الحائط الذي دخل منه ، ليخرج ثانية
والحضور يراقبه دون أن ينبس أحدهم ببنت شفة .
إستعاد الحضور في مخيلتهم ما شاهدوا وسمعوا قبل لحظات ، دون أن تصدر
أية حركة عن أي واحد منهم ، وكأن على رؤوسهم الطير . ويبدو أنهم كانوا عاجزين
عن الحركة أو التفكير أو حتى التنفس في تلك اللحظة .
استغل الموقف حاخام يهودي ، فصعد الى المنصة وقال :\" كل ما شاهدناه
قبل لحظات أضغاث أحلام .. كابوس لا أكثر . والآن عدنا والحمد لله الى الواقع ،
فلا أشباح بعد اليوم \" . وأعاد العبارة الأخيرة بشكل احتفالي عدة مرات آملاً
أن يرددها من ورائه الحضور، لكن أحداً منهم لم يشارك رئيس الجلسة فرحته ، ولم
يدر الأخير كيف يخرج من المأزق الذي وضع نفسه فيه .
وفي هذه اللحظات وقف أحد الحاضرين صارخاً :\" لكننا شاهدناه بأم
اعيننا وتحدث معنا ، ولا يمكن أن يكون هذا حلماً \".
نظر اليه رئيس الجلسة وقد تطاير الشرر من عينيه ثم نظر الى الحراس
وصرخ بلهجة آمرة :\" خذوه بعيداً انه متآمر جبان ولا مكان له بيننا \" .
وتقدم الحراس من الرجل وساقوه الى الخارج وسط صراخه :\" إننا نهرب
من الواقع .. نهرب من الحقيقة .. إننا كالنعامة نغرس رؤوسنا في الرمال \".
رئيس الجلسة بصوت هادىء ، يتظاهر بالدفء الأبوي \"إخواني .. أحبائي
ان كل ما شاهدتموه هو أحلام ..أضغاث أحلام .. فلا يمكن ....
- انتهت -
جرس الإنذار
- التفاصيل
- كتب بواسطة: عفيف شليوط
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 6