في الحمَّام
دخل الحمّام ليغتسل من بعض همّه . عندما تعرّى تماماً حملقت به من خلال الجدران آلاف العيون تستحييه صارخة بألسنة ممدودة :
" يـ..ا ي .... ياي "
هي أول كلمة سمعها عندما لفظه رحم أمه و ما يزال يسمعها كل يوم.
" الناس ثابتون في مواقفهم مني إذن".
ردد بغير اكتراث بحشريتهم ، و كسا جسده بصابون الغار زكيّ الرائحة.
مدّ يده يفتح صنبور الماء الدافيء ..
"ما أروع الدفء في هذا الشتاء القارس!! "
تذكّر حنان أمه و يدها تسكب الماء بطاس نحاسي قديم على ظاهر كفِّها فوق رأسه عندما كان طفلاً كيلا تحرقه سخونته أو تنخزه برودته .
كان لأمه طريقة فريدة في كشف حرارة الماء، كانت تقدر غالباً صلاحية الماء للاستحمام من نظرة ثاقبة على البخار الخفيف المتصاعد من البرميل المتعجرف على " بابور الكاز" أو على الشبك المعدني القاسي الذي يوسع موطأه كي لا يثقب بوسطه بفعل اقتراب النار و شدتها و حماوة رأس البابور الأحمر المشتعل.
كانت أحياناً تقدر زمن التسخين فتنهض محفزة:
" هيا يا بني ، سخن الماء، لا وقت لدينا "
و تحضر الملابس النظيفة ، تضعها على كرسي من القش ،تجلس على آخر ، و تقرفصه أمامها، و تبدأ ،
" بسم الله، الله أكبر."
ثم تضع الماء على باطن كفها أولاً، فإن تحملت حرارته، تضيفه على ظاهر الكف ، و تهمس:
" الماء جيد. "
و تبدأ مشروع التحميم المصاحب بتهليلات وتكبيرات، و أدعية ، يستذكرها دوماً،وصار يعشقها بعدما عرف متأخراً أنها أدعية و أذكار نبوية!!
" أمي.....أمي .. أين أنت!!!
رحلتِ قبل شبعي من حنانك، ذهبت و الرعب يملأ كيانك، خوفاً عليّ ، فالمرء- دون سقف بيت- ضائع يرتجي رحمة الله"
لم تنجح محاولة تعييره ماءي الصنبورين فتسرب ماء حار على كتفه و لدغه بسوط مؤلم.
" لعن الله الشيطان إنه حنان زوجة أبي ! "
ضحكت العيون المحدقة فيه.
بحركة لا إرادية فتح الصنبور البارد فتحول الموقف عكساً.
"ماء مثلج !!!! "
تشدقت الأفواه الساخرة بحيرته و صرخ الناس جميعاً:
" يــاي..يــاي.. "