في الصباح، الصباح الباكر جدا، اعتدت أن أشرب قهوتي في الغسق، أرتب يومي وفق نسق لا أحيد عنه إلا للضرورة القصوى، وما أقل الضرورات ..الجيران يستيقظون ترتفع أصواتهم يصرخ أطفالهم ترتطم أوانيهم بالموائد وأحواض الغسيل ، الجيران يغادرون ترتطم أبوابهم في عنف غير مبرر.. يضيع صوت فيروز تخدشه هذه الأصوات النابية..أغادر بدوري أنظر إلى أبواب الجيران الموصدة أتذكر قصيدة أحمد مطر حديث الأبواب أعتذر لها عن العنف الذي مورس عليها قبل قليل بإغلاق بابي برفق.. أمشي في الأسواق، أقتني أغراضي، ما أحتاجه .. وما لا أحتاجه، يستغل السوق اللئيم ضعفي فيوقعني في إغراء أشياء لا أكتشف عدم جدواها إلا عندما أعود إلى البيت، أعد طعامي .. أقرأ عناوين جريدة أو جريدتين ، أحفر في ثنايا الذاكرة عن كلمات صالحة لحل
ألغاز الشبكة المسهمة، أقرأ صفحتين من كتاب أو كتابين، أمضغ ضجري .. ألوك مللي .. أشرب فنجان القهوة الثاني.. أكتئب لبوح الحمام الحزين الذي وجد مستقرا له في أطلال بيت مهجور مجاور لبيتي.. الجيران يعودون .. يتعالى الضجيج .. أفتح جهاز التلفزيون أجول في مدن عربية مخضبة بالدم موشحة بلافتات مطرزة بفعل الرحيل والتغيير، أجول في مدن أوربية مختنقة بأزمات اقتصادية لا تريم كلما ألقت عليها مزيدا من ملايير اليورو كلما اشتدت، أجول في مدن أمريكية تموج بإرهاصات الانتخابات والأزمات، تستنسخ من ميادين التحرير في البلاد العربية ميادين تحاصر بها قارون المال في وول ستريت.. وعلى الشاشات يتوالى المعلقون..الواصفون .. شهود العيان .. المحللون السياسيون.. يقول: أحدهم وراء الأكمة ما وراءها، وأتساءل عن أي أكمة يتحدث فقد دك المراسلون الصحفيون الجبال دكا ولم يبق في الأرض خرم إبرة إلا وزرعت فيه كاميرا، تتدفق عليك الأخبار العاجلة قبل أن يرتد إليك طرفك .. أصبحت شريكا في كل العمليات التي تتم أمام ناظريك ..أنت الآن مواطن كوني، أتساءل هل الكونية تعني الحرية أم تعني توريطك في تحمل تبعات ما يحدث، وما لم يحدث بعد، تخلق لك وعيا شقيا بكل ما في الشقاء من معنى.. أوقف نزيف الأخبار .. أكمل برنامج اليوم .. أزحف مع عقارب الساعة نحو نهاية يوم عادي.
عائشة العلوي لمراني
الدار البيضاء: 29/10/2011



