منذ غادر قريته الضاربة في عمق الريف .. حيث يتناغم لون التراب ولون الخضرة وسواد ملايات النساء، وهذه الألوان تتراقص داخل مخيلته ، تسدل ستارا بينه وبين ألوان المدينة الكالحة .. أما البياض .. لماذا يكرهه كل هذا الكره، أ لأنه يذكره بالموت؟ .. بالأكفان؟ .. لا يذكر حادثة أخرى لها علاقة بالبياض .. أو أنه لا يريد أن يتذكر الرصاصة التي اخترقت صدر ابن عمه الطفل في حادثة ثأر، كان يلبس صدرية بيضاء غمرها الدم المتدفق من الجرح فأصبحت حمراء .. لون الدم لا يظهر إلا عندما يمتزج بالبياض، مع الألوان الأخرى يتخذ شكل البلل.
عندما أسقطت دولة شقيقة نجوم علمها، فكر في تغيير علم بلاده، يسقط اللونين الأحمر والأبيض، ويفرد جناحي النسر حتى تصلا إلى أطراف العلم يحتفظ له باللون الذهبي الذي يروقه كثيرا، ويجعل الأرضية في زرقة السماء، فالنسور تفرد أجنحتها في عنان السماء، أما المخالب والمنقار فباللون الأسود .. غير أنه أرجأ الأمر حتى يضمن أغلبية ساحقة في مجلس الشعب.
الآن أصبح يملك الوقت الكافي ليسترجع كل الأشرطة التي كان يعتبرها مزعجة بل مقرفة، كان يحب تلك الجلسات الهادئة التي لا يسمع فيها إلا ما يحب آخر نكتة .. آخر حكاية مسلية، المقالب التي كان يتبادلها الأصدقاء .. ترتفع القهقهات تحت الشمسية الوارفة أمام صفحة البحر الزرقاء.. تحت خمائل الورد السخية في الأمسيات الدافئة.. على ظهر اليخت الذي يمخر العباب في انسياب رشيق ووجهه يستقبل رذاذ البحر فيحس بمتعة ما بعدها متعة..
أصبح الجدار الأبيض الممتد أمامه طولا وعرضا .. إلى ما لانهاية شاشة عرض لأفلام الرعب التي كان يختزنها في أقصى مكان في ذاكرته.. ابن عمه الذي حصل على شهادة متوسطة من معهد ديني بالعاصمة، وعاد إلى القرية ليؤم الناس في الصلاة.. في إحدى المرات وهو يخطب في المصلين خطبة الجمعة ، نظر إليه نظرة خاصة كان يعرفها جيدا، نفس النظرة المتحدية التي كان يواجهه بها دائما شيء ما كان في صدره منه، كان موضوع الخطبة عن "خطيئة التكبروالغرور"، نظر إليه مليا وقال: "إنك لن تخرق الأرض، ولن تبلغ الجبال طولا..
كان قد عاد لتوه من المدرسة العسكرية بعد أن قضى السنة الأولى متفاخرا ممتلئا حتى الارتواء بالإعجاب بنفسه وبنظرة أبيه المتباهية، وأمه التي لا تكف عن الدعاء .. أسقطت الجملتان كل ذلك الاعتداد بالنفس .. كل ذلك الإعجاب .. أفرغته من كل تلك المشاعر التي جعلته يمشي واثق الخطوة شامخا يكاد لا يرى موطئ قدميه .. انكمش أحس بأنه أصبح أقل حجما من أنحف فلاح في القرية، بعدها قرر أن يختلق الأعذار حتى لا يحضر صلاة الجمعة في القرية.
أن تكون جنديا، أو معلما، أو ناظر مدرسة، أو إمام مسجد في قريتنا، أو فلاحا أو بوسطجيا..أو..أو.. فالأمـر لا يرتبط برغبتك الشخصية، بل بتواطؤ غير معلن يستند إلى اعتبارات عدة ..اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية ، وكان حجم الشخص وشكله يلعبان دورا أساسيا أيضا.. ومن الجمل التي كانت تتردد بعد أن يمعن أحدهم النظر في أحد الأطفال " شكله ناظر مدرســــة "، أو "باسم الله ما شاء الله شكله ضابط ".. وهذه الجملة الأخيرة ترددت أمامه كثيرا ، حتى أنه تقمص شخصية الضابط قبل أن يصبح كذلك بالفعل.
عندما أبلغ والده أنه انخرط في سلاح الجو تجهم وجهه زادت تجاعيده فجأة، ثم سرح بنظره بعيدا، وبعد لحظة قال: إن سلاح الجو لا يحارب إنه يقتل .. لعله تذكر الغارات الجوية خلال الحربين العالميتين .. كاد أن يقول له : ولكننا لن نحارب، يقصد سلاح الجو، فالعدو بالنسبة إليه وإلى الكثيرين، محاصر في رقعة من الأرض تحيط بها عدة دول معادية لن يصعب عليها أن تطوقه وتقضي عليه دون حاجة إلى سلاح الجو.. لم ينبس بشيء ترك والده لذكرياته الحزينة، وخرج مختالا متباهيا حتى أن بيوت القرية بدت له أشبه ببيوت الدمى، و عندما انعكست صورته على صفحة مياه البحيرة الصغيرة على الطرف الغربي للقرية تأمل الصورة جيدا، ثم التقط حجرا صغيرا وألقى به في الماء توالدت الدوائر ضاعت معالم الصورة إلا أنها انتشرت على مساحة كبيرة من الماء قبل أن تختفي عندما غادر المكان.
توارت القرية .. بعيدا .. بعيدا .. توارت بيوت الدمى .. والبحيرة أصبحت في الذاكرة مجرد قطرة ماء..
بعدها انعكست صورته على بحر متلاطم الأمواج، لا تحدث فيه الأحجار الصغيرة دوائر، و لا تمخره بوارج .. ولكنه قد ينساق بسلاسة لمن يملك السر، فمن له بعصا سحرية تشق هذا العباب إلى الكرسي النوراني الذي يتموقع بين الممكن والمحال، وككل الألوان البراقة التي أغرته وتغريه ، مضى لا يلتف وراء.. لا يمينا .. لا شمالا.. فالكرسي هو سدرة المنتهى.
وعندما كان البحر والجو يمعنان في الخصام .. و رقعة الأرض التي يحتلها العدو تتخذ شكل بقعة الزيت تتوسع .. وتتوسع .. والهزائم العسكرية تتوالى ..من النكبة إلى النكسة .. إلى .. كان الماء ينحسر أمامه .. يقربه من شموسه القصية.
انتشرت العتمة في فضاء الغرفة تحول لون الجدار الأبيض إلى الرمادي، ضاق صدره .. كان يكره هذه اللحظات التي تفصل النهار عن الليل، لحظات ملتبسة ، وهو يكره الغموض، فمنذ أن شقت عصاه البحر و انحسر الماء.. كل الماء أمامه، وامتدت يد من مكان ما لتجلسه فوق الكرسي، قرر ألا يسمي الأشياء إلا بمسمياتها، مغرما بالتقسيمات الصارمة والثنائيات الضدية التي لا تتقاطع فلكل وظيفة عليه أن يقوم بها بقدرية مطلقة فالحاكم يقابله محكوم، وفي مقابل القوة يوجد الضعف ، وفي مقابل الغنى الفقر .. وهكذا، وحتى يبقى في دائرة الممكن عليه أن يكون في الطرف الأول من الثنائية.
و في لحظات التأمل القليلة التي كان يحاول فيها فك بعض الطلاسم، كان يفسر الألغاز بما حدث لا بما يمكن أن يحدث، ألم يسقط أولئك الذين أوهموا الناس لعقود بأنهم متساوون، وأولئك الذين ادعوا أن بإمكان الشعوب الضعيفة المتخلفة أن تتغلب على الدول الإمبريالية، والديمقراطية نفسها هي نظام صارم لا يتغير فيه إلا الرؤساء، وكلهم يرددون نفس الخطاب، وينفذون السياسات نفسها .. إذن فما جدوى الانتخابات .. وما جدوى أن تكون نزيهة أو غير نزيهة، إن شعوبنا تحب الاستقرار وتألف زعماءها وتحبهم وتفديهم بالروح والدم.
سلمته الممرضة قرص الدواء وكأس الماء وضغطت على زر النور فغمر الحجرة ضوء أبيض أعاد إلى الجدار نصاعته، بينه وبين النوم مدى قدرة المنوم على التأثير فيه، ومدى قدرته على صد الذكريات.
وعلى الجدار المقابل ..على الجدار الأبيض، امتدت أيادي كثيرة في اتجاهه.. أياد كانت تمتد نحو رغيف الخبز في الطوابير.. تسقط في استسلام .. أو ترتفع نحو السماء في دعاء صامت.. تتوارى خلف الأجساد النحيلة.. تتوسل القرش عند إشارات المرور.. تمسك بمفاتيح عوالم افتراضية تضغط على أزرارها، تستنشق عبير حرية نفقت أسواقها في عالم الواقع.
رفع الغطاء أراد أن يغطي وجهه .. حالت الأنابيب الموصولة بجسده دون ذلك، بسمل .. حوقل .. ضاع تأثير المنوم .. لن يتحمل قلبه الضعيف جرعة ثانية.. استعد لاستقبال الكوابيس.
عائشة العلوي لمراني
الدار البيضاء ، ربيع 2011



