في ظل تربية شديدة من أب كان على الدوام تجسيدا حيا لشخصية السيد عبد الجواد أو سي السيد ولكن بدون الإنحرافات الأخلاقية لهذه الشخصية كما سردها الأستاذ نجيب محفوظ فى روايته الشهيرة – تربي عمرو البندارى فى عهد عبد الناصر بشكيمته القوية ونظراته الثابته حتى فى اقوى المحن ..
وبرغم وفاة والده وهو لازال طالبا فى الثانوية العامة الا ان والدته تقمصت شخصية والده تماما بعد وفاته علي عكس ماكانت قبل الوفاه ..
كل ذلك جعل منه شخصا مسئولا ورجلا مكتمل الرجولة الى حد بعيد فهو لم يعش ابدا حياة طفل او شاب له وقت يلهو او يمرح مثل من هم فى مثل عمره .. تخرج من كلية الهندسة جامعة الاسكندرية واعتاد ان يستقل القطار المتجه الى دمنهور كل يوم وهو يكاد لاينطق بكلمة واحده ، اكتفى فقط بأن يطالع الصحف أو أن يقرأ
رواية للعقاد أو طه حسين..
بعد تخرجه بسنوات قليلة تزوج زيجة عادية كما يفعل أغلب شباب دمنهور .. الأم تبحث عن فتاه مناسبة بين المعارف والأقارب أو الجيران وأحيانا في الافراح التي تحضرها ايضا .. تطالع البنات المدعويين للحفل ثم تتقصى عن بعض الفتيات اللاتي تراهن مناسبين .. وبعدها يفعل النصيب والقسمة ما تبقى إلى ان تمت الزيجة .. زيجة عمرو ومنى ...
احتاج عمرو إلى سيدة على قدر عالي جدا من الذكاء لكي تحتوي شخصيته بحيث أن تجعله دائما يشعر أنه سي السيد وفي نفس الوقت تخرج من داخله الشخص الذى يفعل ما تريد هي لأنه يحبها ولأنه أيضا يعلم أنها أبدا لن تخالف أمرا له قط ..
وكانت منى تماما النصف الجميل في حياته .. عشر سنوات كاملة عاشوها سويا كأجمل ما يكون الزواج .. تفهمه من نظره وتطيع إشارات أصابعه قبل أن يفعلها .. ويغمرها حبا من منبت شعرها حتى أخمص اصابعها .. يعشقها ويذوب فيها ذوبا .. من آن لآخر يأخد قرارا متعنتا بشدة ليختبرها فيراها خاضعة مطيعة غير متأففة ولا ساخطة فيزداد حبه لها أكثر وأكثر ..
ولكن .. لعشر سنوات كاملة عاشا وحيدين بلا أطفال .. لم يتركا طبيبا لأمراض العقم إلا وذهبوا له عدة مرات لدرجة أنه بنفسه استطاع أن يعالج أكثر من صديق بوصفات أطباء قام بزيارتهم أو بقراءة أشعة أو نتائج تحليل تشبه تحاليله أو أشعاته .. وكل هؤلاء الأطباء أجمعوا أنه لا يوجد أى موانع للحمل والإنجاب لا من عنده ولا من عندها ..
لم يشكو منها أبدا بسبب هذا الموضوع ولكن أهمية الأنجاب عندها تزايد شيئا فشيئا إلى أن طلبت منه الطلاق وتركته لأول مرة وذهبت بيت أهلها معلنة رغبتها فى الطلاق..
تركها لتهدأ الأوضاع أياما قليلة ذهب خلالها ليقابل طبيب جديد لأمراض الذكورة حاملا معه كل التحاليل والاشعات وحاملا يأسا أكبر بكثير من أي أمل في الشفاء من داء أنكر الأطباء وجوده ..
الدكتور سامى طوسون – استشارى امراض الذكورة .. هكذا كانت اللافته الأنيقة على باب العيادة بألوانها الداكنة والأضاءة الهادئة التي تنعكس على المدخل ..
قابله الطبيب بابتسامة طبيب خبير وصافحه بحرارة وهو يبدى اندهاشه بكمية التحاليل والاشعات فى يده ، مما جعل عمرو يتركها بين يدى الطبيب وهو يضيف .. أنا جبت لحضرتك كل التحاليل والاشعات اللى ممكن تطلبها علشان نوفر وقت يعنى .
ضحك الطبيب واهتزت النظاة الطبية على أنفه وهو يتصفح التقارير والتحاليل .. ومالبث أن رفع رأسه ناحية عمرو وترك الورق من يده وقال له مبتسما : بس أنا بقى يا أستاذ عمرو عاوز تحليل مش موجود هنا ومحدش طلبه منك قبل كده يابطل ..
- تحليل ايه ده يا دكتور .. أكيد حضرتك التحليل ده موجود هنا
- هز الطبيب رأسه محافظا على الابتسامة : لا والله مش موجود وعموما هو مش تحليل صعب يعنى ولا حاجة .. ده حتى المعمل اللى يعمل التحليل ده جنبى هنا بعد شارعين من هنا .. روحلوهم بس واطلب تحليل حمض الستريك فى السائل ..
اندهش عمرو انه بعد تسع سنوات من التحاليل والاشعات والفحوصات لازال هناك تحليل لم يقم به ابدا ولكنه قام بهدوء بعدما اكد على الطبيب أنه سيذهب لعمل التحليل وسيعود فورا ..
أمسك الطبيب بالتحليل وطالع نتائجه بتأنى شديد ثم وضع التحليل على المكتب وخلع النظارة الطبية وانفرجت من شفتيه ابتسامة عريضة .. بقى انتا بقى ياسيد عمرو بقالك تسع سنين مش لاقى علاج ورحت لدكاترة كتير وكلهم معرفوش المشكلة فين ؟
آه .. أيوه يا دكتور والله .. خير ؟ فى ايه ؟
انتا عارف يا استاذ عمرو انتا علاجك ايه ؟ برتقاااااال
نعم؟؟
تشرب عصير برتقال كتير وتاكل برتقال وهكتبلك بس على فيتامين سى .. مش اكتر من كده
ايه يادكتور الكلام ده انا مش فاهم حا...
قاطعه قائلا : الحيوانات المنوية عندك بتموت بسرعة بسبب نقص حمض الستريك وعشان كده مش بتخصب البويضة..
بس كده ؟؟؟؟؟؟؟؟
بس كده .. أسبوع بقى ياسيدى وانتا بتاكل برتقال ليل ونهار وتمشى على الفيتامين اللى كتبتهولك ده ، وتجيلى بعدها ومعاك التحليل الجديد .. عشان منضيعش وقت – قالها ثم ضحك بصوت مسموع وهو يصافح عمرو الذى اختفت ملامحه تماما وهو غير مصدق لما يسمع .. مشكلة حياته حلها فى البرتقال .. البرتقال فقط ..
فى القطار الى دمنهور جلس صامتا كما اعتاد شاردا من النافذة .. تتراقص امامه خيالات طفل يناديه "بابا" ويقذف له كرة فى الهواء ويجرى منه وهو يضحك ثم يستدير عندما يمسك به ..يرتمى على صدره وضحكاتهما تملأ الكون ..
تذاكر يا بيه ..
استدار ناحية الرجل العجوز وهو يبرز تذكرته ومن خلف الرجل العجوز وجد طفلا يجلس بجوار أبيه وقد طوق الرجل إبنه من خلف رقبته ووضع الولد راسه على صدر الأب ..
لأول مرة في حياته يرى الموضوع بتلك الأهمية . أول مرة يشعر أنه فعلا بحاجة للأطفال .. فقد ملأت منى عليه حياته تماما .. وبرغم أن كلا ًًّ منهما لم يعلم أين المشكلة إلا انه لم يفكر اطلاقا أن يتركها بسبب الانجاب ..
كيف فكرت هى كذلك ؟ وكيف تنازلت عنه بهذه السهوله لمجرد أن السبب قد يكون منه هو؟ كيف اذن تعيش سيدات مع ازواجهن وقد تأكد أن العقم من الرجل ؟؟
فكر له أن يذهب ليخبرها ما حدث فتنتهى المشكلة وتعود للمنزل ..ولكن ماذا لو كان الطبيب مخطئا ؟ و مر الاسبوع والثاني والثالث ولم يحدث جديد ؟ عندها قد تتهمه بالخداع والكذب ..
ثم أنه كيف يقبل بأن يكون زواجهما متوقفا على وجود طفل ؟ أين الحب والعشق والعشرة ؟؟ وأين احترامها له وأين كرامته ؟ رأى أنها اهانت كرامته بشده عندما ذهبت لأهلها بهذه الطريقة وقد أخبرت الجميع بأنها تريد أن تصبح أم وهو لا يستطيع أن يجعلها كذلك.. لا لم تطعن فقط فى الكرامة لقد طعنت في الرجولة ..
أفكار كثيرة وقرارات تناطحت فى راسه وهو يمشى متجها الى بيته فى شارع صلاح الدين .. بناية شديدة الفخامة فى الميدان .. صعد إلى المنزل واتجه مباشرة إلى الشرفة التي ترى من بعيد " صيدليتها " التي إشتراها لها لتديرها وتعرف كل ما يحدث بها من شرفة بيتها .. لم يستطع أن يتمالك نفسه وقد امسك بالصحيفة مدعيا أنه يقرأ بها وقد أخفضها قليلا ليرى من فوقها الصيدلية من الداخل .. رآها من بعيد وهي تقف خلف البنك .. تحضر دواء من الرفوف .. وتحاسب الزبائن .. وتصطنع ابتسامة فى وجه كل مريض وهى تدعو بالشفاء ..
استدارت منى ناحية الرفوف وهى تنظرالى الادوية وتدونها .. غالبا فى الاجندة التى اهداها اياها ولا تتركها ابدا ... ترك الصحيفة عندما تاكد أنها لن تستدير الا بعد وقت طويل بعدما تنهى تدوين اصناف الادوية الكثيرة أمامها .. رآها من الخلف وحاول جاهدا أن يرى الاجنده بيدها .. الا أنها بجلستها حجبت عنه الرؤية الى حد ما..
لماذا حتى لم تنظر الى الشرفة كما افعل انا ؟ لماذا لم تحاول أن ترانى وقد غبت عنها خمسة أيام حتى الآن ؟ إنها بدون شك قتلت حبها لي بداخلها .. أنا الآن رجل فااا.. لا ... إنسان فاشل في نظرها لا أقوى ان اجعلها أمّ ..
مرّ الأسبوع ولم يدخل الشرفة أبدا .. حتى أنه لا يجيب عن الهاتف ولا يخرج من المنزل .. فقط يأكل البرتقال ويشرب عصير البرتقال ..
مرة أخري في القطار .. ولكن هذه المرة يستطيع أن يكون أبا في تسع شهر زواج من أى سيدة .. نعم .. من أى سيدة ..
أعاد كلمات الطبيب في ذهنه عشرات المرات .. " أهو إنتا كده يا باشمهندس تقدر تخلف من أربعة مرة واحده .. أربعة إيه .. إنتا ممكن تخلف من عشرة حتى .. بس لو الشرع يسمح .. " أجمل إبتسامة في الدنيا .. إبتسامة الدكتور سامي .. أول مرة في حياته يحتضن رجلا بهذا الشكل .. صاح بأعلى صوت .. متشكر يا دكتور متشكر أوى .. أوى ... تناسى العيادة والمرضى والممرضة والساعى وكل شيء .. إحتضن الطبيب كأنه أخ لم يراه لعشر سنوات .. كأنه أمل عاد إليه من بعد الموت ..
من محطة القطار مباشرة إلى بيت أهلها .. صعد الدرج .. طرق الباب .. فتحت حماته الباب وصاحت .. عمرو حبيب قلبي .. رد عليها متجهما وماددا يده نحوها في ثبات .. متجاهلا يداها التي فتحتهما لتحتضنه .. " أهلا يا طنط .. الأستاذ محمود هنا ؟ "
- مانتا عارف يابنى انه بيبقى هنا كل يوم خميس .. مجيتش بدرى ليه كنت تتغدى معانا ..حتى نطلع الشيطان اللى بينكو ده يابنى ..
- شيطان إيه ؟ مفيش شياطين ولا حاجة .. ناديلى الأستاذ محمود لو سمحتى
أطرقت السيدة رأسها فى تأثر واضح وإستدارت متمتمة .. ربنا يهديكو يابنى ويستركو يارب
بعد دقيقة واحده كان محمود يصافحه مصافحة رسمية .. إزيك يا باشمهندس.. وإيه أخبار الشغل؟ .. اتفضل اتفضل
أشار له بالجلوس فجلس رافعا راسه لاعلى .. ناظرا مباشرة الى أعين السيد محمود نظرات قوية راسخة .. ثم أردف ..
- بإختصار يا أستاذ محمود علشان احنا كبار على الكلام اللى مالوش لزمة .. أنا مراتى عندكو هنا وانا جاى آخدها ..
- اهدى بس يا عمرو .. الأمور ما تتحلش كده أبدا ..
- أنا هادى جدا يا أستاذ محمود .. وإنتا عارفني كويس وعارف إني مش بحب أعيد كلامي مرتين
- إنتا عارف يا باشمهندس إن انتو مالكوش غير بعض .. ده دلع ستات يا هندسة
- خلاص .. لو مالناش غير بعض زى ما بتقول فانا قدامك اهو وبقولك انا جاى آخد مراتى بيتها ..
- مانتا عارف ايه سبب الحكاية دى .. ودي حاجة محتاجة منك كلمتين حلوين والامور تتحل ..
- أنا مقلتش كلام وحش علشان أصلحه بكلام حلو يا أستاذ محمود ..
هبّ واقفا ومد يده ليصافح محمود الذى قام بدوره .. أنا خلصت كلامي كده يا أستاذ محمود وجيتلك لأنك إنتا أخوها الكبير وفمقام والدها الله يرحمه .. وإن كانت مش جاهزة دلوقتى فأنا مستني حضرتك ترجعها البيت لحد بكره العصر
ولو مجيتش حضرتك أنا هاجيلك العشاء فى المحل بتاعك تحت.. سلامو عليكم
- استنى بس يا عمرو .. ميصحش كده .. إحنا بنتكلم ..
- مع السلامة يا أستاذ محمود ..
اتجه نحو الباب .. فى حين صاحت السيدة .. الشاى يابنى .. استنى ..
يوم واحد فقط مرّ وكأنه الدهر كله .. رأى فيه عشر سنوات من حياته .. مرت أمام عينيه في اللاشىء وعلى صفحات الجرائد وفي وجوه المصلين يوم الجمعه .. فى كل شىء .. كان يراها .. أجمل سنوات عمره ..
مرّ العصر والمغرب ولم يحدث شيء .. فقط مكالمات هاتفية لم يرد عليها .. فقد اتخذ قراره بوضوح وأبلغهم أيضا بهذا القرار .. والوقت إنتهى ..
إتجه إلى محل أخيها فى شبرا دمنهور .. حاملا حقيبته السوداء .. مرتديا بدلة سوداء أنيقة ..
- السلام عليكم يا أستاذ محمود ..
- اهلا اتفضل يا عمرو .. اتجه نحوه مرحبا ونادى " الشاى يابنى "
- أنا مش جاي اشرب شاي يا محمود .. اتفضل .. ده مؤخر أختك .. وبكره هستناك الساعة عشرة الصبح عند الشيخ هاشم الحوفي .. وقدامكم أسبوع تكونوا فضيتوا الصيدلية وشلتو الادوية اللى فيها ..
قام عمرو واقفا وسط ذهول الرجل الذى تعثرت الكلمات بين شفتيه ولم يستطع أن يرد ببنت شفة ..
تم الطلاق .. ومرّ الأسبوع وأزيلت لافتة الصيدلية وكذلك بعض أجزاء من الموبيليا أخذوها بعد الاتفاق معه .. واشترى بدلا منها فى غضون أسبوع ..
على مدى شهر كامل عاش وحيدا فى هذا المنزل بدونها .. ذهب إلى العمل ليمد فترة أجازته .. وهناك قابل المهندس أشرف الذي طالما ألحّ عليه في أن يعمل بالخليج .. وفي هذه المرة وافق على الفور وجهز حقيبته وسافر إلى الامارات ..
مرت سنة كاملة وهو يعمل أكثر من عشر ساعات باليوم لكي ينسى .. ولكنه ابدا لم ينسها يوما .. فكر أن يعود ولكن منعته كرامته .. فكر أن يوسط أحدا ليعيد المياه الى مجاريها ولكن صورتها وهى تعطى ظهرها لباب الصيدلية منعه .. هى لم تهتم اطلاقا أن تراه كما فعل هو ..اذن فالحب مات بينهما إلى الأبد ..
عاد إلى مصر بعد السنة .. ذهب إلى المنزل وإتصل بأخوه الذي عاتبه كثيرا أنه لم يخبره بميعاد قدومه لينتظره في المطار .. ثم فتح الشرفة وتطلع إلى المحل المغلق الذى لم يفتحه منذ أن استلمه من الأستاذ محمود مطلقا ..
خطر بباله أن يسأل عنها ولكن أراد أن يبقى الأمر سرا لا يصل إلى علمها أو علم أحد من أهلها .. تذكر صديقه القديم والذي يسكن بجواره بيت أهلها فى شبرا دمنهور .. بحث عن هاتفه وإتصل به .. بعد كلمات الترحيب والتعبير عن السعادة بالمكاملة وكذلك اشتياق لصداقة الماضى البعيد .. سأله صديقه عن حاله وهل تزوج بالخارج أو لا وعندها أجابه بالنفى واستطرد أنه لا يفكر فى الزواج فى هذا الوقت .. ربما يتزوج بعد أن ينتهى عقده بالخارج ويعود نهائيا الى مصر ..
ألقى صاحبه باللوم عليه على هذا التفكير الانهزامي ..
- يا عمرو عيش حياتك وانسى زى ماهى نسيت .. أهى كلها كام شهر وتخلف .. إتجوز يا عمرو والحق عيش حياتك.... الحياة مبتقفش على حد ولا بتستنى حد ..
لم يجد مايرد به على تلك المفاجأة .. فقد غاب عقله عن الوعى للحظات قبل أن يقول " معلش يا حسام أنا مضطر أقفل دلوقتى .. مع السلامة .. "
قالها وارتمى على الأريكة ولم تمكنه نفسه من حبس دموعه التي بلت الوساده .. بكى كما لم يبك من قبل ..
ساعتان كاملتان من البكاء وهو حتى لم يغير ملابسه التى سافر بها من دبي ..
قام بعزم شديد واتجه نحو الشرفة فاغلقها ثم ذهب الى الهاتف واتصل بسمسار يعرفه ..
- لسه عاوز تشترى المحل بتاعى يا ريس غريب ؟
- أهلا أهلا باشمهندس .. إزي حضرتك ؟
- الحمد لله .. ها .. لسه عاوز المحل ..
- ياريت يا باشمهندس .. وزبونك جاهز من بكره ..
- لأ .. النهاردة .. تجيبه بعد العشاء يشوف المحل ونتفق على كل حاجة ..
- تحت أمرك ياباشا ..
ألقى بنفسه على الاريكة وأخذ نصف قرص منوم من حقيبة سفره بعدما ضبط المنبه .. ثم غاص فى نوم عميق ..
استيقظ على دقات المنبه المزعجة قبيل العشاء ثم غير ملابسه ونزل نحو المحل .. فتحه ليجده خاليا تماما إلا من البنك وكرسيين وأرفف يستقر فوقها غبار كثيف ..
نادى لبواب عمارته لينظف المحل والارفف بينما جلس بالخارج على الكرسى منتظرا السمسار ....
- لقيت دى وانا بنضف ياباشا ..
هكذا قاطع البواب صمته وقد أمسك بيده الأجنده القديمة .. أخذها منه بسرعة وكأنما كان يبحث عنها منذ زمن ..
فتحها فى مكان القلم الذى ظل بها لأكثر من سنة ..
ازاح الغبار بيده ليجد خطها .. خط يدها .. وقد كتبت ..
حبيبي نفسي ف حاجة منه ..
نفسي ف ولد .. يبقى شبهه .. فيه ملامحه ..
أو ف بنت تكون حبيبته .. ولو جرحته أو ضايقته .. فعنيها هي ينسى جرحه ..
ولو جه يومي قبل يومه .. ولادنا ينسوه همومه..
حبيبى نفسي ف إبن منه .. حته منه .. فيه حنانه .. فيه جنانه ..
وفيه عقله ورجولته ..
قرأ الكلمات بتمعن وامسك الأجنده بقوة فشعر بشيء صلب داخل الأجنده ... فتح الأجنده على ذلك الشيء ليجده مرآة ..
نعم .. مرآة صغيرة .. وضعتها في الأجندة ... ولكن لماذا ؟؟
برقت الفكرة برأسه .. قام بسرعة ساحبا الكرسى ناحية البنك .. فزع البواب للحركة السريعة وصوت احتكاك الكرسي بالارض فى عنف .. ( فى ايه يا باشا ؟ .. طب عنك انتا الكرسى انا اشيلهولك ) تجاهل كل ذلك تماما حتى وضع الكرسى خلف البنك وجلس عليه واعطى ظهره للباب وامسك الاجندة بيده واضعا المرآة بين صفحاتها ونظر فى المرآة فوجد مصباح شرفة بيته واضحا أمامه ...
تمت بحمد الله



