" أكون أو لا أكون تلك هي المشكلة" شعرت أن ويليام شكسبير يصرخ بها أمامي هنا في كبد لندن...أكيد أن الرجل مدفون في مكان ما من تربة هذه المدينة الصاخبة أبدا . لكن كلماته الثاقبة لا تزال ترفرف في السماء كما الكواكب...أقف قبالة هذا النهر الذي يشق المدينة في هدوء و كبرياء. أضخ إلى رئتي هواء مضمخا بطعم البحر...رداء قرمزي راح يزحف فوق المباني و الأشجار و الأشياء في بطء يفوق بطء السلاحف. هي الشمس التي استفاقت للتو من الأفق. مشربة بالحمرة و خجولة مثل العذراء في خذرها...صباح عاصمة الانجليز سوف يكون دافئا ما دام قرص الشمس ذاك يعانق أحشاء هذه المدينة المترعة بالضباب و المستغرقة في البرد و الرطوبة معا...البشر هنا يحتفون بمأدبة الشمس.
كيف لا و هذا القرص الذهبي لا يرصع سماء لندن إلا لماما... تق.تق.تق.تق..انزلقت الحصاة من بين أناملي و راحت تحدث ذلك الصوت و هي تقفز على صفحة الماء الداكن.
طننننننننننننننننن...ارتعشت و أنا أتلقى ذلك التنبيه الصاخب. ساعة بيغبن المتسلقة أجواء السماء لتقبل أسراب السحاب تشير إلى السابعة بالضبط...بلى بالضبط...يجب أن يتعلم المرء الالتزام بالوقت بين ظهراني الانجليز أو كان مصيره الدفن حيا في مزبلة التاريخ أو الجلوس على قارعة الطريق لا يحفل به أحد ...يقولون إن ساعة بيغبن هذه تتأخر ثانية واحدة فقط كل عشرين حولا. يا للمعجزة؟؟.
الأبراج و العمارات و الجسور و الأنفاق و القطارات و المراكب تصنع مباهج لندن و كبرياءها..تطورت هذه البلاد إلى الأمام بآلاف السنوات الضوئية. شعرت على الفور أن صاحب الفضل يرقد هنا في قبر من القبور التي تكتظ بها لندن . أكيد هو يسمعني الآن و أنا أردد مقولته اللامعة " دعه يعمل دعه يمر" هو النابغة آدم اسميث ...انسلخت السنون التي أنفقتها في عاصمة الضباب ألتمس العلوم و كأنها البرق. لا يشعر المرء هنا بتعاقب الليل و النهار...أجل الاغتراب بغيض المذاق لكن لندن كفيلة بأن تتلقفك بين أحضانها و تغمرك من فيض محاسنها. أنا أمسك ظرفا كبيرا أحرص عليه كمن يحرص على جوهرة نادرة تم التقاطها من جوف المحيط...في ذلك الظرف الأصفر ترقد ثمرة السنين الخوالي. وثيقة سميكة من الكرتون مذهبة الإطار .. مكتوب عليها بلسان انجليزي فصيح – جامعة لندن تشهد أن السيد كمال نجم قد نال شهادة الدكتوراه بدرجة الشرف في الفيزياء النووية –
كانت الفرحة تفرخ وسط كل خلية من خلاياي. أخيرا أصبت الهدف و أخيرا سآوي إلى حضن أمي التي طال انتظارها...عفوا أقصد و طني القابع هناك في أقصى الجنوب...يحق للوطن العزيز أن يتذوق تلك الثمرة النائمة في هدوء وسط هذا الظرف الكبير. مرت ساعات و أنا أركب السماء...اعتصرني الألم و أنا أرمق لندن هناك في الأسفل تنزلق بعيدا إلى الوراء لتختفي بين أحضان البحر. و سرعان ما تسللت إلى أنفي رائحة أعرفها و تعرفني. رائحة لا يفكك شفرتها إلا من اكتوى بنار المهجر...رائحة التربة التي أنجبتني و أطعمتني و علمتني.
حطت الطائرة على أرض الوطن...لقاء الأهل و الأحبة أجمل هدية بل هي الولادة من جديد. مر الوقت سريعا و دخلت معركة البحث عن الوظيفة...حقا هي معركة حامية الوطيس كما يقول جهابذة الفصحى. في يوم مطير أقبل علي ساعي البريد يحمل رسالة...فتحتها بلطف و أمل. قرأتها بصوت متلعثم- يعين الأستاذ كمال نجم معلما في قسم الابتدائي بمدرسة المستقبل –
نوبة من الاستياء تعصف بي. مزقت الورقة على الفور و قد أظلمت الدنيا في وجهي. مكثت أياما منقطعا عن العالم الخارجي...في صباح غائم كنت في المطار. سألتني الموظفة –ما هو المطلوب يا سيدي؟-
أجبت الفتاة و أنا أدفع إليها المال و الوثائق- تذكرة إلى لندن لو سمحت -



