بالرغم من و قوفها على مشارف الخمسين ، الا ان الست مديحه لم تزل تتمتع بمسحات راسخة من الجمال .. فالوجه فيه استدارة و البشرة بيضاء صافية و العينان سوداوان و تحرص دائما ان يكون شعرها مصبوغا باللون الاشقر الغامق ، و لم يزل صدرها مكتنزا و يتوضع على هضبة ممتلئة لا نتنوء فيها .. و عجيزتها المكورة في التنورة الضيقة القصيرة تكشف عن افخاذ ملساء متناسقة ملفوفة بشكل دقيق .. تثير الفتنة في كل رجل يدقق النظر بذاك القوام الجميل .. و هي تحرص على الدوام ان تكون في غاية اناقة و تفوح منها على الدوام رائحة عطر سخي مميز .. و ترى في مشيتها كثير من حيوية و نشاط و دلال .. و لكن قبل ان تغادر البيت الى عملها استوقفتها المرآة على حين غرة فاخذت تقلب وجهها و
تتحسس جبينها و تطالع كثير من الخطوط على وجنتيها برغم طبقة المكياج الرقيقة الزاهية ، و كان سني عمرها الخمسون اصطفت امامها في عتاب ، تسائلها عن ورود الشباب التي بدأت بالذبول خلسة خلف ضباب العمر الضائع في مشاغل الحياة و قلقها الذي لا ينفك و لا ينبري ..
.. طرقت الباب خلفها بامتعاض و اسرعت كي تصل مبكرا الى مكان عملها حيث تعمل مديرة لاحدى المدارس منذ عشرون عاما ..
.. انها الحصة الاخيرة من برنامج الدوام المسائي .. اة كم هي قاسية و متعبة و كانها غيمة ثقيلة تحتبس في طياتها مزيدا من الخمول و الكسل الذي لا يشيع في النفوس غير الملل والاحباط ، جوع و عطش و تراخ يدب في الاوصال و جفاف ذو طعم مر يتحشرج في الحلوق و عقول التلاميذ تكاد تكون مغلقة .. عصية على الاستيعاب ، كما و انه هناك حاجة لحوحة لدى الكثيرين للذهاب الى دورات المياه .. ! اما المعلمات فقد بلغ بهن التعب مبلغه و تراخين على كراسيهن كانهن دجاجات نعسات اهترئت اصواتهن و تصدعت رؤوسهن من شرح الدروس .. اصبحت آذان الجميع لا تصغي لغير قرع الجرس .. و ما هي الا دقائق قليلة حتى اخذ التلاميذ يتدافعون بالخروج من حجرات الدرس كانهم اسراب جراد منتشر و راحوا يجتاجون الممرات و يملأون الساحات و هم يتقاطرون الى عربات الباعة المنتشرة عند اطراف المدرسة ..
.. جلبة و زعيق و صياح يغمر المكان ، و زاد من ذلك ابواق السيارات للازواج الذين باتوا بانتظار زوجاتهن بالخارج .. و المعلمات يتراكضن الى حجرة الادارة يجمعن اشياؤهن و يقلبّن وجوههن في المرايا الصغيرة و يمسحن قليلا من الروج على شفاههن و يعدلن من هندامهن ثم يغذون الخطى تلبية لنداء الازواج الذين دب فيهم الملل من طول انتظار و هم يلوحون للست مديحه باكفهم دونما استئذان !..
تتبدل قسمات الوجوه و تفتر عن ابتسامات وضيئة مرسومة بألوان الحب و الاشتياق و هن يلتقين بازواجهن و يندفع الابناء لاحتضان امهاتهم و تتبعثر القبلات على خدودهم ملتهبة و يتحركون في براءة و سعادة غامرة ..
و لم تزل الست مديحه تقف خلف زجاج النافذة ترقب كل المشاهد و الصور بحسرة كانها ذرات ملح سرعان ما تذوب في ثنايا الروح المتأسية على شباب يتمرغ في سنين الاهمال و الضياع ..!
و لم يمضي كثير وقت حتى تحولت المدرسة الى مقبرة موحشة تسكنها الاشباح و تجتاحها العزلة ، حتى بدأ غبار الحرمان يثور في نفسها العميقة .. و اسرعت امطار الحزن ترشح في شرايين قلبها النابض ، واخذ عقلها يغزل خيوط التساؤل بجد و اهمام فتقودها رغما عنها الى تحريك مصارع الشهوة و الدفيء بموقد ذاتها المتلظية .. اة ما احوجها اليوم الى رجل .. ؟ ! ما احوجها الى طفل جميل يرتمي باحضانها فتحنو عليه و تلثمه بحرارة مستفيضة بشفاهها المتعطشة الى الامومة النابحة في اقصى وجدانها الموحش .. ثم اشعلت سيجارة و راحت تعب منها و تنفث دخانها الكثيف بحسرة و تراقب تلاشيه على زجاج النافذة المغبش .. لقد خسرت اجمل ايام عمرها الرطيبة حين كانت بمثابة وردة في غاية التفتح و الجمال .. و الجميع يخطب ودها و يسعى الى رضاها .. و لكن ها هي الايام تتسحب بطيئا من فراش عمرها الوردي و تمتص اريجه و تتركه بلا مذاق .. كل شيء بداخلها يرتجف و اللسنة القهر و العذاب لم تزل تحاول التهام ما تبقى بهذا العمرمن اخضرار و تسكت نبضات ما فتأت من حين لاخر تدق في جنبات الروح المتألمة ..
.. لقد تبددت مشاعرها و انكسرت جميع الخواطر المؤلمة التي اجتاحت عقلها حين وقع بصرها عليه ، ثم اخذت تدقق النظر بكفيه الثخينتين و ذراعاه القاسيتين و صدره المشعث المكشوف و شارباه الكثين فوق وجهه الاسمر المستطيل ، و اكتشفت لاول مرة بانها تقف امام رجل في غاية الرجولة و الصلابة انه " حارس المدرسة " الذي لم توقره ذات يوم ، و لطالما نهرته و عزرته لامور في غاية التفاهة .. فبعد ان احكم اغلاق الصفوف .. ترجل الى الساحة و راح يكنس بهمة و نشاط و يرش الماء على التراب ، و يجمع اكوام النفايات باكياس محكمة ، و يسقي احواض النباتات .. ثم اخذت تبسم له باعجاب ! و ما ان صرخت عليه حتى خف اليها مسرعا ، مرتجفا ، طائعا و ملبيا ..
- نعم يا ست مديحه .. أ أمري ..
ترددت قليلا .. ثم اشاحت بوجهها عنه ، و استدارت الى النافاذة و بكلمات في غاية اللطف قالت :
- هل ترغب بنفنجال قهوه .. !!!
اخذ يتلفت حواليه و كان اذناه اخطأت السمع و عقله اخطأ الفهم و لم يعي جيدا ما تقول .. و لم تخطر على باله ذات يوم هكذا دعوه .. !!
حاضر .. ثواني سيكون فنجال القهوة جاهز .. !
- لا .. لا انا من سيصنع القهوة و انت من سيشربها !؟؟
وما ان اكملت عبارتها حتى تبدلت ملامحه و ارتفعت سياط الدهشة لتجلد قسمات وجهه الهاديء و ارتعش شارباه .. و جفت الكلمات في حلقه و تكسرت الحروف و تعرق جبينه و هو يردد لكن .. لكن .. لكن .. لا يجوز ؟
- اجلس و ما عليك ..
.. غابت ، و حين رجعت كانت مرتبكة .. و جاءت تمشي اليه على استحياء و اصابعها الجميلة تقبض على صينية القهوة بانتباه ..
.. كاد الرجل ان يدخل في اغماءة مفاجاة ، حين لفحته نسمة عبير هبت من ثنايا صدرها المندلق و هي تنحني اليه بالصينية يسبقها في ذلك صوت في غاية النعومة و الدفي قائلة :
تفضل .. اشرب القهوة .. معذرة لقد فاتني ان اسألك كيف تحبها !؟
و لم يكن يصدق عقله ، و بدا كمن يفتش عن مطرقة يدق بها راسه كي يصحو من حلم في غاية الاستحالة ..
.. تناول الفنجال باستكانة و استغراب و جميع فرائصه ترتجف .. و زاد في ذلك ان اشعلت له سيجارة من تبغها الفاخر .
.. و ما ان رفع فنجال القهوة الى فمه وبدأ يعب من سيجارته حتى تناثر رذاذه فوق شفتيه و اندلق على صدره حين اسشعر بكلمة سريعة وناعمة تدخل الى اذنية :
- هل توافق ان تتزوجني يا سيد صابر .. !؟



