بسم الله الرحمان الرحيم

أثرياء العرب وفسادهم في الطليان

يقول المفكر مالك بن نبي: "إن من عادة التاريخ ألاّ يلتفت للأمم التي تغط في نومها، وإنما يتركها لأحلامها التي تطربها حينا، وتزعجها حيناً آخر، تطربها إذ ترى في نومها أبطالها الخالدين وقد أدّوا رسالتهم، وتزعجها حينما تدخل صاغرة في سلطة جبّار عنيد".

ويقولون علماء النفس: "كي يتخلص الإنسان من القهر والكبت النفسي، أن يفرّغ غضبه ويتخلّص من حزنه بطريقة ما، كأن يضحك مما يزعجه ليحافظ على توازنه النفسي، أو يبكي ليتخلّص من الشحنات السلبية التي تتولّد من أثر الحوادث المؤلمة التي تصيبه، أو حتى يتصور نفسه أنّه يسب ويضرب من أساء إليه لكي لا يكبت مشاعر الأسى الشديد فتسبّب له عقدة نفسية تجاه شيء أو شخص ما".

فمرّة نضحك من القهر على حال بعض أبناء العرب الذين سكتوا دهراً على جميع الإنتهاكات اللا إنسانية، والتجاوزات اللا أخلاقية المبثوثة فضائياً والمخترِقة لثقافتنا وشبابنا، والناسخة لقيمنا ومبادئنا، والماسخة لصورتنا، والمزوِّرة لتاريخنا، ومرة نبكي على حال الأمة المتصدع من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال، والتفسخ الموجود، والإختراقات الهمجية، والصراعات العائلية التي تنهش في جسدها.

لن أنسى البتة تلك الفترة من التسعينات، وفي قلب العاصمة الإيطالية روما، تلك المواكب الجرارة من السياح العرب، وكان نهج "فينتو" مزينا بأبهى حلله، وأنواره، ونـَوَرِيّاتِه الجميلات، وكان مقصداً للأعراب، الذي كانوا يدخلون مقاهيه ونزله ومطاعمه بسلام، واطمئنان، أفواجاً، وزرافات، ووحدانا. وكان يعج دوماً بالعشرات منهم، وهم يتمايلون طرباً، وفسقاً، على جدائل الفتيات المتراقصات، المائلات المميلات، وهنّ يستقبلن وابلاً، وزخات متتابعة من النقود، تعبيراً عن الهيجان، والرغبة الجامحة في الإقتحام، ورمزاً لاتحاد قوى الشعب الغافل النعسان. تلك المبالغ الخيالية التي تصرف في اللهو، التي كانت تعتبر عند كثيرا من الأيطاليين أنفسهم مبالغ خرافيةً، وحلماً أسطورياً بالنسبة للمواطن العربي المهاجر المشحّر، من أمثال حضرتنا، وبكل تواضع من حملة وأصحاب الملاليم، والقروش، وأرباع الليرات.

وعلى ضفاف أخرى، وبنفس المفارقات، والسياقات الجائرة، كنت ترى أعرابياً بلباسه البدوي الكامل، (أي الدشداشة والغترة والعقال، أعزكم جميعاً العزيز الجبار) في مضاربه بقلب الصحراء، وعليه مسحة التعبد والزهد والوقار، وهو يحضر مثلاً مراسم افتتاح مسجد في أحدى مدن الملح، محاطاً بمجموعة من الذكور المتجهمين الملتحين، وعليهم مظاهر المشيخة والتنسك والورع والإيمان، وهم يسبّحون بحمده بكرة وأصيلاً. ومن ثم ترى نفس الشخص وبطاقمه البشري الفذ بالذات، ببدلة موقعة "فالينتيني" أو "قوتشي" أو غيرها من العلامات الإيطالية الكبيرة، وبحذاء فاخر من جلد التمساح، وهو خارج يترنح من أحد الملاهي، أو دور القمار في مدن فرنسا أو سويسر، وتتدلى من معصمه سلسلة ذهبية، ويرطن بإبهام، وليس نتيجة لذكر الله بالطبع، محاطاً بكوكبة من الفاتنات الشقراوات، اللواتي يَسِلـْن أشياءً كثيرة غير اللعاب لشديد الأسف. هذه هي الصورة النمطية، التي ارتسمت في أذهان الناس هنا، عن سلوك معظم الأعراب، من أصحاب الثروات، كرموز للتسيب وتبذير الأموال، وللفسق والمجون والانحلال. وكم هي الإنتقادات اللاذعة التي تابعناها في مسلسلات إيطالية، أو صحافة محلية، عن الإزدواجية الصارخة المتناقضة في السلوك الذي يمارسه هؤلاء، ولاسيما بعد أن يركبوا الطائرات، فارين من ضغط القمع الفكري، ونمط الحياة الممل والقاتل الذي يكابدونه في بلدانهم بالذات، حتى أن أحد الإيطالين أخبرني كيف أن زوجة أحد العرب نزعت عباءة الحزن حسب الراوي ولبست كل ماهو قصير دون أن تنسى إشعال سيجارتها، ومد رجليها بمجرد أن أقلعت الطائرة من أحد مطارات الدول العربية.

غير أن ثروة العربان السائبة والمستباحة، قد ذهبت في الإتجاهات الخاطئة عند قبائل الأعراب المتصارعة، والمشغولة بالثروة والنساء، وتصفية الخصوم والتربع على العروش والبلاطات، واتسمت بالشخصنة والفردية والإستحواذ. وكانت أبهى روائعهم وقمة إبداعاتهم، ومن المال العام والمنهوب، هي "اليختات" الراسية هنا وهناك في عدة ميناءات من أيطاليا وغيرها، لا يدخلها إلا "أنطونيو" أو "فالاريا" أو أي مخلوق غير العربي.. وقنوات الرذيلة والخلاعة والفجور، والرقص والشخلعة، بمناسبة وبدون مناسبة، والإستثمار فندقياً، وشراء المشاريع التجارية والأبنية البرجية، والإستثمارات السياحية والخدمية هنا وهناك، ومما يترفع هذا المقام عن ذكره. والأهم، محاولاتهم الحثيثة لإفراغ الإنسان من أية مبادئ معنوية وأخلاقية، ومحتوى قيمي ما، تمهيداً لتصفيته كلياً على الصعيد الشخصي، وتسليمه كلقمة سائغة، لقوى الشر والعدوان.

مصائبنا كثيرة، وانحدار الأخلاق موجود في كافة المجالات، وفساد الطبع واستفحال معدلات التبذير والإنحطاط أطر للوحات، تزين رصيف شوارعنا التي ما عادت تستوعب آخر أنواع السيارات، التي يركبها الشباب برفقة "السلع الرخيصة"، أو بالعربي الفصيح من كانت على علاقة متقدمة من الحب، وأشياء أخرى مع شاب مدلل، وتنحدر الأخلاق ويصبح جسد الأنثى سلعة كباقي السلع، مع اختلاف في تدني الأسعار، وتبقى السلع في ارتفاع، أسعار ترتفع، شعوب فقيرة تسوى بالأرض، أطفال يموتون لإدمانهم على الطعام، وأطفال بعمر الزهور لا يجدون نقطة ماء يتلذذون بها، والسبب واحد هو المال، والسبب واحد هو الجشع، والسبب واحد هو الطمع، والسبب واحد هو حب الخلود الدنيوي، وتحتدم المصالح العالمية، وتدور رحى الطحين لتنسف كثيرا من أبرياء العالم، ونبقى نحن، نكتب ونخطب ونشجب.. ونكتب ونخطب ونشجب.. ويدور كأس الألم بيد القدر، يلوح بها تهكم الزمان، ويجرعها قاسية لهم أولئك الأطفال.. أولائك الأطفال الوحيدين الذين يريدون معرفتنا، ويتساءلون: ماذا هناك خلف الأسوار؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

إن الخسارة الأخلاقية الفادحة، والسقوط المعنوي المريع، الذي مُني بهما الأعراب، وكتبتهم، وغلمانهم الصغار، في العقدين الأخيرين، تعادل أو ربما تفوت الفترة الزمنية التي سبقتها، رغم أن الأولى أطول من حيث المسافة الزمنية.

دعونا لا نذهب بعيدا عن الأخلاق وانحدارها ماذا نجد؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

نجد أمثلة والأمثلة عندي كثيرة لنتناول بعضها!

تجد كثير منهم إذا جاء إلى هاته البلاد ويطلب منك أن ترافقه مدة إقامته أو جزء منها، تتخاصم معه في النهاية لأنه لم يعطيك أجرتك كاملة بعلة أن العربي قنوع، والإيطالي الأشقر يؤخذها كاملة مع منحة عائلية، أو مثلا لايشتري منك بضاعة بالثمن الذي حددته له إذا كنت تاجرا، وفي المقابل إذا أنت أعطيت نفس البضاعة إلى "أنطونيو" وضاعف سعرها فتأكد أنه سيشتريها الأعرابي، لأن بضاعة "أنطونيو" أفضل من بضاعتك!!. أو ترى بعض الممثلات أو الراقصات هنا في إيطاليا، تتفاخر بأنها استطاعت أن تسلب أحد الأعراب "يخته"، مقابل الأضطجاع معه ليلة، وهي به ساخرة، وعليه ضاحكة، وأنا متأكد أنّ ماحصلت عليه هو من مكرمات الأعراب المعروفة المصادر والإتجاهات، والتي ستذهب في النهاية، إلى المجاري، وبراميل الزبالة والحاويات. أو الأخرى التي استطاعت أن تكسب قلب الأعرابي المتوحش حسب اعترافاتها ويهديها إحدى الأحجار الكريمة التي لا تقدر بثمن.

وإذا كان ما يؤخذ على العرب من العرب أنفسهم قبل غيرهم، أنهم يبذرون ويفسدون أموالا كثيرة، فلماذا لا يقدمون المساعدات العاجلة، لمكافحة الجوع والفقر، والبطالة، وانتشار الأمية والأمراض، ويدعمون حماس وحزب الله لتحرير المقدسات؟ على أقل تقدير يتساءل أحدهم، أم أن سياسات اللعب على الحبال المكشوفة، حتى لـلمصاريع والهبلان، ستستمر لآخر الزمان؟

دولنا التي تولى مقاليدها عجائز الأعراب، في آخر القائمة من حيث البحث العلمي، إذا قارنها بجارتنا إيران، ولم نذهب بعيدا. إيران تحتل المرتبة الأولى في المسابقات العلمية الخاصة بالاختراعات في سويسرا، وقد أحرزت 17 ميدالية ذهبية، و36 فضية، و17 برونزية، و11 جائزة خاصة في المسابقات التي شارك فيها ألف مخترع من أربعين دولة في العالم. نجحت في تطوير كمبيوتر سريع وقوي، شفرته صعبة الاختراق، ويقوم بمليار عملية في الثانية، وعلماء نوويّون إيرانيون توصّلوا إلى أسلوب جديد في الحسابات، يمكن استخدامه في جيل جديد من المفاعلات.

"إن القضايا الوطنية العادلة، ومناصرة الحق والضعفاء، لا يمكن أن تبنى إلا بأموال نظيفة، طاهرة مطهرة لا تشوبها الموبقات" يجيبني أحد أساتذتي.

الأعراب القادمون إلى هنا يتفاخرون بإنفاقهم، وبإسرافهم، وتبطّرهم بولائمهم طيلة مدة إقامتهم في إيطاليا، وبمشترياتهم من غالي سلِع وفواخر ثياب، يتباهون بغلاء أقلامهم وعطورهم، وبأماكن التسوق التي يرتادونها ويتبضّعون منها، وشربهم فيها "كابوتشينو" بخمسة عشر أورو، ومليار إنسان بالعالم يعيشون بنصف أورو يوميّاً. ففي عالم مختنقٍ بأزمة غذاء وشحّة ماء، وأزمة أخلاق أيضاً، تجد خفافيشنا مُنشغلين بمظاهر البهرجة والإسراف، ينفخون شخصيّتهم كالكرات، فتتضخّم لتسدّ أعينهم عن استبصار شيء خارج ذواتهم، تجدهم يتلاعبون بأطراف بدلاتهم الموقعة الراقية، والمائلة في نفس الوقت، لأنهم غير متعودين على لبسها، وخيالٌ يُداعبهم عن ارتسام صورتهم بأحداق الشاخصين لهم: "إيه ماذا قالوا عنّي؟ هل أبهرتُهم؟ هل أفحمتهم؟ هل أسرتُهم؟".. اهتماماتهم تدور بهم كثور الطاحونة حول ذواتهم أكلاً واستمتاعا، وأحاديث وانتجاعاً، وسطوة وحذلقة، يُسخّرون الناس – مشاهدين، ومستمعين، وأتباعاً - لخدمة ذواتهم، بدل أن يُرخصوا أنفسهم لخدمة الآخرين ولتقليص آلامهم وتعظيم آمالهم.

فتحي العابد

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.