انتفاضة وهم..

 

انبثقت من ملامح الضباب, وهميّته..كان كما وصفه لي,سامق القامة, ممتليء بهالة تحيطه, يخلقها نور الكون حوله, وبقدم واحدة وعكاز!..

أطلّ, من الضفة المقابلة للمقهى, الذي يجالسني كاملا, في رائحة قهوة, وكؤوس من النبيذ, تتضارب مع بعضها البعض على بعد طاولتين منّي, يتحلق حولها, مجموعة من المثقفين, يتناوبون على إطلاق ضحكات عشوائية التوقيت والكيفية, وتتعالى أصواتهم بخلاف واضح حول دور التكنولوجيا الحديثة في إيصال الأدب العربي للعالم!..

كنت أتابع بشغف سمعي, حوارهم, وتروقني مصطلحات قوية كالتي تتحدث عن الأمواج الكهروفكرية التي تنطلق عبر الشاشات, ثم انتقالهم لمصطلح التخاطر الروحي, عبر ثقب الكلمة الناطقة!..

وتسترق عيناي من الافق البعيد, أخيلة المارة, أقرأهم سطرا سطرا..

قاماتهم, شعورهم التي, تخرج من فم الضباب, مغسولة بالبياض, والشيب!,,

أبحث عنه, أذكره, تفصيلا, كما ذكر لي و رأيته, القامة الشاهقة, الشعر الذي, سلبته الحياة لونه الفاحم, وأحالته مزيجا من رمادي واسود, وظل يكرر, لن تجدي أحدا يشبهني كثيرا في الشارع الفرنسي, بعكاز!..

المقهى, يمتد حتى نهاية الشارع, واشعر به, يفتنني بنهاية ما, ربما ساحتسيها لحظة, اقابله, بعد خمس سنين من اللقاءات المتكررة, والمجنونة.. الحوارات اللاهبة و المتناقضة, الغياب المتكرر, المتعمد, وربما الخاضع لتقادير لا وزن لها!..

هي هكذا, علاقتنا ما وراء الشاشة المسطحة, تغافلنا على إثر , إغماءة, بيقظة مريبة!, تتوجس لها مشاعرنا..

كان فيّ, يحيا منذ ما قبل وجودي, شاعر ينتفض في حرفه, حسّي..أتذوقه بشغف, ألعق ما تبقى من حروفه من على شفة الأسطر, أبتلعها بسرعة خوف ان تضيع, ألوكها ببطأ كي أتحسسها اكثر!..

فيه حرف, من الجاهلية, وآخر من عصر لم يأتِ بعد..وذهولي, أراد أن يعتلي كل الحواجز, أن يبدأ من الـما قبل الصفر, لأعرفه عن كثب!..

زارني اول مرة في لقاء صحفي, أجرته معه إحدى المجلات العربية, وكنت اتابع بشغف أي نقطة تسقط من قطّارة الأدب العربي, الذي رغم كثافته, صار يميل الى الاندثار!..

احترقت بصرامته..

قال الكثير عن الروح, والحياة التي تأتي على طرق متقاطعة, بين الحياة والموت, وتحدثّ بلا نهاية عن حانات من الأرواح, تثمل بالحرف!..

صرت شغوفة بمتابعة اخباره, الى ان هطل إبداعه, كتابا, أكثر من سماوي!..

كان يتمدد على اريكة الصفحات, يداعب بأنامله, فتيات القصائد, يدغدغهن, برونق ابتسامة, دمعة, وربما نظرة قاتلة!..

وتصلني همهماته, يلقى أبياتا حرّة من قصيدة, تمسني جدا..

حين تحدّث عن فتاته," خلف القمر..في غيمة على شكل لبؤة!.."

المقهى يضج بالناس, أقدام تتخبط في كل مكان, نداءات بلغات عديدة, لا افهم معظمها..أشعر بالغربة تلوكني وأضمحل لحظة, يتلاشى النداء العربي بين فتاة أخالها تونسية, وعشيقها الجزائري!..

الأضواء, تمتد من القرن السابق, بعفويتها, وأثريتها, حتى آخر نمط حديث..يشعرني مكان لقائنا الاول هذا, بالفوضى التي كانت تسكننا دوما, وجودا ومشاعرَ!..

يرتديني الضجر, اخاف أن تتكاثف عليّ سوداويات العصور, يمزقن شعري الذي حرصت على ان يبقى كما هو دون أيّ تجميل, كي أكون كما وصفني ذات مرة, إثر ضحكة صوتية عابرة تأرجحت بين شفتي, مرة..

" كما, من باطن الأرض , أتت "..واستطرد.." روعة العفوية"..

تتركني الذكرى, ويمتد بي وجع الحاضر, اللحظة القادمة التي ستجعلني بين يدي الانسان الذي بحثت عنه, نفسَا نفسَا!..

كتابه الأول, المهدى الي كل من يقرأوه, وانا من اكثرهم شغفا به, كان يتدثر بكافة عناوينه..

بريده الالكتروني, وهاتفه النقال, والثابت, وصندوق بريده..

أصابني وهن الوهم, وقتها..صرت أحلم بصوته يأتيني رقميا, خارج حدود تحملي..

أشعر بيدي ترتجف لحظة, أخط له بريدا, يتجاوز ربما كل ما كتبه التاريخ من عفوية شوق, وأمسح كل ما ورد فيه بلحظة, مزدوجة مع دمعة!..

بقيت على حال جنوني هذا الى أن, عثرت عليّ صديقتي, بين دفاتري, ألهج به, وأصيح بحبه..

صديقة عمري, ريم, تفهمتني جدا, قالت أنّ عليّ المضي بإعجابي, ضحكت بمرارة, واخبرتها أنّ ما بي من وله, عجزت جولييت أن تجاريه!..

ريم, تيك الفتاة التي تكبرني بعام, و تقتني زجاجة فيها فتات من روحها كما تقول, خصلة شعر لحبيبها الذي باغته الموت, حاقدا, ودسّ له القبر في الصورة الاخيرة التي التقطها غاويا لفن التصوير!.. فمات خوفا من مرض آخر,صورة اخرى!..

 

قالت لي, أن الحب لحظة يغزونا, يعلن عن نصرنا على الحياة, لا نصره علينا!..وانّ ارتشافه ببطأ واهمال يحيله صقيعا, لا يستجيب للحرارات العابرة..

أخبرتني, أن أستجيب لكل الصخب العقلي الذي , يحيلني كتلة من عواطف, تبحث عنه..

وتجرأت اخيرا.. كتبتني إليه, حروف بالغة الدقة, كما لم أعتدها, وصفتني له, حافة حافة, شكلا هندسيا, حقيقيا, يحيا بنفس منه!..

طرت اليه عبر مدرجه, عانقته في حرف لاهب, خفت منه, تارة وأقنعني قلبي به تارات كثيرة..

كانت الشاشة تعني لي, اكثر من سطوة شهوة!, صارت تمثل التهابي به!.

انتظرته أياما, عشت حالة من الانفصام الذهني المتأجج, صرت أقتسم الدمعة, بين عين حزينة, و فم مبتسم, وامي التي لم تفهمني يوما, وما كلفّت نفسها عناء, النظر اليّ, كانت تخاطبني مستنفرة من همجية حياتي!..

تقول: تقراين وتكتبين, كأن الروح من قلم..

وما عرفَت, ان الروح منك, وفيك, واليك..

أمي التي, غافلتني ذات جنون, ورشقتني بنظرة شعواء, اشعلت حربا في البيت, عاونها فيه جندنا المتطوع, أخي و ابن عمي, متهمين اياي, بالتحدث للغرباء!..

كنت فقط, انتظر منكَ ردّا..

صادرت مشاعري, في هجرة قسرية من على أرضها, الى باطن وجودي الآخر!..

صرت احاورك, وأقتات فيكَ, وحدي..

قبل أن تردّ حرفي اليّ خائبا, او مستعرا بإعجاب كما كنت اريد, رأيت صورتك في إحدى المجلات العربية, معنونة بـباحث عن زقاق للموت..

كانت بخلفية سوداء, وكبريائك الصارم, وسعادتي!..

إصدارك الجديد, الذي خلق قبل ان أهنأك, بالأول!..أتبحث عن زقاق الموت, يا رجلا للحياة, والفرح!..

عذرت تأخرك, قلت لا بدّ انشغل مرة أخرى بمداعبة قصائده, وهرعت الى المكتبات, أسألهم إياكَ, وجدتك, لوحة اسطورية, اكثر من صارخة, وحروفا باكية!.

عشتك حتى ما وراء سطرك!..نمت على حكاية جنيّة, سردتها انت, شعرا عميقا لفراق!..

توّجستك محبا!..

قلت وما العيب!, شاب في الثالثة والثلاثين من عمره, يستوطنه الإبداع, ويقطن باريس أرض الإغراء الأنثوي الكامن في صرعة رائحة!..

أبكتني معرفتي!, لحظة, ندرك أن لقائنا بالطرف المقابل لنا, الساكن فينا في وقت متأخر من ليل الحياة, نقشعر!..تداخلنا وساوس شهوانية, واخرى نابضة بالعاطفية الفاضحة, وتوجس مريب من إمكانية نزعنا من هذا اللقاء, الذي يحنطنا فيه اكثر كلما توغل في الوقت الذي لم ياتِ بعد!

مضت خمس دقائق على موعدنا, ولم يأتِ, الضباب لا يزال يتفنن برسم أشكال عابرة, لحقيقة القادمين منه, نحو المقهى, متعبين, بحب, او لقاء, او شعور يدعوهم لثمالة حدّ فقدان الوعي هنا!..

أتطلع الى علبة الدواء في حقيبتي, منوم, أستعملته, لحظة ارقنّي على مدى زمني متسع المساحة, ولهي بك..

جلبتها معي مزمعة الانهيار كليا في وحل الموت, الطوعي اذا لم أرك تقبلني بنظراتك..

منحلة , أنا الآن من كل مواثيق الحياة, والتفكير السليم!..

لا أزال أذكر قبلتي الاولى لكَ, حين فاقت شفاهي شاشة العرض الحاسوبية المزروعة امامي حاجزا بيني وبين ردّك الأول عليّ..

"عزيزتي.."

أتدري ما صنعت بي جدليتك الاولى, أحالتني كوكبا من ضياء, كما لم تفعل من قبل بكل المجموعة الشمسية, افتتنت بَك اكثر!..

أرتديت بريدك, على صفحات أحتفظ بها, تعويذة لا تفارقني, أقرأها صباحا, وانام على لحنها الصوفي ليلا..

أرد عليك بتوعك, يستميلك كما تخبرني لاحقا!..

تنقلب صورتي السوداوية في بيت, غاب عنه والدي ففقدت بعده, طعم الحرية والشهقات المدللة في حضنه, تاركا لي أما, تبحث عن مثالية, تضع لها موازينا أقرب الى الدولة الحمدانية ,هناك, حيث يمكن لكل الآمال الخائبة, ان تتجشأ الموت مرات عديدة!.

أفكر بعقدة ألكترا,أدرك انكَ والدي, إذ لحظة عرفتك, حييت, ومن صلب إبداعك ولدت, فتاة غضة الدمع يانعة الابتسامة, تداعبها بأناملك, فتفتضح كل الجنون الذي يحوي صدرها, وتتنفس بك..

وأنكَ صرت عبر الوهم, حقيقتي الوحيدة, وقوس قزح, الذي رممّ سوادي بألوانه الزاهية!..

استفقت على إطلالة عكازك, من آخر الشارع!, وقفت بذهول يخالجه, شعور متضارب الهوية, معدوم الاستقرار!..

كنت أنت!..

تعودني حوارا, سلسلة من أسماء مستعارة, احتفظ بلبؤة منها, وتحتفظ, بباحث عن زقاق الموت, تحيلها لحياة, لحظة اضجر من اشمئزازك, فتقول حبي بيتا, أنت صدره, وأنا شطره, ارده لك, منثورة عابرة, من ورد امتزاجي بك, وتلعثم حبك!..

ونتابع حتى ساعة متأخرة من الوجود, نتقابل في مركبة من العصر الجليدي, ننتقل بعدها على بساط, لسندباد عربي, نقطف وردة من حديقة باريسية, تزورني, على يختك المحفوف بك, حيث اقطن في الجزائر, وعلى شفة انغماسي بك..

نظل هكذا, الى حين تجتر ألمك القديم, بموت ما, فألكزك بدلال, وتداعب أذني, تهمس بها, بأنك فقط, بي تغدو افضل!..

أقلب أرقام الجوال عندي, رقمك الصادر والوارد, الاول, أبعثني إليك, ومضة حب, فتعيدني, حورية الى بحر أكثر من شفاف يا نرسيسي الوجود!..

في لحظة, موتي المؤقت, تراودني حلما, أكشف لك نفسي عارية جدا, حتى من الخجل, تلثمني بكلمة, اشتعل اكثر, نرقص معا على بحر من نار!..

ويظل البعد, ينزف فينا, ترجوني قدوما اليك, وأرجوك عذرا..وتعتذر مني , محبطا وكعادتك, بمنعك الدائم من ولوج موطنك ليبيا, بتهم كثيرة, تتعلق بشعرك الثوري, والمناضل!.

أتبادل وصورتك, قبلة ما قبل النوم!..

تقف الآن امامي, لحما ودما!..كيف لي أن أصدق حقيقة لقائنا!..

كيف يمكن أن أنسى الثقب الذي تركه شهر غيابنا عن بعضنا, إثر مشادة عاطفية, طلبت فيها منك منحة حب, فوهبتني احتياطي الحزن الذي خزنته في خلاياك العقلية!..

لم احتمل جنون بعدك, طننتك, ستغافلني, بخيانة جريئة, تقتص مني بها!..

ولا ينقصكَ, سوى أمر, لتتراشق الفتيات, فراشات حول زهرتك التي لا تنضب أريجا!..

جئت هنا, محملة بهواجسي, وحبي الذي يزداد كلما ابتعدنا اكثر, وحجة دراستي, ولم يعلموا بعد, انك, مدرسة لكل الفنون, والعلوم والآداب, حتى الأساطير!..

جئت أتتلمذ على يديك, تقلبني كيفما تشاء, ندوس معا سلما, من الهبوط الذي يصعده المجتمع, رافضا ايانا!..

تقترب مني, تعرفني كما تدّعي من نور ابتسامتي, وما اظنني كنت ابتسم لحظة, وصلت!..

متأكدة أنني كنت أنزف دما!..أخاف أن تأتي محملا, بمسبحة ذنوبي, تعدها واحدة واحدة, وتبتهل بعقاب تارة وبعفو أخرى, وأخضع لشفاعتك, وجبروتك!..

تمدّ يدك لي مسلما, تبتسم عيناك, أجن, احتفظ بيدي على الطاولة, يتعمد القدر احباط سريتنا, بتحريك يد مرتجفة مني, تتلعثم بكأس الماء و تطيحه هشيما.. ليفزع كل من في المقهى, على صوت تحطمه, الخيالي الذي كأنما صرخ بهم, أنني بك, مرتبكة ومولعة!..

أمتشق نظرتك, اصل من خلالها الى قلبك, اشعر به يهتز, تقول بصوت منخفض:

-         كما اردتك..

أسرّ لتعبيرك, أدس يدي بين يديك, حرارتك, تتوغل في جسدي كله, أنبض حتى خلاياي الميتة!..

تحاذيني, معتذرا عن ما تسميه تعطل وظيفي بقدمك الاخرى التي حكم عليها حادث سير في طفولتك, ان تعيش فيك, خائنة لك!..

تذهلني اكثر من صورك, فيك جمال لم اره من قبل!..

صوتك, أجمل من الكذبات التي جائتني عبر الأثير!.. همس, رائع حدّ الاثارة..

ونظرة الحزن التي تسكنك, بطبيعة الحال, لحادث طفولتك, الذي اودى بأمك, وتركك وحيدا, مصابا بأمراض فقد مزمنة, وقدم واحدة!..

وغربتك التي صرت تكتبها على جسدي, تقول دعيني اهبك, حزني!..

حزنك, جذّاب!..

تنادي على النادل, تهمس لي أأثمل بك, ام بكأس نبيذ..

ابتسم لحضنك..ونغيب معا!..حقيقة من بعد وهم مضن!

 

 

انتهى..