المعتوه الذي لم يقتل رئيس المصنع ... قصة الطاهر كردلاس في البهو الفسيح ، تمرغ المعتوه .. تطاير الزبد من فيه .. صاح بأعلى صوته .. ثم شخر و نخر .. لم يكتف بالشخير والنخير .. بل ضرب رأسه بالحائط المقابل تماما لمكتب رئيس المصنع .. حتى تطاير الدم وانفجر.. كل من رآه في هذه الحالة الهستيرية ، تحير وانبهر.. أيملك الإنسان كل هذه الطاقة من الجنون ؟؟ ما مصدر هذا الصراخ الذي غطى على ضجيج الآلات الذي يصم الآذان؟؟ من أين انبجس هذا الزبد المتطاير ؟؟ أين كانت تكمن هذه الكمية الهائلة من الدم المتشرشر من جمجمة هذا المعتوه المرتعش ؟؟ .. تساؤلات شتى محيرة ، فاهت بها ألسن المشاهدين المشدوهين المندهشين…ياله من منظر مقزز تشمئز منه النفوس !! ازداد الصراخ ، والعرق ، والزبد، والدم .. وامتلأ الحائط باللون الأحمر القاني … لم يجرؤ أحد على الاقتراب .. زاغت الأعين ، وبلغت القلوب الحناجر.. ترى ما الدافع لهذا الفعل الجنوني الذي تتفطر له القلوب ؟؟ بعضهم أرجع أسباب ذلك إلى ظروفه المادية المزرية .. وبعضهم أول ذلك بتحليل نفسي حسب ما تلقاه من معلومات بسيطة في هذا المجال .. وبعضهم أكد أن مشاجرات يومية تحصل بينه وبين زوجته ، مستشهدا بالخدشات والندوب المسطرة على وجهه ... وبعضهم صرح بأن المرمي على الأرض كان يعاني في صباه عقدا نفسية ، فتنتابه بين اللحظات والأخرى هلوسات متقطعة .. وبعضهم بسمل وحوقل ضاربا كفا بكف.. ولكن لا أحد استطاع أن يجرؤ على الاقتراب .. هرع بعضهم إلى الرئيس لمناداته كي ينقد الموفق .. الرئيس كان يمسك بالسماعة .. غارقا في محادثاته الهاتفية .. صفقاته ومشاريعه لا تنتهي .. بالكاد كاد يخرج من المكتب .. وضع السماعة ببطء.. تثاقل في مشيته .. اتجه نحو المعتوه .. أفسح العمال والموظفون المتحلقون نحو الجثة المرتعشة المجال للرئيس .. قطب الرئيس لمنظر هذا المعتوه الذي يركل بيديه ورجليه ، كأنه كبش مذبوح .. أخرج هاتفه المحمول .. ركب أرقاما .. ثم طلب من اثنين من العمال حمله إلى المخزن.. ثم أمرهم ألا يفعلوا تجاهه أي شيء إلى حين وصول سيارة الإسعاف… وعاد إلى مكتبه والتقطيبة لا تفارق محياه .. لما اقترب أحد العمال من المعتوه لإسناده، أمسك هذا الأخير بخناقه بيدين من حديد .. حاول العامل فك اليدين المتيبستين .. ولكن لاجدوى .. وبسرعة لا تصدق ، وفي أقل من لمح البصر ، وأمام اندهاش الجميع الذين تسمروا في أماكنهم دون حراك ، نط المعتوه من مكانه بخفة لا تصدق. وأضحى جاثما على صدر العامل المسكين، الذي خارت قواه .. وتراخت يداه بفعل الضغط والخنق .. وأمام تزايد تجمُُدِ المتحلقين وتسمٌرهم ، جحظت عينا العامل .. وبدأ في الشخير والنخير.. تطاير الزبد من فم العامل .. ثم شهق شهقة ، ارتعدت لها فرائص الحاضرين ... ثم وقع في طرفة عين ما لم يقع في الحسبان .. تطاير الدم من عيني العامل المخنوق .. فكان هذا علامة على الموت المحتوم .. سمع الجميع قهقهة اهتزت لها أركان المكان ... تلتها صيحة .. سمعوا كلاما مدويا كأنه صادر من بوق .. قال المعتوه والزبد يتناثر على أوجه الحاضرين : الآن أنا راض عن نفسي .. ها ها هاها.. انتقمت لشرفي .. قتلت الرئيس الملعون .. ها ها هاها.. لقد أكل رزقي .. حرمني من أجرتي الشهرية ثلاثة أشهر على التوالي الكلب .. القذر .. نال جزاءه .. كنت أنوي أن اشرب من دمه ... وفي قمة الهيجان ، وفي ذروة الجنون ، وفي خضم الصراخ والقهقهة ، ظهر رئيس المصنع جامد القسمات .. فارع الطول .. يسير بخطى ثابتة متجها نحو المعتوه .. ثم رفع يده إلى أعلى .. بدأ في الصفع والركل والسب والشتم .. أتتطاول على أسيادك أيها الكلب الأجرب .. أيها المجرم الحقير.. ستنال جزاءك .. وستندحر إلى الأبد في غيابات السجن .. السجن لأمثال أمثالك .. ثم متوجها للعمال قائلا بنبرة صارمة : خذوا هذا المجرم وشدوا وثاقه .. مالكم ساهمون .. مذعورون .. أين شهامتكم ؟ يا أشباه الرجال .. لو تدخلتم منذ البداية ما وقع الذي وقع .. هيا أسرعوا .. حصل كل هذا بسرعة البرق، والمعتوه لم يستطع أن ينبس ببنت شفة .. طأطأ رأسه من شدة المفاجأة .. أيعقل أن يبقى الرئيس حيا وقد خنقه بيديه !! من هذا الجاثم بين يديه .. حملق في الجثة .. فرك عينيه.. ولكن غبشا وضبابا كثيفا غشي العينين .. أحس وهو راكب في سيارة الأمن بوخز القيود.. كز على أسنانه من الغيظ .. ثم تساءل بكمد : لماذا يقسو القدر دائما على أمثالنا؟