حين يُذكر اسم الطاهر وطار في أي مجلس أدبي جزائري أو عربي، فإن الذاكرة لا تستحضر روائيًا وحسب، بل تستحضر مؤسسة كاملة من الكتابة والموقف والانحياز. فقد كان وطار، الذي رحل عن عالمنا في صيف عام 2010 بعد مسيرة امتدت أكثر من نصف قرن، واحدًا من القلائل الذين نجحوا في أن يجعلوا من الرواية المكتوبة بالعربية في الجزائر فنًا ناضجًا له قواعده وأسئلته الخاصة، بعد أن كانت الساحة الأدبية الجزائرية في العقود الأولى من الاستقلال محكومة إلى حد بعيد بحضور الكتابة الفرنكوفونية. لم يكن وطار مجرد راوٍ لأحداث بلاده، بل كان صانع لغة سردية جديدة استلهمت التراث الشعبي والصوفي، وامتزجت بالواقعية الاشتراكية، وانحازت في الوقت نفسه إلى قضايا الإنسان الجزائري البسيط في لحظات التحول الكبرى: الثورة، والاستقلال، والبناء، والانكسار. وهذا المقال محاولة لقراءة هذه السيرة الحافلة، لا بوصفها تسلسلًا من المحطات، بل بوصفها أثرًا لا يزال يتفاعل في المشهد الروائي الجزائري والعربي إلى اليوم. فالحديث عن الطاهر وطار لا ينفصل عن الحديث عن سؤال أكبر يخص علاقة الأدب بالسلطة وبالتاريخ وبالتراث في بلد خرج للتو من استعمار طويل، وكان عليه أن يعيد اختراع أدواته الثقافية من الصفر تقريبًا. وفي هذا السياق بالذات، تكتسب تجربة وطار قيمتها المضاعفة، إذ لم يكن مجرد شاهد على هذه اللحظة التاريخية، بل كان أحد صانعي أدواتها التعبيرية.

النشأة والتكوين

ولد الطاهر وطار عام 1936 في منطقة ريفية من شرق الجزائر، في بيئة فلاحية بسيطة شكلت لاحقًا خزانًا من الصور والرموز والحكايات الشعبية التي سيستدعيها في أعماله الروائية. نشأ الطفل وطار في أسرة محافظة، وتلقى تعليمه الأول في الكتاتيب القرآنية قبل أن ينتقل إلى الزيتونة بتونس لمواصلة دراسته الشرعية واللغوية، وهي المحطة التي أكسبته زادًا معرفيًا عميقًا من علوم اللغة والفقه والتصوف، ظل أثره واضحًا في نسيج لغته السردية طوال حياته. هذا التكوين الديني والتراثي المبكر لم يتحول عند وطار إلى نزعة تقليدية منغلقة، بل انصهر لاحقًا بثقافة سياسية واجتماعية حداثية، فجاء إنتاجه الأدبي مزيجًا فريدًا بين عمق الموروث وحرارة الأسئلة الوجودية والسياسية التي طرحتها الجزائر المستقلة حديثًا. عاش وطار سنوات الثورة التحريرية شابًا متأثرًا بأجوائها، وانخرط في العمل السياسي والثقافي في صفوف جبهة التحرير الوطني، قبل أن يتفرغ تدريجيًا للكتابة الصحفية والإذاعية والروائية، متنقلًا بين عدة مواقع في الإعلام والثقافة الرسمية الجزائرية.

لقد شكلت هذه الازدواجية بين التكوين الديني التقليدي والانخراط المبكر في السياسة الثورية سمة جوهرية في شخصية وطار الكاتب، إذ لم يتعامل مع اللغة العربية بوصفها وعاءً محايدًا للتعبير، بل بوصفها ميدانًا للصراع الحضاري بين موروث عريق ومشروع تحديثي ناشئ. وقد انعكس هذا التوتر الخلاق لاحقًا في اختياره الكتابة بالعربية الفصحى في زمن كانت فيه النخبة الثقافية الجزائرية منقسمة بين معسكر فرنكوفوني له حضوره العالمي، ومعسكر عربي ما زال يبحث عن أدواته وجمهوره. اختار وطار أن ينحاز إلى الخيار الثاني بوعي كامل بصعوباته، معتبرًا أن استرجاع اللغة العربية لمكانتها جزء لا يتجزأ من استكمال معركة التحرر الوطني على المستوى الثقافي والرمزي، لا العسكري والسياسي فحسب.

البدايات الأدبية

بدأ الطاهر وطار مشواره الكتابي بالقصة القصيرة، ونشر في الصحافة الجزائرية والعربية نصوصًا قصصية لفتت الانتباه إلى قلم جديد يمتلك حساسية خاصة في رسم الشخصيات الشعبية وبيئاتها. غير أن طموحه الفني وجد مداه الحقيقي في فن الرواية، الذي رأى فيه وطار الشكل الأقدر على استيعاب تعقيدات المجتمع الجزائري في مرحلة ما بعد الاستقلال، بتناقضاته الطبقية وصراعاته الأيديولوجية وأسئلته الهوياتية. جاءت رواياته الأولى في سبعينيات القرن الماضي لتؤسس لصوت سردي مختلف عن السائد آنذاك، صوت لا يكتفي بتوثيق الواقع بل يعيد صياغته عبر رؤية فنية تمزج بين الحلم والأسطورة والتحليل الاجتماعي. ومنذ تلك البدايات، ارتبط اسم وطار بمشروع كتابي واضح المعالم: أن تكون الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية شاهدة على عصرها، ومنحازة لصوت المهمشين والفلاحين والعمال، دون أن تتخلى عن جمالياتها الفنية وعمقها الرمزي.

وما يستحق التوقف عنده في هذه المرحلة المبكرة هو أن وطار لم يكتفِ بمعالجة الموضوعات الاجتماعية والسياسية الملحة، بل انشغل منذ البداية بالبحث عن شكل فني جديد يليق بهذه الموضوعات، فابتعد عن النموذج الروائي الكلاسيكي ذي الحبكة الخطية المغلقة، واتجه نحو بنية سردية أكثر انفتاحًا تتيح تعدد الأصوات وتداخل الأزمنة، مستفيدًا من خبرته الصحفية والإذاعية في بناء إيقاع سردي سريع ومكثف. هذا البحث الدؤوب عن الشكل هو ما جعل نقادًا كثيرين يعتبرون وطار حلقة وصل ضرورية بين جيل الرواد الذين أسسوا الرواية العربية الحديثة في المشرق، وجيل الروائيين المغاربة الذين سيطورون لاحقًا أشكالًا سردية أكثر تجريبًا وجرأة.

أهم الأعمال الروائية وخصائصها الفنية

تُعد رواية «اللاز» الصادرة في منتصف السبعينيات العمل الأبرز في مسيرة وطار، وهي الرواية التي رسخت اسمه في المشهد الروائي العربي، إذ تناولت من خلال شخصية بطلها الغامض «اللاز» أجواء السجون والمعتقلات إبان الثورة التحريرية، وما رافقها من تصفيات وصراعات داخلية بين المناضلين أنفسهم، في معالجة جريئة تجاوزت الخطاب البطولي المباشر إلى مساءلة أعمق لمعنى الوفاء والخيانة والثمن الإنساني للتحرر. وفي الموازاة، جاءت رواية «الزلزال» لتقدم شخصية الشيخ بولرباح، الإقطاعي الذي يرى في التحولات الاشتراكية بعد الاستقلال زلزالًا يهدد عالمه القديم، في نقد اجتماعي لاذع لبقايا الإقطاع والتقاليد المتحجرة، وفي الوقت نفسه استكشاف لهشاشة الإنسان أمام حتمية التغيير. أما رواية «عرس بغل» فقد اتسمت بجرأة رمزية وسخرية سوداء في تناول أوضاع ما بعد الاستقلال، مستخدمة حكاية شعبية إطارًا لنقد الانتهازية السياسية وازدواجية الخطاب الثوري. ومن أعماله اللافتة أيضًا «الحوات والقصر»، و«تجربة في العشق» التي مزج فيها بين البعد الصوفي والبعد الحسي في رؤية جريئة للعلاقة بين الجسد والروح، إضافة إلى «الشمعة والدهاليز» في مرحلة متأخرة من مسيرته، والتي واصل فيها اشتغاله على أسئلة الفساد والسلطة والدين في المجتمع الجزائري المعاصر. يتجلى في مجمل هذه الأعمال أسلوب وطار المميز القائم على نفس ملحمي طويل النفس، يستدعي تقنيات الحكي الشعبي والحلقة والخرافة، ويوظف اللغة العربية الفصيحة موظفًا فيها أحيانًا مفردات ونبرات من العامية الجزائرية دون أن يخل بفصاحتها، فضلًا عن حضور كثيف للرمز الصوفي والديني الذي يمنح نصوصه بعدًا فلسفيًا يتجاوز السرد الاجتماعي المباشر إلى تأمل أعمق في مصير الإنسان والجماعة.

ومن أبرز ما يميز بنية هذه الروايات أيضًا اعتمادها على تعدد الرواة وتداخل الأزمنة، بحيث لا تُروى الحكاية من زاوية واحدة، بل تتقاطع فيها أصوات شخصيات متعددة، كل منها يحمل رؤيته الخاصة للحدث وتأويله الخاص للحقيقة، في تقنية تعكس تعقيد المجتمع الجزائري نفسه وتعدد قراءاته لتاريخه القريب. كما لجأ وطار في أكثر من عمل إلى توظيف الحلم والهذيان والاسترجاع الذهني وسيلة لكسر خطية الزمن الروائي، وهو ما أتاح له معالجة الماضي والحاضر في آن واحد داخل النص نفسه. ولعل ما يمنح هذه الروايات حيويتها المتجددة هو أنها لا تكتفي بتقديم شخصيات نمطية تمثل الخير أو الشر، بل تقدم شخصيات مركبة تتنازعها الرغبة والخوف والطموح والندم، بحيث يبدو المناضل أحيانًا هشًا مرتبكًا، ويبدو الإقطاعي أحيانًا إنسانًا يخشى على مصيره لا مجرد رمز مجرد للطبقة المتحجرة، وهذا التركيب النفسي العميق للشخصيات هو ما أكسب روايات وطار قدرتها على الصمود أمام تغير الأذواق النقدية عبر العقود.

الالتزام الفكري والسياسي

لم يكن الطاهر وطار كاتبًا يقف على الحياد من قضايا مجتمعه، بل جسّد نموذج المثقف الملتزم بالمعنى الذي شاع في الأدبيات العربية خلال القرن العشرين. فقد آمن بخيار الاشتراكية بوصفه أفقًا لتحقيق العدالة الاجتماعية، وانخرط لسنوات طويلة في العمل الحزبي والإعلامي الرسمي، حاملًا هذا الانحياز إلى داخل نصوصه الروائية دون أن يحولها إلى خطابة مباشرة مبتذلة، بل عبر بنائها الفني ورمزيتها العميقة. وقد جعله هذا الموقف الفكري في مواجهة مستمرة مع أطراف متعددة: مع الإرث الاستعماري وآثاره، ومع بقايا الإقطاع والبنى التقليدية، ومع الانتهازية السياسية التي رافقت بناء الدولة الجزائرية الحديثة، ثم لاحقًا مع صعود التيارات الأصولية المتشددة خلال العشرية السوداء التي عاشتها الجزائر في التسعينيات، حين جاهر وطار بمواقف نقدية صريحة تجاه العنف الديني المسلح، معرضًا نفسه لتهديدات حقيقية دفاعًا عن رؤيته لثقافة وطنية منفتحة ومتصالحة مع تراثها الروحي في آن واحد. وفي عام 1989، وفي خضم التحولات السياسية التي عرفتها الجزائر نحو التعددية، بادر الطاهر وطار إلى تأسيس رابطة الكتاب الجزائريين، في خطوة استقلالية عن الاتحاد الرسمي للكتاب، سعى من خلالها إلى توفير فضاء تنظيمي حر للكتّاب الجزائريين الناطقين بالعربية بعيدًا عن الوصاية الرسمية، وهو ما يعكس فهمه العميق لضرورة أن يمتلك المثقف أدواته المؤسسية الخاصة به لا أن ينتظرها من السلطة.

غير أن هذا الالتزام لم يكن خاليًا من التوترات والمفارقات التي أثارت جدلًا نقديًا مستمرًا حول تجربته. فقد ظل وطار طوال حياته قريبًا من مؤسسات الدولة ومن الحزب الحاكم في عقوده الأولى، وهو ما جعل بعض خصومه يتهمونه بالتماهي مع السلطة الرسمية في وقت كانت فيه أصوات أدبية جزائرية أخرى تختار مسافة نقدية أكثر حدة تجاه النظام السياسي القائم. إلا أن قراءة متأنية لأعماله تكشف أن وطار لم يكن كاتبًا بلاطيًا بالمعنى المبتذل للكلمة، بل كان مثقفًا عضويًا بالمعنى الغرامشي، يرى أن التغيير يأتي من الداخل عبر النضال داخل المؤسسات لا من خارجها فقط، وهو خيار له كلفته السياسية والأدبية معًا، لكنه يفسر أيضًا كيف استطاع أن يبني مشروعًا ثقافيًا مؤسسيًا متماسكًا كرابطة الكتاب الجزائريين، في وقت اكتفى فيه كثير من أقرانه بموقف المعارضة الفردية دون قدرة على البناء المؤسسي المكافئ.

مكانته وأثره في الأدب الجزائري والعربي

يصعب الحديث عن الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية دون التوقف عند الأثر التأسيسي للطاهر وطار فيها. فإذا كان كاتب ياسين قد مثّل الصوت الروائي الجزائري الأبرز بالفرنسية، فإن وطار كان نظيره ومقابله بالعربية، الأمر الذي جعله يحتل موقعًا مرجعيًا في تاريخ الأدب الجزائري الحديث، بوصفه الكاتب الذي أثبت أن اللغة العربية قادرة على استيعاب أعقد تجارب الحداثة الروائية دون أن تفقد جذورها التراثية. وقد امتد أثر وطار إلى أجيال لاحقة من الروائيين الجزائريين الذين تتلمذوا على تقنياته في المزج بين الواقعي والعجائبي، وفي توظيف اللهجة المحلية داخل نسيج فصيح، وفي جرأة تناول قضايا السلطة والدين والجسد. كما لعبت رابطة الكتاب الجزائريين التي أسسها دورًا احتضانيًا لكثير من الأصوات الشابة، ووفرت منابر نشر وجوائز وملتقيات ساهمت في استمرار الحركة الأدبية الجزائرية في فترات كانت المؤسسات الرسمية فيها عاجزة أو مترددة. وعلى المستوى العربي الأوسع، تُرجمت أعمال وطار، وفي مقدمتها «اللاز» و«الزلزال»، إلى عدة لغات أجنبية، ودُرست في أقسام الأدب العربي داخل الجزائر وخارجها، بوصفها نموذجًا لرواية ما بعد الاستعمار التي تجمع بين النقد الاجتماعي الحاد والعمق الجمالي، إلى جانب كونها وثيقة إنسانية على لحظة تأسيس دولة حديثة من رحم ثورة عنيفة. ولا يقل أهمية عن ذلك إسهامه في النقاش النقدي حول علاقة الرواية العربية بالتراث الصوفي والشعبي، إذ فتح بأعماله بابًا واسعًا أمام روائيين عرب آخرين لإعادة الاعتبار لهذا التراث بوصفه مصدرًا للتجريب الفني لا مجرد زخرفة تراثية.

ولا يكتمل الحديث عن أثر وطار دون الإشارة إلى دوره في تكوين أجيال من الكتّاب والنقاد عبر الملتقيات والندوات التي أشرفت عليها الرابطة، وعبر مبادرات دعم النشر التي أتاحت لأصوات روائية جديدة أن تجد طريقها إلى القارئ في ظل ضعف دور النشر الخاصة في تلك المرحلة. كما أن جرأته في تناول موضوعات كانت شبه محرمة في السياق الجزائري، من نقد مؤسسة الزواج التقليدية إلى مساءلة العلاقة بين الديني والسياسي، مهدت الطريق أمام كتّاب لاحقين ليتناولوا موضوعات أكثر حساسية بحرية أكبر. وقد جعله هذا الموقع، بين التأسيس الفني والتأسيس المؤسسي، أحد أكثر الأدباء العرب الذين ترك أثرهم بصمة مزدوجة: بصمة في النص المكتوب، وبصمة في البنية التنظيمية التي تحمي هذا النص وتتيح له الاستمرار.

خاتمة تأملية

حين نعيد النظر اليوم في تجربة الطاهر وطار، بعد أكثر من عقد ونصف على رحيله، يتضح أن أثره لم يكن أثر كاتب واحد أنتج مجموعة من الروايات المتميزة فحسب، بل أثر مشروع ثقافي متكامل سعى إلى تحرير الكتابة العربية في الجزائر من ثنائية القطيعة مع التراث أو الذوبان الكامل في الحداثة الوافدة. لقد أثبت وطار أن بالإمكان أن تكون الرواية ملتزمة دون أن تفقد شعريتها، وتراثية دون أن تنغلق على الماضي، وناقدة للسلطة دون أن تنزلق إلى الشعاراتية. وهذا بالضبط ما يجعل قراءته اليوم أكثر من مجرد استعادة تاريخية لأديب راحل، بل ضرورة لفهم كيف تشكلت الرواية الجزائرية المعاصرة، وكيف يمكن للأدب أن يظل صوتًا للجماعة في أوقات تحولها الأكثر حدة وغموضًا. يبقى الطاهر وطار، بهذا المعنى، حاضرًا في كل قراءة جديدة لرواية جزائرية تجرؤ على مساءلة سلطتها ومجتمعها بلغة تنهل من عمق التراث وتنفتح في الوقت نفسه على أسئلة الإنسان الكونية.