براثن الجهل

انتهت أعمال الكشف مخفض السعر الذي يتناول أجره في شكل مرتب شهري لا يرضيه كطبيب ، ولا يلبي احتياجاته ومطالب أسرته مما يجعل راتب زوجته مدرسة الفيزياء بالجامعة العمود الفقري في الإنفاق على البيت .

يطلق زفرات مع تصاعد سحائب الذكريات التي ظللت فكره ، تذكر كيف كان زواجهما كأكل الميتة اضطراراً ، فقد كبر سنه قبل أن ينتهي من دراسة الطب فقضى في ذلك أحد عشر عاماً ، خرج بعدها ليجد نفسه متأخراً في كل شيء : التخصص  والزواج والوضع المادي والاجتماعي ، أما هي فقد انشغلت بالدراسات والأبحاث العلمية عن الاهتمام باختيار شريك الحياة فرفضت هذا وذاك حتى انقضت جميع الفرص المناسبة فاختارها وارتضته شأن من يقضي الصلاة الفائتة منذ سنوات .

ورغم تأخر الزواج فقد أنعم الله عليهما بتوأمين  سعدا بهما كل السعادة قبل أن تنشب الخلافات بينه وبينها ، فهو يريد منها ما تفعله العروس الشابة من الزينة وخلافة ليعوض تأخره في الزواج وهي تستنكف وتستكبر وتعده إهانة لها  سناً  ومركزاً علمياً ، بل وتهجم عليه هجوماً مضاداً تطالبه فيه أن يشغل نفسه بتحسين وضعه العلمي والاجتماعي فهو لم يحصل على درجة التخصص حتى الآن فما زال ممارساً عاماً .

وأخيراً اتفقا على بقاء الحال على ما هو عليه على أن يقتصر دوره في البيت على دور الزائر لا يزيد عن ذلك ، وأن يرفع يده عن تربية الأولاد فهي تكره أن يكونوا على شاكلته .

يعود إلى منفاه المسمى مستشفى والتي يقضي فيها معظم أيامه إلا ما يرى فيه أولاده كزيارة المريض أو السجين

طرقات سريعة على الباب وصوت أناسٍ يستنجدون

-        أغثنا يا دكتور ماهر أغثنا يا دكتور ماهر

تتملكه النشوة لما سمع فيؤخر خروجه حتى يسمعها مراراً ، لكم يتمنى اليوم الذي يعرف هؤلاء الأوغاد فيه قيمته ويُرضون فيه شهوته المفتوحة للمادة والإكبار والتعظيم ، هؤلاء الذين يعاملونه معاملة التيمم فلا يلجأون إليه إلا في  المصائب وتغيب كل أطباء القرية حتى حلاق الصحة هذا الجاهل الذي لا يعرف كيف يكتب اسمه يقدمونه عليه ، ليس هذا فحسب بل وصل الأمر إلى الإهانة حيث وصفه أحد الشباب  يدعي أنه شاعر بأبيات يرددونها بين الحين والآخر للتفكه والتندر يقول فيها :

وطبيب قريتنا طبيب لا يراد به الشفا

فهو الذي لم يدر يوماً ما الوريد وما القفا

يده على صدر المريض كأنها جبل الصفا

ودواؤه داءٌ يدمر لا أفاد ولا شفى

فإذا الصحيح على يديه من الممات على شفا

تزداد الطرقات على الباب والصياح بأكثر من صوت رجالي ونسائي :

-        أغثنا يا دكتور ماهر ... الرجل سيموت .

يسارع إلى داخل السكن يطرق على مساعده باب دورة المياه بشدة  هاتفاً :

-        كشف مخصوص يا باسم ... كشف مخصوص والله

يجيبه من داخل دورة المياه ليسكته خوف الفضيحة وما كاد يهتم بهندامه و نظافة نفسه

-        حاضر يا دكتور حالاً

يخرجان في هيئة الأبطال المنجدين الدكتور يستل سماعته والمساعد يحمل الحقيبة السوداء الشبيهة بعربات نقل الموتى ليجدا أن الناس قد استأخروا خروج الطبيب فحملوا إليه المريض كأنه لوح من الخشب من أثر التشنج العصبي ، أمرهم بإدخاله حالاً إلى حجرة الكشف بعد إشارة لباسم  يعرفها جيداً لتحصيل قيمة الكشف فلا أحد يضمن الظروف .

يوقع الكشف على المريض وهو يهمهم همهمات الخبير الذي يتقن ويعرف كل شيء عن الطب والأمراض المستعصية وهو الذي لم يفتح كتاباً ولم يحضر مؤتمراً منذ تخرجه .

يأمر باسم في أنفة :

-        جهز حقنة كذا

-        ( وقد تغير وجهه فهمس في أذن الدكتور بكلمات ) لكن يا دكتور ..........

-        ( غاضبا معطياً له سماعة الأذن ) تفضل واكشف بدلاً مني

-        العفو يا دكتور ....حالاً ستكون جاهزة

-        كلكم تتكلمون في الطب و لا تتركون العلم لأهله ( مشيراً بإصبعه إلى صدره مخاطباً أقارب المريض ) حتى بسطويسي حلاق الصحة

-        العفو يا جناب الدكتور البلدة مالها بركة غيرك

يتناول الحقنة من باسم ثم يحقن بها المريض الذي ما لبث أن أفاق فقد أوشكت النوبة على الانتهاء وساعده ألم  الحقنة على الإفاقة ، تصاعد التكبير والتهليل والحمد في حجرة الكشف وطفق الجميع يقبلون رأس الدكتور ماهر شكراً وعرفانا  وتصاعدت الدعوات له بطول العمر والصحة .

حدثته نفسه أن حان الوقت لمسح الصورة السيئة له من عقول هؤلاء وشطب هذه الأبيات البذيئة من قاموس الشعر صاح في مساعده :

-        جهز حقنة ثانية يا باسم

يصفر لون باسم مستنجداً بعقل الدكتور الذي قضت عليه نشوة الافتخار

-        أسألك بحق الله يا دكتور يكفي ما أنجزت

-        اخرس ... أتشككك في قدراتي ؟ إنكم أهل القرية لم تروا مني شيئاً بعد .... سوف أجعله يرجع إلى حقله جرياً

ينتزع الحقنة من يد باسم المرتعش  ليغرسها في جسد المريض  الذي لم تمر عليه لحظات إلا وقد فارق الحياة .