ويخط القلم
برغم ما يحيط بى من اتساع، إلا أننى أشعر بتلك الجدران تقترب بسرعة لتعتصرنى بينها، أريد الصراخ ولا أستطيع.
أرنو بعينى إلى تلك اللوحة الكبيرة القابعة هناك على الحائط بخط كوفى.. "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل".. فأتذكر قسمى وشرف المهنة، فأطرح كل الهموم خارج تلك القاعة، أشحذ ذهنى وأنا أعتدل فى جلستى ملتفتاً يميناً ويساراً إلى زميلى، أشير للحاجب، فيرتفع صوته الأجش منادياً باسم المرأة وزوجها، تخطو متأنية، تقف قبالتى بشعرها الأصفر المصبوغ، ووجهها الغض النضر الممتلئ برونق الشباب، أقسم على أنها امرأة فى الثلاثين وليست فى الثمانين من العمر كما تقول أوراق قضيتها، أسألها مندهشاً:
- عمرك ثمانون عاماً؟
تجيبنى وهى ترنو ببصرها إلى الأرض:
- نعم
لعنة الله على حقن البوتوكس، تجعل امرأة فى الثمانين لها وجه ابنة العشرين وزوجتى طالما صدعت رأسى وهى تلح، أحيانا تطلب عملية شد الوجه، وأحيانا نحافة الأرداف.. أحيانا العدسات الملونة، وهى تلح الآن فى حقنة نفسها بالبوتوكس التى تكلف جيبى ألفين من الجنيهات، تريد أن تبدو تلك المتصابية فى العشرين فى حفل زواج ابنتها.
انتبهت لصوتها الخفيض ينطلق:
- سيدى المستشار.. أطلب الخلع من زوجى هذا.
تشير إلى رجل ممتلئ وجهه بتضاريس العمر الكبير.
- أنا لا أحبه، بيشتمنى وأنا بنت ناس، ومش وش بهدلة.
أشخص ببصرى إلى الأوراق، تصفعنى بشدة حقائق تلك الأوراق، أربعون عاماً هى عمر الزواج وتطلب الخلع من ملحق دبلوماسى سابق بسفارات عديدة، تزوجها وهى أرملة ولها ولدان، جالت فى رحلات عديدة لدول عديدة وبعد كل هذا تطلب الخلع، لولا هيبة المكان لبصقت.
شعرت بالاختناق، أزحت قليلا رابطة العنق بطرف أصبعى، تناولت منديلاً وأزالت خيط العرق فوق الجبين.
طلبت من زوجها أن يتحدث.. خرجت كلماته لاهثة على الرغم من إنه يصغرها بسبع سنوات:
- لا أعرف يا سيدى، لماذا تريد زوجتى القضاء على حياتى بالموت.. أنا أحبها، ولا أطيق الانفصال عنها، لم أبخل عليها بشئ.. هل تذكر هى عمليات شد الوجه وحقن الشفايف ووشم الحواجب.. أحدث خطوط الموضة الباريسية.. العطور الألمانية، وحتى حقنة البوتوكس الجديدة، وحتى عندما ضعف بصرها أجريت لها عملية الأكسيمر ليزر لتصحيح نظرها القصير، فهل غير الليزر وجهة نظرها من ناحيتى؟.. فلتسامحنى ولتبق معى فى أيامى الأخيرة.
- ما قولك؟
أجابت وهى تهز كتفها النحيف:
- أريد أن أعيش حياتى، أنا لا أحتمل العيش معه.
انهارت محاولاتى للصلح، فأجبت طلبها.
اتجهت مكفهراً إلى سيارتى.. ألقيت بقلمى عرض الحائط.. صفقت الباب خلفى وأنا أدخل شقتى، ونزعت بشدة رابطة العنق وأنا ألقى بجسدى على المقعد.
قفزت عندما صرخت:
- السجادة اتسخت.
التفت إليها وصورة امرأة الثمانين تقف بينها وبينى، لم انطق اتجهت نحو الحمام.. وضعت رأسى الساخن تحت صنبور الماء البارد، طاردتنى صارخة:
- أتسخت السجادة.. ألا تنطق.. مشكلة جديدة لتهرب مما وعدتنى به بالأمس.. حقنة البوتوكس.. أنسيت؟
لاحقتنى بثرثرتها وما زال رأسى منحنياً تحت الماء البارد، عقلى يصور لى رجل القضاء يقف خصماً لها ليخط القلم عليه حكم الخلع البغيض.. لا يا هانم.. لن أسمح لك أن تعبثى بشيخوختى.
انفعلت غضباً من صمتى، وضعت يدها على كتفى وهزتنى بعنف فاهتزت الغوايش والأساور الذهبية محدثة جلجلة صكت أذنى، فاتجهت إليها على أثر الهزة.. وأنا لا أنطق.
واجهتنى صارخة:
- أأحضرت المال أم لا؟
لم أنطق، فأنسحبت إلى غرفة النوم، حزمت حقائبها ولسانها يتلمظ ببخلى وأيام عمر الزواج الأسود.
ألتقطنى المقعد وأنا أرتمى عليه، فوقفت أمامى شامخة وأنا أبدو كقزم وهى تقول:
- أنا عند أخى سيادة اللواء انتظر ورقة الطلاق، وهذه المرة لن أقبل أية أعذار.
أطرقت برأسى إلى الأرض.. الماء الساخن يتساقط منفرطاً كحبات العقد من بين ثنايا شعرى الأبيض الذى يطارد ما تبقى من سواده يتساقط الماء محدثاً دقات تتوافق مع دقات خطوتها الثقيلة بكعبها العالى وهى تتجه نحو الباب وقبل أن تغلقه خلفها ألتفت إليها برأسى المطرق وبهدوء قلت:
- انتظرى.
تطلعت منتظرة أن أطلب عفواً، ولكننى أردفت قائلاً:
- أنت طالق.