قصة قصيرة 000 ( الحدس الصائب ) أيــاد خضير
جلس القرفصاء في مكانه الذي يشعر به بالارتياح 00بالدفء ، بالأمان ، أدرك بأن شيئاً ما قد يحدث في ما بعد 00شيئاً مغايراً لما هو مألوف أنها سيول جارفة تزيل معالم القرية ، ظل يتردد بالبوح الى أهل القرية، خوفاً منهم بعدم تصديقه، كما في المرة السابقة 00 في يوم ما أبلغهم بأن غرباناً سوداً ناعقة تمخر عباب السماء تنذر بالشؤم ، نعتوه بالجنون ، أشبعوه ضرباً ، وعندما جاءت الغربان وعملت ماعملت أخذ الناس يعطفون عليه ، البعض الآخر قـــال عنه : بأنه ساحر وأن هذه الطيور جاءت بفعل سحره ،وفي يوم من الأيام قـــال لأهل القرية : بأن صاعقة تنزل من السماء وتضرب القرية وتقتل بعض أفرادها وعندما صدق في قوله طالبوه بالرحيل لأنه شخص مشؤوم ، كل الحوادث التي أتت الى القرية بسببه ! ترى ما هو مصيره عندما يخبرهم بهذه السيول القادمة ؟! ظل يخاطب نفسه 00هل أنا جادٌ بأن أخبرهم ؟ وما هو مصيري الذي ينتظرني ؟ لا بد من التفكير قبل أن تقطع الفأس رأسي ! فهناك فرصة للنجاة 00ظل يعاني ثلاث ليالي ، الألم يعصر قلبه وأن في داخله شيء متكدس يحس به، يقلقه ، مصير أبناء قريته الذين أحبهم ، تتقاذفهم المياه وهم يصرخون وما من أحد ينجيهم ، في الصباح التالي قرر أن يبوح لهم بما يراوده ، فالوجع الذي يشعر به ما هو ألا امتحان عسير للقلب وتلافيف الذاكرة ، كانت السيول تكبر في مخيلته بحجم ضخم ، دفعته الى أن يكره نفسه 00يحتقرها أكثر من ذي قبل، توجه الى وسط القرية في ساحة مكشوفة ، والتي تكون ملتقى لآهل القرية في المناسبات الدينية والتجمعات الخطابية ، أبلغهم بالتوجه الى الساحة ليقول لهم شيء مهم لابد لهم من سماعه ، الحشد استجاب لندائه وتابع تقدمه وسط الساحة 0
قـــال : أيها الناس أسمعوا وانتبهوا أن رجلاً جاءني في منامي ، أبلغني أن أخبركم بأن النهر المار في القرية سوف ينفجر بفعل السيول التي تصب فيه ، بعد أسبوع أو أكثر بأيام قليلة وأنني أبلغكم بالخبر بعد أن قررت وفكرت كثيراً وحياتي لم تعد تهمني ، سواء قتلت أو عشت ! الموضوع يهمكم،قال هذا الكلام وفي قلبه وجع وأكثر من غصة، كان ضحية بائسة لشعور دخل إليه بقوة ، القسم الكبير من أهل القرية صدقوه لأنه سبق وأن قال كلام وصدق، جاءه رجل عملاق ترتسم في عينيه نظرة ذئبية مفترسة، أرعبته 0
قـــال له : بصوت أجش أسمع أذا لم يحدث الذي قلته سوف أقتلك خنقاً، وراح يغرسُ أصابعه في رقـبته، وبصعوبة أستطاع تحرير رقـبته منه0
قـــال آخر : وأنني سأجعل منك مسخاً لا مثيل له !00 بدأ يفكر بالحدس الذي يراوده متسائلاً ، أحقيقة الذي يحدث أم أنا في كماشة الوهم ؟! هل الحدس صائباً كما في المرة السابقة ؟ أم يخونني وأصبح فريسة تنهشني أصابع أهل القرية ؟! لا أدري ! بدأ الناس يجتمعون في المقاهي والبيوت يتداولون الموقف قسم يرفض والآخر يخطط ما يتوجب عمله للدفاع عن القرية ومواجهة الخطر القادم ، في الساحة تجمهر الناس وبدأ الشعراء يلقون ما عندهم من الشعر لبث الحماس في مواجهة السيول القادمة الخطباء يلقون خطبهم في المساجد والأماكن العامة ، رفعوا اللافتات البيض كتبت عليها (نعمل سوية لندفع الخطر عن قريتنا) ، المصلون يتضرعون الى الخالق أن ينجيهم من هذا الخطر00 أن النداءات المتناثرة من أفواه الحشد ،القائلة نعمل متكاتفين لنتجنب وقـوع الكارثة ، تلك الأصوات التي تداخلت مـع هتاف الصبية وصيحات الباعة المتجولين تحولت الى صرخات مجنونة ولكنها مرتعشة00مرتبكه،هذه الأرواح المتراصة والهاتفة تدفعها الغيرة على قريتهم، دفعته أن يهتف معهم بحماس شديد ،الخبر تسرب الى جميع البيوت فلم تسمع سوى عويل النسوة ، قسم قليل منهن غير مصدقات،الحركة الدؤوبة ليلاً ونهاراً جعلت الكلاب تنبح باستمرار منقطع النظير، رجل أقترح على أهل القرية أن يقوموا بتغيير مجرى النهر مسافة بعيدة عن القرية 0
تقدم رجل كبير السن قائلاً : أذا قمنا بتغيير مجرى النهر سوف يتطلب ذلك فترة زمنية طويلة 0
أقترح أحد الحشود : علينا أن نبني السدود بوضع التراب في أكياس ورصفها الى ارتفاع أكثر من ست أمتار على جانبي النهر 0
قـــال آخر : مستهزئاً من أين نأتي بهذه الكمية الهائلة من الاكياس لملأها بالتراب والتي تقدر بالملايين على الأقل ! كل يوم يتكرر الحديث عن كيفية التصدي لهذه السيول ، البعض يقترح وآخر يندد ، الى أن أدركهم الوقت ، أتت المياه وأغرقت البيوت وأهل القرية لم يعملوا شيئاً ، لازالوا منشغلين بإلقـاء الخـطابة والشعـر 0
الحدس الصائب
- التفاصيل
- كتب بواسطة: أيـــاد خضير
- المجموعة: القصة والرواية
- الزيارات: 6