عطست بشدة (أتسووووووم). ارتجت لذلك أضلعي النخرة...شعرت على أثرها أن غبارا كثيفا من النصب قد غادر للتو خلاياي المترهلة. العطس أحيانا يمنحني قدرا من الراحة لا أجده في ساعات مديدة من النوم...يبدو أن نسائم البحر المسترخي أمامي تسللت على حين غفلة إلى جسدي الناحل و المتعرق و كانت السبب الرئيس في نوبة العطس التي ألمت بي...بلى يحق للعرق أن يتفصد من جسدي كما يرشح الندى من الأوراق و الورود عند انبلاج الفجر. لقد كانت المسافة التي التهمتها ساقاي مسرفة في الطول من البيت إلى هذا الشاطئ الخلاء ...و يحق إذن للعرق
أن ينضح من مسامات جلدي المكدود.
هدير البحر المنبسط أمامي كان يتلف سكون المكان. فلقد كنت أطمع أن يحافظ البحر على سكينته عسى أن تمضي الرحلة في سلام...زرقته المترامية الأطراف كانت تغري الأبصار بالمشاهدة. كنت أستمتع بهذا الديكور الطبيعي الخلاب. أما اللذة البالغة فكنت أتلمسها في هذا العود الذي يضطرب بين أناملي...على الرمال المشربة بملوحة الماء و المحترقة بلفح الشمس كنت أخطط بذلك العود أشكالا كيفما اتفق ...قلب ضخم جدا. و هنا تغافلني موجة متطفلة في أناة و تحذف من فوق صفحة الرمل ما رسمته للتو...أعاود الكرة مجددا و أرسم وردة باذخة و ما تلبث الموجة العنيدة أن تمحو ما صنعت...أخيرا و جدت العود يكتب رغما عني و بخط مرتبك (أمـــــــــــي). الغريب أن تلك الموجة غابت فجأة...بقيت (أمــــي) جاثمة على الرمل في إصرار عجيب دون أن تزعجها تلك الموجة الظريفة...اغرورقت عيناي بالعبرات. قبل ساعة فقط كانت والدتي العطوف تمسك بثوبي و هي تسألني باكية – أراك تجمع متاعك و حقيبتك يا جميل. هل أنت على سفر؟-
التفت إلى أمي...تأملت عينين تختزنان حدب جميع الأمهات. آلمني أن أكتمها الحقيقة و أجبتها و الخجل من نفسي يكاد يسحقني – مجرد رحلة إلى مدينة قريبة لألتقي بعض الصحب و سوف أعود في القريب العاجل-
ابتسمت الوالدة الرءوم أخيرا و هي تمطرني بتحف من الأدعية كما الغيث في هاجرة الصيف...لم تكن المسكينة تحسب أنني سأرحل إلى هناك وراء البحر حيث لا شمس و لا أهل و لا رغيف...بل صقيع قاتل و غيم قاتم و اغتراب خانق و مصير تحفه الأشواك و المجاهل. فجأة اجتاحت تلك الموجة كلمة (أمـــي) و بددتها إلى الأبد...وخز الألم صدري و في الحين أمسكت حقيبتي بين ذراعي المترهلتين. اخترق سمعي نحيب طفل هناك ...لقد كانت أمه تضمه إليها في حنو بالغ. ألح الصبي في البكاء و يبدو أنه زهد في لبن والدته أو يبدو أنه شعر بقرب الرحيل عن تراب موطنه. من المؤكد أنهما مثلي ينتظران المركب الذي أوغل في الغياب...في هذه اللحظة كانت حشود النوارس تعانق خاصرة السماء. ترسل صيحات مبحوحة تنم عن ألم دفين و لسان حالها يقول " إلى أين أيها المسافرون؟ كيف يطيب لكم فراق الصحب و الأهل و الأوطان؟"...ظهر المركب فجأة هناك في الأفق و هو يتهادى على صفحة الماء الصقيلة. أشرعته تتراقص جذلانة على عزف الرياح الهادئة. مرحى..مرحى..مرحى.. ضجت حناجر القوم مرحبة بقرب وصول المركب. أغلبهم من الشباب البائس مثلي ممن زهدوا في الوطن أو زهد فيهم الوطن و آثروا رغيف أوروبا و زخرفها...لامس المركب الشاطئ بعد لأي . تقاطر القوم حوله كما يتقاطر النمل حول بقعة من العسل...الجميع يسعى للظفر بشبر على سطحه عسى أن يصل إلى بلاد الصقيع و الضباب "أو إلى الجنة الموعودة كما يدعي البعض"... لكن ماذا أشم ؟ رائحة منتنة لحيوان أعرفه جيدا...(رباه ) هتفت و قد شد انتباهي هناك في أقصى الشاطئ مشهد مؤثر...نسيت المركب و من فيه .تقدمت في رفق إلى حيث تنبعث تلك الرائحة المقززة. ذئبة ممددة أرضا و الجراء الصغيرة تثب من حولها في لهو و عبث...كانت ترمقهم في سعادة و عطف بالغين. كانت الذئبة مكسورة الرجل على ما أعتقد فهي لا تستطيع النهوض فيما كان جرو كبير يسحب عظما مكسوا ببقايا اللحم صوب أمه...يا الهي لقد اقشعر بدني لذلك المنظر. أدركت في الحين معنى ما حدث...إن الجرو الوفي يضرب في الأرض ليطعم أمه الذئبة التي أقعدها المرض عن التماس الطعام...ثم ماذا؟؟؟ انه يطعم إخوته الجراء أيضا...أمام هذا المنظر الرائع شعرت بضآلة نفسي و أيقنت أن ذلك الجرو أشد وفاءا و أعظم شأنا مني. انه لم يترك أمه و إخوته نهبا للجوع و البرد و الإهمال...حز في نفسي ذلك الدرس و أفحمني أنا خريج الجامعات ...على الفور قذفت بحقيبتي هناك في بطن الموج. غادرت الشاطئ و يممت شطر داري و في صدري يختلج شيء من الرضا و السعادة...



