خرجنا في الصباح نحث خطانا مسرعين. سيفوتنا كل شيء إن لم نصل في الوقت المحدد ، قلبي يرف بسرعة وفخذاي ينبضان وإبهام قدمي اليمنى يحتك بحذائي الرياضي الجديد متورماً أحمراً . لا يهم طالما أننا سنصل في الوقت المحدد .
الطريق الترابي الوعر كان يتمايل بنا يرتفع ثم ينخفض غير أننا كنا نحث السير مسرعين غير آبهين بالحجارة التي ترتطم بأقدامنا .
عندما وصلنا عرفنا أننا لم نتأخر كثيراً فلم يبدؤوا اللعب بعد . هذا ما يزال يربط عروة حذائه ، وآخر ينظف المرمى من الحجارة.، ذاك يتحدث مع زميله ، دخلنا البيدر مسرعين ،
جلست مع علاء على العشب الأخضر الطويل بجانب حافة الملعب ننتظر بداية المباراة .
قلبي ارتجف بسرعة عندما شاهدته ورأيت مشيته العجائبية التي تشبه مشية الأبطال ، لقد كان يباعد بين قدميه، فاليمنى تريد أن تتحرك إلى أقصى اليمين بينما اليسرى تنزع للتحرك إلى أقصى اليسار ، عجزه مرتخٍ ويداه تفسحان المجال بشكل كلي لصدره كي يبرز للأمام بينما يتقدم ذقنه.
حدثت نفسي : "إنه لا يهاب أحدا"ً .
سألت علاء عن اسمه فقال إنه لا يعرف، لكنه شاهده في المدرسة ، إنه قادم من الشام ...طالب جديد .
فكرت " ربما أن أبطال الشام يمشون هكذا " .
بدأنا اللعب وكان في الفريق المقابل. عيناي لا تفارقانه وإذناي ترصدان أي شيء يتفوه به ، لاحظت أنه قليل الحركة كثير الصراخ، لا يركض كثيراً، إن وصلته الكرة مررها مباشرة ببطن قدمه ثم وجه التعليمات لفريقه بعنف .
فكرت " إن طبع الأبطال هكذا لا يتحركون كثيراً ولا يركضون ولكنهم يوجهون الآخرين بحزم وقوة وكبرياء ".
كنت أشعر بالخجل كلما اقتربت منه ، وقد تمنيت لو أنه لا يراني في الملعب ، حتى أنني خضعت دون دراية مني لكل التوجيهات التي يطلقها .
وعندما انتهت اللعبة عدنا أدراجنا، كل يجر قدميه جراً غير أنه الوحيد الذي حافظ على طريقته بالمشي .كنت أرمقه من بعيد محاولاً أن أمشي مثله تلك المشية الواثقة رفعت رأسي للأعلى ودفعت صدري للأمام وبت أباعد بين خطواتي قدر ما أستطيع .
في صباح يوم السبت تفاجأت أيما مفاجأة عندما وجدته يقف أمامي في الاجتماع الصباحي ، وكانت المفاجأة أكبر عندما جلست على المقعد لأجده يجلس في المقعد الذي على يميني مباشرة .
إذاً كما قال علاء فهو طالب جديد قدم من الشام .
كان نشأت عاقد الحاجبين أغلب الأوقات كثير التأفف وكثير التنهد ، كأنه لا يطيق صبراً لأي شيء من الحياة، ولا يطول حديثه مع أحد من الطلاب ثوان معدودة حتى يدير ظهره مشمئزاً ساخطاً. فكرت " لا بد أنه يمتلك مخازن الحكمة وأنه لا يستطيع تقبل تفاهات الحياة ، نعم بلا شك إن نشأت هو البطل المنسي في والذي يصر أن يكمل المشوار لوحده ببطولة ، وتفرد."
لم يكن الأمر صدفة . لقد أعددت له مطولاً لكي يبدو صدفة فلا بد لي أن أقترب أكثر منه وأعرفه وأتعلم منه ، وكان الأمر إذ أنني في أحد الاستراحات اقتربت منه وسألته :
- متى تود اللعب هذا الأسبوع.
غير أنه نظر إلي نظرة حانقة :
- أي لعب روح حل عني
انصدمت من جوابه الحدي غير أني ابتلعت الأمر و أصريت فهو حتماً لا يقصد ذلك وهو غائص في عالمه الداخلي ولا يكاد يراني.
- لعبة القدم الثلاثاء سيذهب ...
فجاوب باقتضاب :
- لن أذهب.
أدار جذعه وتركني واقفاً ومضى بمشيته المعهودة دون أن يكلف نفسه الالتفات .
قررت أن لا أعاود المحاولة مرة ثانية لألا يجرحني وآثرت أن أنسى أمره وأتابع حياتي دون أن يشغلني أمره فلي ما لي وله ما له . وبت أمر به كما يمر أي شخص بشخص غريب آخر حتى أنني أصبحت ألمح مروره مندغماً بالطلاب لا أكاد أميزه بينهم.
استمر الحال على ما هو عليه إلى أن كنت أقف في يوم من الأيام في ملعب السلة أراقب اللاعبين في درس الرياضة وما كان من نشأت إلا أن تناول الكرة وتقدم ثلاث خطوات مباعداً بين قدميه ، قفز للأعلى سدد الكرة غير أنه عندما عاد إلى الأرض التوت قدمه وسقط ، صرخ متألماً والتف على نفسه حاشراً ركبتيه في بطنه ، هرع المدرس والطلاب راكضين. غير أني لسبب ما لم أركض نحوه بل تسمرت مكاني أنظر له بخوف ممزوج بدهشة سائلاً دون إرادة مني:
" ما به، ما الذي أصابه "
غير أن صوتاً تناهى إلي من جانبي:
" لقد نصحته كثيراً أن لا يلعب بالكرة ولكنه عنيد "
التفت لمصدر الصوت وإذ بطالب -وكأني أراه للمرة الأولى في المدرسة- فبادرت متسائلاً:
" لماذا"
أجاب:
" يا أخي حوضه مكسور وهناك ثلاثة أضلاع لديه مكسورة أيضاً ولديه انقراص في فقراته ، بالإضافة إلى أنه مصاب بربو ، غير أنه عنيد ولا يسمع الكلام "
في هذه الأثناء حمل المدرس نشأت وأخذه قاصداً المستشفى.
قلت للشبح الموجود بجانبي:
" لكني كنت أظن أنه بطل ".
أجاب مستهزئاً من افتراضي :
" بطل ، ألا تستطيع النظر. ألا تراه كيف يمشي ، ألا ترى أنه لا يستطيع أن يتكلم جملة دفعة واحدة ، الله يعينه ".



