يقتلكَ الغياب, لأنك تحمل على كاهلك قَرارة الريح الباردة, ولأنك بعيد جداً, تثيرها كيفما شئت لتُبقيك حياً. كلماتك, نارك, وزرقة عيشك تليق بكونك تتغاوى بحالِك جرحك السرمدي.
أنت تحاول جرَّ الماء وراء الرمال المتحركة, تترك بُعدك يزحف نحو شقوق الأحلام, فتعجز.. لكن روحك المعجونة بالوجع تتقن تأجُجَ الموقد بالحنين, كلك غائص حتى الإعياء فيه, تترقب جمر زغاريد العودة الخافتة, حتى أصبحت (كالإسفنجة, تمتص الحانات ولا تسكر)* تَلتمع في عينيك بلادك كل إسراء, وتبدأ عربدة الوقت,
كسكين ميت الحدِّ يقطع عنق دجاجة..
- تهجرني الأوقات, والفرص السانحة, هل عليَّ أن ألوك حجارة الجدران كي أحقق ذاتي؟
تقول لنفسك وأنت تغزل شوارعك المسروقة بالتعاويذ والأيقونات والمال والاحتفالات! تبوح بسرك للسماء, للأرض, للأشياء, فتناجيك:
- كفَّ عن النواح, واعمل يقينك, إن باب الأمنيات موصد أمام القاعدين.
تدهشك المناجاة.. ترمم معاجمك لصوغ نفسك من جديد. طلابك بحاجة لك, بيتك المسكون بالفراغ على الهيكل يدعوك للدفء, حبيبتك التي أنقدتْك قرنفلة عمرها تنتظر صحوك كي تفيء عليها.
زوبعة الغياب تلك تطحنك, تُعِدُّ لك الرقى لتصبح مع كأسك سنبلة فارغة. تومض اللحظة واللهفة للمصير فجأة أمام موتك في الغياب, تملأ عقلك بالجنون والبكاء والذكريات, تُفجرُ صاعق التحرر من معبودية الغياب, وتبدأ تبسمل باسم الغريب القادم, تُرشِده إلى مصدر الريح الباردة, وتزرع في دفء بيتك مع قرنفلتك جسداً من الرغبات.
*مظفر النواب..



