على الأعناق

 

رأيته- يوم ماتت – جالسا في مقهى القرية الوحيد يتمطى على كرسي خشبي كقط بري نفش شعره واستسلم لمداعبة الشمس  وعلى طاولة أمامه وضعت الشيشة وكوب من الشاي ثقيل كدمائه.

وجدت نفسي أتساءل وقد تملكت مني الدهشة ألا يمتلك ذلك الآدمي أدنى شعور بالأسى لموتها؟

ألا تستحق منه أن يجلس في غرفته المظلمة وحيدا وجلس يتذكر ما حدث لها نتيجة حبها له وثقتها الكبيرة به؟أم أنها لم تكن سوى عصفور أوقعه الحظ في مرمى نيرانه فسقط وما أن تأكد من سقوطه حتى غادره وتحركت شهيته لاصطياد غيره.

كانت ......مسكينة ،لم تمنح أي قدر من الجمال وضن عليها القدر بالمال والأسرة و لم ترزق بزوج يطعمها ويعوضها ذل الفقر ومرارة اليتم.العريقة فكانت تقتات من أجر سويعات تقضيها بحقول أهل القرية أحيانا أو من خدمة نساء القرية.

كان يراها دائما وقد شلحت ثيابها ووقفت في الترعة تغسل ثيابها أو تغسل جاموسة أحد المزارعين ولكن لم تكن تلفت انتباهه بسمرتها الشديدة وملامحها العارية من مسحة الجمال وملابسها البالية.

في تلك الليلة التي تبرأ منها القمر  رآها تتعثر في مشيتها ،ناداها ،ردت على استحياء ،سألها لم تأخرت في الحقول إلى الآن فأجابته بأنها كانت تطعم مواشي الحاج"عبد الحليم ".

دعاها لطعامه فقفزت السعادة من ملامحها يتيمة الجمال ،شركته طعامه وهمت بالذهاب إلا أنه استوقفها .

وضع يده على رأسها وجردها من طرحتها ،فزعت،اقترب أكثر وقد تمكنت منه قوة خفية لم تر مثلها من قبل حولته إلى كائن لا تعرفه،همت بالاعتراض فلم يسمح لها،تخدر جسدها بسحر لمساته ،لأول مرة تستشعر أحاسيس الأم الذي ـ طالما تمنته ـ عندما يلتقم صغيرها ثديها في عنفوان وقسوة .

حارت كيف تتخلص منه ولكن الشعور بالشوق للمسة رجل قضى على أمل المقاومة،تمكن منها، تخلص من وسام برائتها،لم تفكر بزوجته ولا أولاده ، تناست به كل عالمها وعالمه وطلبت منه أن يعيد الكره لتنتقم به من كل الرجال الذين أهملوا أنوثتها وتركوها لتتبعثر  على بعض القش بجانب تلك القناة في حقله .

عندما همت الشمس بكشف سترهما قام ووعدها بلقاء آخر ...................

في اليوم التالي ومن بين عيدان الذرة فارعة الطول دعته إليها فأجابها وتكرر لقاء الحب. أصبح كل ما تتمنى وأصبحت هي لعبته التي يسمر بها عندما تتمرد عليه زوجه  .

مر .......عام بين لقاءات محمومة وسر أبى أن يكتم،تمرد الجسد الذي ظنت أنها تملكه ،توعكت ،شعرت ببداية شيء جديد يوشك أن يفضح حبها الذي ضن عليها الجميع بحقها في الحصول عليه.

ذهبت إليه..أخبرته أن هناك ثمرة لحبهما الشائك بدأت في التكوين ،زجرها وطلب منها التخلص من أي أثر لتلك العلاقة التي أدمنت الظلام فلا تقوى عيناها على مجابهة ضوء الحق.

حاولت التخلص من الجنين ....اعتلت الفرن وقفزت من فوقه فعاندها الطفل وأبى أن يغادرها وفضل سكنه بين أحشائها .

لجئت إليه فجبن وتنكر وركلها وقامت تجرجر جسد تخلت عن كل أوسمة الفخر به فتمرد عليها ورد لها الصفعة مضاعفة .

كانت تكتم القيء وعندما تدور الأرض تحت قدميها تتمسك بشيء ما حتى لا تسقط  أرضا ،تضاعف حجم بطنها فأحكمت الرباط من حولها ،لاحظ الناس ما يحدث فأخبرتهم أنه ورم ما يسبب انتفاخ بطنها.

كبر الورم وتضاعف ولهجت بزلتها  الألسنة وتجمع مشايخ القرية وأضحت قصتها ربيع الألسنة المتعطشة لعار يعطيها فرصة للاستمتاع ولكنها ....قاومت ........وقاومت إلى أن كلت و كشفت عن سوأة علاقتها به.

أنكر....أقسم......صرخ ...هدد .....وتوعد ولكن عرف الريف أقوى،عقد قرانها ورمى بها إلى ظلمات غرفة مستأجرة باردة  وتركها خاوية المعدة ممتلئة البطن بلا مؤنس عقابا لها على فضحه.

بعد عدة ليال أرسل لها ما يثبت انفصام عرى علاقتهما ،توجعت و أرخصت جوهر دموعها ،تركت له غرفته الحقيرة وذهبت إلى عشتها  .

في إحدى لياليها التي تخلى عنها القمر افترستها سياط المخاض وحيدة ،ندت عنها آهة طالما ضنت بها ،تحملت فآلام الوضع أسهل كثيرا من آلام العار .

شعرت بالدماء تتخلى عن جسدها فلم تجزع فلا قيمة للدماء بدون كرامة تعليها وترفع من شأنها، زلزلت جسدها رجفة باردة ،تمنت لو كان بجوارها يدثرها بدفء جسده ،اشتد الوجع، كادت تصرخ ولكن خذلها صوتها ،حاولت القيام لتستنجد بأحد ما - قد يساعدها في الحفاظ على روح أوشكت تتخلى عن ذلك الجسد- فسقطت أرضا.

في اليوم التالي مرت أمامنا تحملها الأعناق بعد أن بنوا لها بيتا لم تمتلكه في حياتها وألبسوها حلة ضنوا عليها بها أثناء حياتها . خلت أنني رأيتها تنظر إلى الجميع من خلال النعش قائلة " داستني أقدامكم وبداخلي روح مكرمة وها أنا اليوم عندما غادرتني روحي أحمل على أعناقكم ،يكفيني فقط أنني الآن ولأول مرة أرى العالم من فوق رءوسكم".