الربوة تبدو هناك في العمق متوارية كالعذراء في خجل...لست أدري إن كانت على علاقة بالربوة المنسية للكاتب مولود معمري أم لا...كل ما أعلمه أنها ربوة قاحلة من الأشياء و الحياة ،إلا من ذلك الجسم الجاثم فوق ثراها في إصرار عنيد كمثل إصرار النمل...انه كومة من الأخشاب غير المتناسقة ساقها القدر إلى هذه البقعة التي لفظها العالم. كومة هي أقرب ما تكون إلى قفص كبير من كونها كوخ...بين أركان هذا البناء الحقير تقبع أم مسعود و هي تضم الصبي إلى جسدها الناحل كأنها تخشى من يد آثمة أن تبطش به...الناظر إليهما من بعيد يجزم أنهما جسد واحد. لقد أنجبته منذ عقد من الزمن أو يزيد...أطلقت عليه اسم –
مسعود – طلبا للسعادة و أملا في الحياة .أو كلاهما معا... إن أهل الريف يتفاءلون بهذا الضرب من الأسماء...فما أكثر ما حصد الموت من الصبيان. و أم مسعود أفجعتها المنية في أبناءها الأربعة...و شاء القدر أن يغفل عن مسعود و يمنحه الحياة. صاح الصبي – أممم.آآآآه.يووو- صورة صوتية مبهمة قد ألفتها المرأة. إنها إشارة من الصبي تعني حاجته إلى الطعام ...إن الولد أبكم منذ أن ولد. تمتمت الأم العطوف – خذ يا قرة العين . بالهناء و الشفاء – أمسكت أصابع الولد و راحت توجهها في رفق إلى مواضع الطعام...بلى إن الصبي كفيف أيضا. لقد خطفت الأقدار نور بصره منذ عام الجدري، في ذلك العام الكئيب ألم الوباء البغيض بتلك البلاد و التهم أرواح الكثيرين و نجا حينها مسعود من أنياب المنايا بأعجوبة و لما ينجو بصره...في هذه اللحظة كان المطر ينزف خارج الكوخ لتحضنه تلك التربة العطشى بشغف. الصبي مولع برائحة المطر الباذخة. كانت حاسة الشم لديه تترنح متعة و لذة لهذه المأدبة الإلهية السخية...تلك الحاسة قوية لدى الصبي . بل تكاد تكون نافذته الوحيدة على هذا العالم الفسيح...منذ حول من الزمن كانت تلك الحاسة البطلة سببا في إنقاذ عم حسان و بنيه من الموت المحقق...أم مسعود لا تمل من سرد تلك الحادثة العجيبة على صويحباتها كل حين – احم احم ...هيه يا أخواتي مسعود ولدي بطل حقا. في تلك الصبيحة أيقظني و هو يشد ذراعي بعنف. طبعا لم أكن لأسأله ما الخطب لأنه أصم..لقد كان في هياج شديد. و جعل يرتطم بأثاث الكوخ ،و هو يضغط بشدة على أنفه و يصيح آآآآآ.أووو. أففففف...راعني أمره و إذا برائحة حريق تتسلل إلى أنفي...فزعت بسرعة إلى خارج الكوخ رباه ..رباه...رباه...هناك في السفح كانت دار العم حسان نهبا لألسنة النيران...صرخت ما وسعني الصراخ و سرعان ما التحق الناس و اقتحموا المكان. كانت الأسرة مغميا عليها من الأدخنة.. و لحسن الحظ تمت نجدة الجميع و أخمدت النار بعد لأي. و من يومها أضحى مسعود بطلا أسطوريا يهواه الجميع-
شبع مسعود أخيرا من وجبة الطعام المتواضعة. و لكن الأرض الخصيبة لما تشبع بعد من عناق زخات المطر الثمينة التي طالت غيبتها هذه المرة...تواصل هطوله طوال الظهيرة. رافقت أم مسعود ولدها المسكين إلى قمة تلك الربوة الودود...كانت المرأة بعاطفة الأمومة لديها تشعر أن الصبي يعشق المشي تحت المطر. انه يوشك أن يمضغ رائحة المطر بأنفه الصغير...لم تكن المرأة تحفل بالزكام ما دام الصبي يجد اللذة و المتاع تحت هذه السماء المعطاءة. أخيرا أطلت الشمس في خجل و لملم الغيم رحاله و تلاشى في أناة . أصبحت الحشائش تغري بالاسترخاء...تمددت الأم و إلى جانبها صبيها البائس ، شدت على يده و شد على يدها الدافئة و أغرقا في سبات طويل يظلله دفء الطبيعة الآسرة حيث رائحة الماء و التراب و الحشائش هي السيمفونية الخالدة التي يطرب لها أنف مسعود...مضى يوم و يوم و إذا أحد الرعاة يكتشف هناك في أعلى الربوة جثتين متصلبتين كأنهما قطعتان من الجليد...كانتا متشابكتا الأيدي و متعانقتان إلى الأبد في إصرار عجيب .



