تقدم الليل في صمت و تؤدة. يسدل أرديته الرمادية فوق هذا الشارع الضئيل...يبث في أرجاءه جحافل الصقيع المؤلم. البرد في كل مكان و زخات المطر بدأت تنزف في خجل كي لا تثير حفيظة ما تبقى من المارة.. إنهم يهرعون نحو منازلهم. دكان العم فارس لفظ آخر زبون من جوفه. حمل التاجر معه لوازم البيت و أحكم إغلاق الدكان ،و بخطوات سريعة يمم شطر داره.
عم فارس اسم على مسمى..رجل شهم و جواد و ذو مروءة. كان في شبابه يحمل السمن
و الزيت و السكر إلى المجاهدين هناك في الجبل، يعشق جمال عبد الناصر حتى النخاع...أغلق دكانه شهرا كاملا يوم توفي الزعيم...حينها قرر أن يحلق الشارب إلى الأبد و قال في ألم.. (رحل الشارب يوم رحل ناصر).
لم يكن صاحبنا غنيا من الموسرين و لا فقيرا من المعوزين. بل كان بين بين...ضغط على زر الباب (سررررررررررررن ) .امرأة بارعة الحسن تفتح الباب مرحبة. إنها زوجه كوثر..ختمت عقدها الرابع منذ أيام فقط، لكنها لما تختم بعد تدفق جداول الفتنة من جفنيها.
- أبطأت على غير العادة يا عزيزي –
رد الرجل و هو يجلس على أريكته المفضلة- زحام شديد في الدكان ،تعلمين جيدا أن الناس يتزايد استهلاكهم للطعام حينما يشتد البرد –
قاطعته المرأة ضاحكة – و يتضاعف معها أيضا رنين النقود –
- أجل كل شيء من فضل الله –
عم فارس إضافة إلى سخاءه و كرمه فهو شديد القناعة و الرضا. مضى شهر و شهر تلبدت على أثرها سحب سوداء منكرة حول تجارته...ألم الكساد بمعظم متاجر البلدة. أفلس الكثيرون و قرع الفقر أبواب الجميع و افتقر كثير من التجار. أوصد صاحبنا متجره مكرها و لزم داره...جبال من السأم توشك أن تنسف أضلاعه. قعد عصر يوم على سطح داره مصفر الملامح زائغ العينين..كل خلية وسط دماغه تفكر في إصرار حول سؤال واحد (ما هو المخرج من هذه الورطة). ارتشف قهوة باردة ضاعفت من هول إحساسه بالأزمة ..هره الأليف كان قابعا هناك يرمقه بنظرات حادة كأنه حارس أمين.
- إيه يا قطي الأمين ..أرأيت ما ألم بي من الكرب ؟ لم يبق لك عيش في هذه الدار بعد اليوم. انطلق إلى دار غني من الأغنياء واستأنف حياتك من جديد –
كان التاجر متعودا أن يخاطب قطه كأنه صديق عزيز..لكن ما به اليوم؟؟ حدث أمر جلل في هذه اللحظة الحلم...أمر اقشعر له بدن الرجل. لقد تكلم الهر بلسان فصيح – لا تبتئس يا صديقي فارس و لا ترتاع من حديثي إليك -
انتفض الرجل فزعا. جحظت عيناه و قال همسا – قط يتحدث يا للهول إنها علامات يوم القيامة –
- أنا رجل مثلك اسمي مسعود. كنت يوما ما عازف مزمار ماهر. لكن شاء القدر أن يمسخني قطا –
انعقد لسان التاجر...أردف الهر قائلا – الآن قم بنا و لا تنبس ببنت شفة –
انطلق الهر يمشي في شوارع البلدة و أزقتها و التاجر يتبعه ذاهلا وغير مصدق ،صعدا جبلا خارج البلدة..هناك في أحد الكهوف المهجورة ،دخلا جوف كهف عتيق .سارا طويلا و توقف الهر فجأة و قال
- صديقي فارس رجاءا قم بإزاحة هذه الأحجار-
نفذ التاجر رغبة القط...صاح فجأة – مسعود لمن هذه الأكياس ؟؟–
- افتح كيسا من فضلك –
(أوووووووووووه) .أفرج عنها التاجر مصحوبة بابتسامة عريضة .. أكياس مترعة بالذهب و الفضة و الزمرد..لم يصدق الرجل هذا المشهد الذي لم يتكرر منذ أيام (علي بابا) ...بدد الهر الوفي دهشة التاجر بكلمات مقتضبة – فارس كلما رأيت هو ملك لك بشرط أن تكتم ما دار بيننا من الحديث –
وانقلبت حياة العم فارس رأسا على عقب...أمسى من أغنياء البلدة و مترفيها. بل من أجواد البلدة أيضا و أسخياءها. لم يكن أبدا ليغلق بابه دون بائس أو فقير... زوجه كوثر قريرة العين بهذه الثروة التي انقضت عليها من السماء. لكنها تلح على زوجها بسؤال يبعث في نفسه الضجر و الغضب أحيانا( من أين كل هذه الثروة يا زوجي العزيز؟؟؟ ) و لم يكن بد أمام صاحبنا من أن يزور عن الإجابة. احتراما لرغبة صديقه الهر.
و أمام إلحاح زوجه التي لا تكل و لا تمل..يضعف التاجر يوما و يفضي إليها بقصة ذلك المال. و يكشف سر ذلك الهر الأسطورة.
مضى يوم و يوم . الرجل غائب لبعض شأنه...تجلس كوثر صباح هذا اليوم لتطريز أثوابها ،الهر قابع قبالتها و كانت تلك سيرته دوما. تأملته المرأة في ازدراء فهمه الهر..قالت- إيه أيها القط اللئيم .نطعمك و نسقيك و نرعاك كل تلك السنين و أنت نائم على بحر من الكنز و نحن نجهل ذلك –
تقدم الهر نحو المرأة قليلا و هو يرنو إليها بعينيه البرتقاليتين كأنما يريد أن ينصت جيدا.
- عازف مزمار؟ و حاذق أيضا ؟ و اسمك مسعود؟-
قهقهت المرأة في خبث . اقترب الهر منها جدا..حدق في وجهها الزاخر بالأنوثة.
- قل لي يا هري العزيز أن كل تلك الرواية هي مجرد كذب في كذب –
و أغرقت المرأة في نوبة من الضحك الهستيري...و في حركة خاطفة أسرع من البرق، نط القط في وجه المرأة...سمل عينيها و فر هاربا إلى الأبد. أرسلت كوثر صيحة ألم طويلة سقطت على أثرها مغشيا عليها و الدماء الفائرة تغطي و جهها الجميل.