يستهويني الجلوس إلى هذه الطاولة العتيقة...هنا فوق هذه التضاريس الطبيعية الباذخة. غابة مزدهرة من الشمسيات المثبتة هنا و هناك فوق تلك التلة الخصيبة و لافتة عملاقة كتبوا عليها بلغة فولتير ما معناه ( مقهى الشاطئ ) ..الشاطئ. يا لعذوبة هذه الكلمة، بلى انه ملاذي الوحيد في هذه الهاجرة الغاضبة التي تسعى دون ملل إلى إذابة الجماجم البشرية. سألت النادل شايا بالنعناع...الصمت في هذه الربوع له لغة لا يجيدها إلا من تعود أن يغشى هذا الشاطئ كل حين. هدير الأمواج البعيدة هناك وحده من يستطيع أن يبدد للحظات هذا
الصمت الأزلي.
- احم..احم..احم- قطع علي النادل نشوة الهيام التي كانت تغازل بصري للتو.
- هاهو شايك يا سيدي. و هاهي الجريدة –
-شكرا عزيزي أراك لاحقا- خاطبت النادل الظريف و أنا أنقده ثمن خدماته..بسطت جريدتي و أرسلت ناظري للتجول بين صفحاتها الطازجة.
(رن-رن-رن-رن) شدني الهاتف المحمول فجأة. شتت كل الصمت الذي كاد أن يلتئم ..أكيد إنها ليست رنات هاتفي. لقد كانت مختلفة و رقيقة...أرسلت بصري شمالا. أووووه. أفرجت عنها طويلة و بصعوبة مجتهدا ألا أثير فضول رواد المقهى...يا لها من غادة حسناء. تقبع هناك على بعد أمتار من طاولتي. أمسكت بلطف هاتفها المحمول، فتحته.
- ألوووو. حنان ؟ أنا هنا في مقهى الشاطئ-
-...........................-
-بلى...بلى...أنا أعلم جيدا عنوان تلك الخياطة الحاذقة –
- ........................-
- حسنا إلى المساء. شكرا لك حنان. ســــــــــــــــلام-
كان سلاما طويلا جدا و مصحوبا بابتسامة آسرة أضاءت المقهى و الشاطئ و أفق البحر جميعا. (رباااااااااااااااه) هتفت ذاهلا لذلك الغدير المنبعث من هذا الوجه المشرب بالأنوثة المتوثبة...أسرتني ابتسامتها و أذابت الجليد الذي فرخ طويلا عند شواطئ أضلعي. ابتسامة حررت شهادة ميلاد الربيع مجددا على ضفاف شراييني التي ساورتها الشيخوخة و الخمول لعهود طويلة...شدتني بعنف أسنانها الناصعة البياض. صفين من اللآليء ترصع ثغرها الشهي...لقد قالوا قديما أن الأسنان الرائعة و الجميلة هي منجم لا ينضب للابتسامات الآسرة.. و رحت ثملا أمطر فتاتي بنظراتي الظامئة.
آه نسيت و ما كان ينبغي أن أنسى؟؟ ليست و حدها الابتسامة من يصنع ذلك البستان الأنثوي الزاخر. بل الشعر الذهبي كانت له لمسة ساحرة أيضا..و كذا الجبين و الشفاه و المقلتان جميعا توقع بإصرار على تلك اللوحة الملائكية النادرة.
قلبت بصري النهم مرة و مرة في تلك الحسناء و في حين غفلة منها طبعا...أجل لا أريد أن أقتحم عليها خلوتها القدسية. لقد كنت شديد الخجل و لست أدري كيف سأحطم سلاسله التي تطبق على صدري.
وضع النادل في أدب بالغ كوبين أمام تلك الغادة ...شيعته شاكرة بابتسامتها الساحرة. مجددا ينتعش فؤادي أمام هذا المشهد اللذيذ الذي يتألق في جلال بين أسنانها ..كل سن و كل ناب و كل ضرس هو قصيدة ملحمية من البهاء يتلاشى دونها كل برد الدنيا و ضبابها.
كوب من العصير و كوب من الماء كانا ينتظران لثم تلك الشفاه الباذخة ..شعرت حينها أن صراعا خفيا قد احتدم للتو بين الكوبين. كل منهما حريص على أن يكون أول من يرحل رحلته الأخيرة إلى ثغر تلك الحسناء...ثغر كأن جداول العالم قاطبة تستقي منه. حسمت صاحبتنا المشهد و بادرت إلى احتساء العصير. رحت أهتف هامسا – هنيئا لك أيها العصير – الفتاة لم تحفل بوجودي و اجتهدت ألا أثير انتباهها..كان بصري إذن معلقا بين الجريدة و تلك الغادة.
فجأة لاح شعاع باهت من الجد على طلعتها...أوووه إنها فاتنة حتى و هي ترتدي ثياب الجد و الحزم ، تلاشت بسمتها مثلما يتلاشى الموج فوق الشطآن. قلبت نظرها يمينا و شمالا..لست أدري ربما تنتظر حبيبها. أغضبني هذا الاحتمال و حمل الكآبة إلى قلبي..اهتزت الأمواج الصاخبة هناك في الأفق و ارتفع هديرها. قلق تسلل إلى وجه تلك الأنثى الشاردة ...و في لمح البصر. يا للصدمة. إنها الصاعقة تنزل كالمطر المنهمر على عيني ...زمجرت الأمواج هناك في عمق البحر. اقتلعت الفتاة طقم الأسنان من فمها.. رباه..رباه..ماذا أرى؟ لقد كان يضطرب بين أصابعها المرتعشة مثلما يضطرب الوليد بين يدي القابلة ساعة الولادة...غمست الطقم خلسة في كوب الماء ثم استردته بين فكيها..وانتصبت واقفة و غادرت المقهى.