وكان السلطان محمد وحيد الدين يدرك أن وجود تركيا لازم لدول الغرب لإقامة التوازن بينها وان انكلترا وفرانسا لنتسمحا بالقضاء على تركيا قضاءً مبرماً لأنهما بذلك تفسحان المجال أمام روسيا للاستيلاء على الأناضول وبالتالي على مضيقي البوسفور والدردنيل مفتاحي العالم، بل كان ما تريدانه هو تشذيب أطراف الدولة العثمانية وجعلها دويلة صغيرة مثل دول البلقان وباقي الدول التي كانتا تنويان خلقها في المنطقة على انقاض الدولة العثمانية. واستناداً على هذا التفكير السليم كان السلطان محمد وحيد الدين يعلم بأن استرجاع بعض ما أخذ لا يتم بالهبة بل لا بد من القتال في سبيله لاسترجاعه وبالتالي لا بد من القيام بثورة في البلاد وحيث إن السلطان كان يعرف مصطفى كمال إذ كان مرافقاً له يوم ذهب، وهو ولي عهد، إلى برلين ليقدم للأمبراطور كيوم سيفاً مهدى إليه من السلطان محمد رشاد، فقد اتخذه يوم عاد من الجبهة الفلسطينية مدحوراً مرافقاً له ثم عهد إليه سراً بأن يقوم بثورة في شرق الأناضول حتى يتسنى لرجال السياسة أن يحاوروا ويناوروا أثناء عقد الصلح ليأخذوا أكثر ما يمكن أخذه من الأعداء. وللتغطية على هذه الثورة عن عيون الأعداء عامة والانكليز خاصة الذين كانوا يسيطرون على استانبول، عينه مفتشاً عاماً لجيوش الأناضول بصلاحيات واسعة وزوده بمبلغ عشرين ألف ليرة عثمانية ذهباً، وهو مبلغ ضخم بالنسبة إلى ذاك الزمن وإلى ما كانت عليه خزينة الدولة من عجز وإفلاس. ذهب مصطفى كمال بمهمة معينة لحساب الدولة العثمانية ولكن خان الأمانة وغدر بالسلطان وعمل لحساب نفسه عملاً بالقول المأثور: أرسلته لي خاطباً فتزوج.

وكان السلطان قد عهد لمصطفى كمال بالوظيفة الكبيرة، التي نوهنا بها، وزوده بامتيازات أخرى من المساعدات المالية والمنشورات السرية. وغادر استانبول، في 17 مايو 1919 عن طريق البحر مصطحباً معه عدداً من العسكريين والمدنيين الذين اختارهم لمساعدته ووصل مدينة صامسون في 19 مايو، وبعد أن جمع حوله فلول الجيش والأهلين بدأ ثورته. وهنا يقول صبري أفندي ما معناه:

اطلع الحلفاء المحتلون على ما يرمي إليه السلطان من إرسال مصطفى كمال إلى الأناضول فاحتجوا إلى الوزارة القائمة في استانبول المحتلة مستندين إلى أحكام الهدنة المعقودة في عهد الوزارة السابقة وطالبوها باستدعاء الرجل، وحيث إن الشكايات قد كثرت ضده من الولاة بسبب ما يتمتع به من صلاحيات واسعة فقد دعوناه إلى استانبول بلسان وزير الحربية ولكنه لم يجب. ثم تكرر الاحتجاج من قيادة الاحتلال وتمادت أصوات الشكاية من الولاة إلى وزارة الداخلية وتكررت منا دعوة مصطفى كمال إلى العاصمة واستمر هو في عدم الإجابة، وإزاء ذلك هدد الحلفاء الوزارة بالرجوع إلى الحرب فاضطرت الوزارة إلى إقالته وأنا يومئذ رئيساً للوزارة بالنيابة بسبب غياب رئيس الوزارة فريد باشا في أوروبا لحضور مؤتمر الصلح.

قررت الوزارة إقالة مصطفى كمال من منصبه وعرضت القرار على السلطان محمد وحيد الدين لكنه لم يوافق عليه موصياً بالاكتفاء بدعوته إلى العاصمة والاستمرار في الدعوة ففعلنا، وتمادى المطل من مصطفى كمال والرفض من السلطان بالتوقيع على الاقالة، كما استمر احتجاج الحلفاء إلى الوزارة طالبين البت بالأمر. وأخيراً قررت الوزارة في 8 يوليو 1919 البت بأمر الرجل وذهبت أنا إلى القصر وقابلت السلطان ومكثت في حضرته من المساء حتى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وهو يماطلني بانتظار الجواب البرقي من مصطفى كمال إذ كان رئيس الديوان يكلمه برقياً من غرفة ثانية في القصر، فلما انقطع الأمل من نزول مصطفى كمال عند طلب الوزارة اضطر السلطان مكرهاً إلى التوقيع على قرار الوزارة بإقالته، فكان جوابه على إبلاغه القرار بالإقالة أن أعلن استقالته من الجيش بعبارة تنم عن التمرد. وعلى الرغم من أن السلطان وافق على قرار الإقالة بعد تعيينه بشهرين وبضعة أيام إلا أنه كان كارهاً ذلك بدليل أنه لم يصدر ضده أي أمر بل أقال في 2 اكتوبر الوزارة التي طلبت إقالته وأنا منها في منصب الرئاسة بالنيابة ... وأتى بوزارتين ملائمتين لحركة مصطفى كمال. وبعد مضي أكثر من سنة على الثورة لم تجن البلاد إلا الدمار والخراب وتقدم اليونان نحو قلب الأناضول حتى كادوا يطرقون أبواب أنقره أعيد تكليف فريد باشا بتأليف الوزارة وعلى الرغم من أن وزارته السابقة هي التي بعثت بمصطفى كمال إلى الأناضول فأنها في هذه المرة أصدرت حكمها عليه بالعصيان والتمرد على السلطان استناداً إلى فتوى أصدرها شيخ الإسلام عبد الله دري زاده، ولكن السلطان ما لبث أن أقال هذه الوزارة وكلف توفيق باشا، وهو من أنصار مصطفى كمال، بتأليف وزارة جديدة دامت في الحكم نحو سنتين خدمت فيهما أغراض مصطفى كمال. فلما قويت شوكة مصطفى كمال تنكر للسلطان وطلب إليه أن يتنازل عن الحكم ويكتفي بالخلافة المجردة من السلطة على أن يظل مقيماً في استانبول وتنتقل السلطة إلى أنقره، فرفض السلطان وتنازل عن العرش سنة 1922 وخلفه عبد المجيد خليفة لا ملكاً ثم خلع سنة 1924 واخرج من البلاد.

وقد ظل السلطان وحيد يحسن الظن بمصطفى كمال رغم التحذيرات وظل مصطفى كمال يستغل إخلاص السلطان وصدق وطنيته والسلطان ليس بغافل بل راض بكل شيء يكون فيه خير البلاد وقد قيل له مرة : "إنه لا يستبعد أن يغتصب هذا الرجل عرشك". فقال : "ليخدم الوطن وليغتصب عرشي" وشاعت كلمة سمعتها وأنا في بلادي تنسب إلى أحد الانكليز وهي: "إن السلطان وحيد الدين أراد أن يكيد الانكليز بمصطفى كمال فكاد الانكليز به للسلطان".

هذا موجز ما قاله سماحة شيخ الإسلام صبري أفندي وأنا أقول - الدكتور إحسان حقي -: إن من يمعن النظر في الثورة الكمالية يجد أن الانكليز قد لعبوا فيها أدواراً رئيسية مع ثلاثة أطراف. الطرف الأول هو مصطفى كمال الذي تبنوه وساعدوه للوصول إلى ما وصل إليه شريطة أن يلغي الخلافة ويفعل في تركيا ما فعل. والطرف الثاني هو اليونان الذين كانوا حلفاءهم في الحرب وخرجوا منها بلا غنيمة فطوحوا بهم في مغامرة كانوا يقدرون لها الفشل فأغروهم بالاستيلاء على أزمير على أن تكون نصيبهم من غنائم الحرب وهم في الواقع لا يريدون أن يمكنوهم من شيء لأنهم يعلمون بأن استيلاء اليونان على شيء من أرض تركيا يعني استيلاء روسيا عليه على اعتبار أن القومين يدينون بالارثوذكسية وروسيا هي حامية الأورثوذكسية في العالم، ولكن الانكليز ارادوا أن يعطوا اليونان درساً بهذه المغامرة لكي يرضوا من الغنيمة بالإياب ثم إنهم يخلقون من مصطفى كمال بطلاً محرراً لبلاده، والطرف الثالث هي الحكومة التركية نفسها التي استعملوها أداة للتفريق بين السلطان وبين مصطفى كمال وقد نجحوا في تمثيل هذه الأدوار الثلاثة نجاحاً تاماً.

أما مصطفى كمال فهو وحده من بين هذه الأطراف الثلاثة الذي كان يعلم ما يراد منه كما أنه كان يعلم النتائج لأنه كان على صلة بالانكليز منذ سنة 1917 يوم كان قائداً عثمانياً في جبهة فلسطين فقد أخبرني - أي أخبر الدكتور إحسان حقي - ابراهيم بك صبري بن صبري أفندي شيخ الاسلام الذي مر ذكره بما يلي : "اتصل الانكليز بمصطفى كمال يوم كان قائداً في فلسطين وطلبوا إليه أن يقوم بثورة على السلطنة ووعدوه أن يساعدوه على ذلك فاتصل مصطفى كمال بقائدين عثمانيين من زملائه كانا يتوليان قيادة جيشين قريبين منه وفاتحهما بالأمر (وقد ذكر لي إبراهيم بك اسمي القائدين المذكورين ولكني انسيتهما لأني لم اسجلهما عندي إذ اني لم أكن أتوقع أن احتاج إلى ذكرهما) فلما سمعا الخبر استعظماه واستنكراه وقالا له : "بما انك لم تحاول العصيان الذي يوجب الاعدام فاننا سنكتم الأمر وننصحك أن تعتبره منسياً وأنك لم تفاتحنا به ولا سمعناه منك".

وانتهى الأمر بالنسبة إلى هذين القائدين عند هذا الحد وأما بالنسبة إلى مصطفى كمال الذي قبل، وهو القائد العثماني، أن يتآمر مع الانكليز لارتكاب مثل هذه الخيانة فإنه لم ينته، ولا شك، بدليل ما وصل إليه، ولا يستبعد أن يكون الانكليز هم الذين دعموه لدى السلطان، بطريقة غير مباشرة، لكي يعينه مفتشاً عاماً لجيوش شرق الأناضول ليسهلوا مهمته.

قد يتساءل المرء : كيف يساعد الانكليز مصطفى كمال على القيام بثورة في بلاد هم يسيطرون عليها ؟ والجواب قد مر معنا وهو أن أمم الغرب كانت منذ زمن بعيد تريد تحطيم الدولة العثمانية وتريد اقتسام تركة (الرجل المريض) وقد عقدت هذه الدول مئة معاهدة لتقسيم هذه التركة ولكنها لم تكن تتفق على ما يصيب كلاً منها كما انها لم تكن قد افترستها. فلما نشبت الحرب العالمية الأولى وانهارت الدولة العثمانية رأت هذه الدول، وعلى رأسها انكلترا وفرنسا، أن بقاء تركية دولة صغيرة غير إسلامية يضمن لها مصالحا أكثر مما لو استولت عليها واستعمرتها كما فعلت بالبلاد العربية لأنها ستبقى حاجزاً بين العالم الحر وبين روسيا، التي وان كانت في تلك الأيام ضعيفة فانها لا بد لها من أن تسترجع قوتها في يوم من الأيام وتقوم فتطالب بإعادة تقسيم الغنيمة، وانها لن تسكت عن سيطرة انكلترا على الممرين المائيين ولذا فإن هذه الدول الغالبة رأت من الأصلح وجود دولة صغيرة ضعيفة وغير مسلمة صديقة للغرب كالدولة التركية الحالية التي صنعتها على يدي مصطفى كمال من أن تكون هي المسيطرة.

وهكذا فقد نال الغرب بغيته وأصبحت تركيا دولة صغيرة علمانية وتنكرت حتى لواقعها فهي قد أعلنت أنها دولة غير إسلامية مع أن 95% من سكانها مسلمون وتنكرت لآسيويتها مع أن مالها في أوروبا من مناطق لا يتجاوز عشر مساحتها، فقد ذكر سماحة شيخ الاسلام صبري أفندي في كتابه المذكور آنفاً أموراً منها أنه لما كان مصطفى كمال على فراش الموت أوصى بألاّ يصلى عليه صلاة الجنازة ولكنهم صلوا عليه إجابة لرجاء أخته. ثم انه لما دعيت تركيا لحضور المؤتمر الإسلامي الذي عقد في القدس سنة 1931 رفضت الحكومة التركية حضوره لأنها غير مسلمة، ولما دعيت لحضور المؤتمر الآسيوي الذي عقد في دهلي رفضت حضوره بحجة أنها ليست بدولة آسيوية.

هذه شذرات عن الثورة الكمالية ونتائجها وعماكان للأيدي الغربية من دور فيها نقلناه بكل تجرد وإخلاص خدمة للتاريخ.