إنه كان ملكاً مثل غيره من الملوك في زمانه، ولكنه يمتاز على غيره بالدهاء وبعد النظر والصلاح. فعبد الحميد لم يكن ملكاً ديمقراطياً مثل ملك انكلترا أو السويد مثلاً بل كان ملكاً أوتوقراطياً يملك ويحكم وإذا كان قد ظهر منه شيء من الاستبداد فتلك كانت شيمة الملوك في ذاك الزمان، وتلك كانت مقتضيات الحكم في دولة تنهشها الذئاب من كل جانب، بيد أننا لو قسنا استبداد عبد الحميد باستبداد بعض حكام اليوم الذين لا يزيدون عن شيوخ قرى بالنسبة إليه نجد استبداده رحمة وحناناً بالنسبة إلى مظالمهم.
ولكي نأخذ فكرة سليمة عن السلطان عبد الحميد ننقل فيما يلي ما قاله زعيم الإسلام المغفور له جمال الدين الأفغاني مما ذكره المخزومي في كتاب: خاطرات جمال الدين الأفغاني، فهي فصل الخطاب قال :
"ان السلطان عبد الحميد لو وزن أربعة من نوابغ هذا العصر لرجحهم ذكاءً ودهاءً وسياسة. فلا عجب إذا رأيناه يذلل ما يقام لملكه من الصعاب من دول الغرب. إنه يعلم دقائق الأمور السياسية ومرامي الدول الغربية. وهي معد لكل هوة تطرأ على الملك مخرجاً وسلماً. وأعظم ما أدهشني ما أعده من خفيّ المسائل وأمضى العوامل كي لا تتفق أوروبا على أمر خطير في الممالك العثمانية. كان يريها عياناً محسوساً أن تجزئة السلطنة العثمانية لا يمكن أن تتم إلا بخراب الممالك الأوروبية بأسرها، وكلما حاولت دول البلقان الخروج على الدولة بحرب كان السلطان يسارع بدهائه العجيب لحل عقد ما ربطوه وتفريق ما جمعوه".
وإذا كنا لا نستطيع أن ندعي أن عهد عبد الحميد كان ديمقراطياً، فإننا لا نستطيع أن نتهمه بأنه كان استبدادياً صرفاً بل كان عهداً يساير زمانه ولم يكن أحد يشعر بالحرج في عهد عبد الحميد أو يشتكي الظلم والاستبداد إلا الذين يشتغلون بالسياسة ويتآمرون على الدولة بحسن نية أو سوء نية.