يتهم كثير من الناس جماعة حزب الاتحاد والترقي بأنهم هم الذين أضاعوا البلاد وقضوا على السلطنة العثمانية وهدموا هذا البناء الإسلامي الشامخ. وعلى الرغم من أن الاتحاديين قد ارتكبوا كثيراً من الأخطاء وعلى الرغم من أن الدولة العثمانية زالت إبان حكمهم فإن الإنصاف يقتضيا أن نقول :
إن الاتحاديين كانوا ثوريين متوثبين يريدون الخير لبلادهم إلا أنهم كانوا مثل كل الشبان متحمسين لغايتهم فأخطأوا الصواب أو أنهم استعجلوا الخير فوقعوا في الشر. لم يكن الاتحاديون هم الذين أضاعوا البلاد بل قد استلموا البلاد وهي في حالة احتضار وكان موتها وشيكاً لا بل كان يجب أن تكون قد ماتت قبل قرن من الزمن أو على أقل تقدير قبل أن يتسلم السلطان عبد الحميد الثاني مقاليد الحكم، وكل ما كانوا يستطيعون فعله هو أن يدفعوا عنها هذه النتيجة المؤلمة لو كانوا أهل خبرة ورأي وحكمة ولم يكونوا أهل حماسة وغرور، لقد كان باستطاعة الاتحاديين أن ينفخوا في البلاد روحاً جديداً لو كان لديهم الحنكة والادارة وأن يعمدوا إلى اللامركزية فيعطوا العرب والأرمن والأكراد وحتى لبنان استقلالاً داخلياً، ولو فعلوا ذلك لكانوا صفعوا كل الأجانب وقضوا على دسائسهم، لا بل لقد كان بالامكان إعطاء كل بلد عربي استقلالاً على حدة كما هو حاصل اليوم، ولو فعلوا ذل لما وجدوا من يجرؤ على طلب الانفصال والاستقلال التام. ولو وقع هذا لكان خيراً مما أصيبت به الدولة من زوال لأن الاتحاديين لم يكونوا يجهلون بأن الغرب كان مقرراً إزالة الدولة العثمانية واقتسامها فلو فعلوا هم ما كان الغرب يريد فعله لقطعوا الطريق عليه ولأبقوا للدولة كيانها ولكنهم ساروا بالعاطفة وبحماسة الشبان وعمدوا إلى القوة والبطش فضاعوا وأضاعوا البلاد. وآفة الشباب الغرور.
لقد تسلم الاتحاديون البلاد وليس فيها شيء سليم : الأعداء متربصون لها من كل جانب، وأجزاء البلاد تنسلخ عنها جزءاً بعد جزء وما لم يكن قد انسلخ كانت البرامج موضوعة لسلخه مثل طرابلس الغرب والبلقان. والبلاد تئن تحت وطأة الديون، والدولة عاجزة عن أن تفرض هيبتها على كثير من أجزاء البلاد. فالجزيرة العربية بأقسامها الثلاثة : اليمن والحجاز ونجد تكاد تكون شبه مستقلة وعُمان وعدن والسلطنات والكويت يسيطر عليها الانكليز سيطرة فعلية وإن كانت اسماً تابعة للدولة، والعراق في حالة اضطراب مستمر ومصر مستقلة فعلاً وسوريا ولبنان في قلق دائم والدسائس الغربية تستهوي شبان البلاد فماذا يستطيع الاتحاديون أن يفعلوا تجاه كل هذه العقبات ؟
الشيء الوحيد الذي كانوا يستطيعون أن يفعلوه هو أن يعطوا بأيديهم وبرضاهم ما كان مقرراً أن يؤخذ منهم غصباً ولو فعلوا لكانوا كسبوا صداقة هذه الأقوام التي يظل لهم بها ارتباط اسمي. ولكن الاتحاديين اختاروا طريق العنف والشدة فخسروا المعركة وكان من المعلوم انهم سيخسرونها.
وبالتالي فإن الاتحاديين لم يضيعوا البلاد بل استلموها وهي ضائعة من سوء حظهم أن كانت تصفية هذه الشركة المفلسة على أيديهم، وكان ذلك نتيجة طبيعية لما كانت عليه البلاد من سوء حال.
إننا لا نستطيع أن نتهم الاتحاديين بأنهم كانوا يريدون تخريب البلاد إذ ليس من المعقول أن يهدم المرء بيته، ولكننا نتهمهم بأنهم لم يكونوا رجال سياسة يستطيعون أن يقفوا أمام دهاء دول الغرب ومؤآمراتها فخدعوا وساروا بغير الطريق التي كان يجب عليهم أن يسيروا فيها فأخطأوا.