اعلم أنه بينما كانت الدولة العثمانية مشتغلة بالمحاربات البحرية والبرية المستمرة مع البنادقة وإسبانيا والدول المتفقة معهما في البحر الأبيض المتوسط كان البرتغاليون يمدون فتوحاتهم بسواحل الهند ذاهبين إليها من طريق رأس عشم الخير بجنوبي أفريقية وكانوا استولوا على كثير من البلاد الكائنة على السواحل المذكورة وصاروا ينقلون منها بسفنهم تجارة هذه البلاد إلى بلادهم بولاد أوروبا مارين بالطريق المذكور وبعد أن كانت التجارة الهندية والصينية تنقل من هاته البلاد إلى ثغر السويس ومنه إلى الإسكندرية ومنها إلى أوروبا في البحر المتوسط الأبيض بواسطة السفن التجارية العثمانية وغيرها من سفن الدول المتحابة.
كانت أعمال البرتغاليين التي ذكرناها سبباً لتعطيل المنافع والتجارة العثمانية فأصدر السلطان الأوامر المشدّدة إلى وزيره الذي اشتهر وقتئذ بالشجاعة وحسن التدبير وهو الخادم سليمان باشا والى مصر بتجهيز الأساطيل اللازمة في البحر الأحمر لإرسال الحملة التي صمم السلطان على إرسالها لمحاربة البرتغال بجهات الهند وتأمين طرق التجارة وأرسل لذلك من الاستانة سليمان رئيس وكان أشهر رجال عصره معرفة بالملاحة والبحرية لمساعدة سليمان باشا في هذه المأمورية فتمكن الاثنان بما بذلاه من النشاط من تجهيز وتشييد جملة سفائن في فرضة السويس 944هـ 1537م .
وفي خلال ذلك قام هما يون شاه ملك الهند يقصد محوملوك الطوائف الذين بأطراف بلاده ولما هدد بها درشاه ملك كجرات سنة 943هـ أرسل هذا من طرفه سفيراً إلى السلطان سليمان يطلب نجدته فكانت هذهالمسألة وسيلة أخرى لتنقيذ ما صمم عليه السلطان من إرسال الجيوش والأساطيل إلى بلاد الهند.
ولما تمت التجهيزات أقلع سليمان باشا من السويس بعمارة مؤلفة من ثمانين سفينة تحت قيادة سليمان رئيس بها عشرين ألف جندي ولما وصلت هذه السفن إلى عدن سنة 945هـ استدعى سليمان باشا أميرها المدعو عامر بن داود فقبض عليه وصلبه في سارية من سواري السفن بعد أن كان وعده بالأمان وبذلك استولى على إمارة عدن بلا حرب وأبقى فيها بعض الجنود ونصب عليها بهرام بك أحد أمراء الجنود العثمانية محافظاً.
ثم أقلع منها قاصداً سواحل الهند فوصلها بعد أيام ولما أرسى على ساحل كجرات بلغه أن بهادرشاه الذي كان طلب مساعدة الدولة تصالح مع خصمه بعد أن تحاربا مراراً وكانت الأساطيل البرتغالية تسلطت على ثغور كجرات واستولت على فرضة ديووما جاورها من البلاد ومات في الحرب بهادرشاه وخلفه الملك محمود في مملكته وكان هادن البورتغاليين.
ثم إن سليمان باشا الخادم أخرج الجيوش إلى البر بعد أن اتحد مع الملك محمود وأخذ يقاتل البرتغاليين حتى استولى منهم على قلعتي كوله وكات وقتل منهم أكثر من ألف محارب ثم شرع يحاصر فرضة ديو براً وبحراً وتمكن بعد زمن من الاستيلاء على قلاعها الأمامية إلا أن مقاومة محافظها البرتقالي المدعوا أنطوان وما أظهره من الجسارة والإقدام في المدافعة عن القلاع الداخلية أعلمه أن الاستيلاء عليها لا يمكن نواله بسهولة سيما وأنه لما رأى أن ذخيرة العساكر قاربت الفراغ طلب من الملك محمود إمداده بالذخيرة غير أن الملك محمود كان يخاف أن يصيبه منه ما أصاب أمير عدن فلم يلتفت إليه بل صالح البرتغاليين فالتزم سليمان باشا عند ذلك برفع الحصار عن الفرضة المذكورة والعودة إلى السويس.
وقد لام صاحب تاريخ الخبر الصحيح سليمان باشا الخادم على فعلته بأمير عدن لأنها كانت سبباً في ضياع الفوائد التي اكتسبها في سفرته هذه بالبلاد الهندية وبعد عودة الأساطيل والجيوش إلى عدن حضر أمير بلاد الشحر وقدم خضوعه للسلطنة فقبل الباشا منه ذلك وأمنه وذخلت تلك الجهات ضمن الأملاك العثمانية ثم مر على سواحل اليمن وأخضعها وولى عليها مصطفى باشا ابن بيقلي محمد باشا.
التجريدة الثانية البحرية ببحر الهند:
قد علمت مما سبق أن الخادم سليمان باشا استولى على مدينة عدن أثناء ذهابه بالحملة الأولى ولما كان هذا الاستيلاء لم يحصل بوجهه الشرعي لقتل أميرها المدعو عامر بن داود ظلماً وعدواناً ثارت الأهالي خصوصاً أقاربه على الحاكم الذي تعين لمحافظتها واتفقوا مع البرتقاليين وساعدوهم على تسليم المدينة لهم ولما علمت الدولة بذلك سيما وأن نجاحها في التجريدة الأولى لم يأت بالفائدة المطلوبة أرسلت في سنة 959هـ 1551 م عمارة أخرى من البحر الأحمر تحت قيادة المدعو بيري رئيس مؤلفة من ثلاثين سفينة بين أغربة وشواني وغلايين.
وقد تمكن هذا القبودان من استرداد عدن والاستيلاء بعد ذلك على مدينة مسقط وجزيرة هرمز ودراخت الواقعتين عند مدخل الخليج الفارسي ليجعلهما نقطتين يلتجأ إليهما عند الحاجة ثم أقلع يريد البصرة وهناك بلغه أن اسطول البرتغال آت لمحاربته ولما كانت أساطيله ينقص منها بعض الأدوات والآلات تركها بالبصرة وعاد بغرابين إلى مصر.
ثم عين السلطان مراد بك قبودانا على إسطول مصر فقصد البصرة بعمارة عظيمة وبعد أن ترك بها سبعين سفينة خرج بإسطول مؤلف من 17 سفينة وبوصوله إلى مضيق هرمز تقابل مع البرتقاليين ولما انتشب القتال بينهما انتصر البرتقاليون وقتل من أساطيل العثمانيين كثير من قوادها عند ذلك اضطر مراد بك إلى الرجوع إلى مدينة البصرة ثم عين السلطان البحري الشهير والفلكي الخبير سيد علي رئيس قائداً للأساطيل المصرية 960هـ .
وكان لهذا الرئيس اطلاع تام على بحار الهند وخواصها وله في ذلك تأليف معتبر منها كتابه الذي سماه "بالمحيط" وصف فيه بحار الهند وصفاً مدققاً وقد تمرن على الغزوات البحرية مع خير الدين باشا الشهير ولما وصل إلى البصرة ورتب أساطيله ووضع فيها ما يلزم من القواد والبحارة أقلع حتى وصل إلى جهات هرمز لمنازلة البورتغاليين هناك وكانت سفنهم ثلاثة أمثال سفنه ومع ذلك فقد انتصر عليهم نصراً مبيناً وأغرق من سفنهم عدداً كثيراً ثم خرجت عليه أنواء عظيمة أتلفت بعض سفنه وألقت بالبعض الآخر على سواحل بلاد الهند فساءت حالته وضعف أمره وخاف قواد السفن الباقية من زوابع البحر المحيط الهندي فأرسى بها على سواحل كجيرات وخرج من بقي بها من الجنود إلى البر وسلم السفن وأدواتها إلى الملك أحمد ملك كجيرات ثم عاد بنحو الخمسين فقط من أتباعه بين رئيس ومرؤس مارين بالبلاد الهندية وبلاد العجم حتى وصلوا إلى الأراضي العثمانية بعد أن صادفوا من الأهوال والمشقات مالا يوصف ذكرها في رحلته المسماة بمرآة الممالك التي كتبها بعد عودته وبعد ذلك صارت الأساطيل العثمانية تتردد على بحار الهند وتنازل البرتغاليين حتى أضعفت سلطتهم وكان لها في ذلك الوقت القدح المعلى في سلوك البحار.