إذا ذُكرت اللغة العربية في محفل أو مؤتمر أو يوم احتفاء، فقلّما يغيب عن الألسنة بيت حافظ إبراهيم الشهير: "أنا البحرُ في أحشائه الدرُّ كامنٌ، فهل سألوا الغوّاصَ عن صدفاتي". لقد صار هذا البيت شعارًا للعربية نفسها، يتردد على ألسنة المعلمين والطلاب والخطباء، وكثير منهم لا يعرف أنه جزء من قصيدة كاملة كتبها شاعر النيل قبل أكثر من قرن، وجعل فيها اللغة العربية تتكلم بلسانها، فتشكو وتعاتب وتحذر وتستغيث. في هذه المقالة نتعرف إلى الشاعر، ثم نقرأ القصيدة كاملة، ونقف عند أبرز معانيها وصورها.
أولًا: الشاعر
مولد على صفحة النيل
وُلد محمد حافظ إبراهيم سنة 1872م، والرواية المشهورة أنه وُلد على متن سفينة كانت راسية على النيل قرب ديروط في صعيد مصر، حيث كان أبوه، إبراهيم فهمي، مهندسًا يشرف على أعمال القناطر هناك. وكانت أمه تركية الأصل. ولعل هذا المولد على صفحة الماء كان نبوءة مبكرة بلقب سيلازمه طوال حياته وبعد مماته: "شاعر النيل".
لم يكد حافظ يبلغ الرابعة حتى توفي أبوه، فانتقلت به أمه إلى القاهرة، وعاش في كنف خاله، ثم انتقل معه إلى طنطا. وعرف الفتى في هذه المرحلة مرارة اليتم وضيق العيش، وتنقّل بين المدارس دون أن يستقر في واحدة منها، كما حاول العمل في مكاتب بعض المحامين. ويُروى أنه شعر في لحظة بأنه أصبح عبئًا على خاله، فترك له بيتين من الشعر يعتذر فيهما ويرحل، وهي حكاية تكشف مبكرًا عن نفس حساسة أبية.
الضابط الشاعر
التحق حافظ بالمدرسة الحربية، وتخرج فيها ضابطًا سنة 1891م، ثم أُرسل إلى السودان ضمن الحملة المصرية هناك. ولم تكن الحياة العسكرية في السودان على هوى الشاعر الذي كان يتطلع إلى القاهرة وصحبة الأدباء، فضاق بها، وشارك في احتجاج مع عدد من الضباط، فأُحيل إلى الاستيداع ثم إلى المعاش. وعاد إلى القاهرة ليبدأ مرحلة جديدة كان الشعر فيها رأس ماله الوحيد.
في القاهرة اتصل حافظ بالإمام محمد عبده، ولازم مجلسه، وتأثر بأفكاره الإصلاحية، كما ارتبط بصداقة متينة مع عدد من رجال الفكر والسياسة. وفي هذه المرحلة نضجت شاعريته، وصار صوتًا للشعب المصري في قضاياه الوطنية والاجتماعية. وفي سنة 1911م عُيّن رئيسًا للقسم الأدبي في دار الكتب المصرية، وظل في هذا المنصب حتى قبيل وفاته.
شاعر الشعب
إذا كان أحمد شوقي قد لُقّب "أمير الشعراء"، فإن حافظ إبراهيم لُقّب "شاعر النيل" و"شاعر الشعب". فقد كان قريبًا من هموم الناس البسطاء، يكتب عن الفقر والجهل والاحتلال، ويرثي الزعماء الوطنيين، ويصف حادثة دنشواي سنة 1906م بقصيدة غاضبة صارت من وثائق الوجدان المصري. كما كتب عن المرأة وتعليمها، وعن الإصلاح الاجتماعي، وعن الأحداث الكبرى في العالم العربي والإسلامي.
وإلى جانب الشعر، ترجم حافظ جزءًا من رواية "البؤساء" لفيكتور هوغو إلى العربية بأسلوب أدبي رصين، كما كتب "ليالي سطيح"، وهو عمل نثري يمزج بين الحكاية والنقد الاجتماعي. وقد جُمع شعره بعد وفاته في ديوان مشهور شارك في تحقيقه وضبطه عدد من أعلام الأدب.
توفي حافظ إبراهيم في 21 يونيو سنة 1932م، ولم يمضِ على رحيله إلا شهور قليلة حتى لحق به صديقه ومنافسه أحمد شوقي في أكتوبر من العام نفسه، فطُويت بذلك صفحة جيل كامل من رواد الشعر العربي الحديث.
ثانيًا: القصيدة
سياق القصيدة
كتب حافظ هذه القصيدة في مطلع القرن العشرين، في زمن اشتدت فيه الدعوات إلى استبدال العامية بالفصحى في الكتابة والتعليم، وروّج لها عدد من المستشرقين والموظفين الأجانب في مصر، كما تأثر بها بعض المثقفين المصريين. وكانت الحجة المرفوعة أن الفصحى لغة قديمة جامدة، عاجزة عن مجاراة العلوم الحديثة والمخترعات الجديدة. فجاءت القصيدة ردًا شعريًا على هذه الدعوات، واختار حافظ أسلوبًا فنيًا مؤثرًا: أن يجعل اللغة العربية نفسها هي المتكلمة، كأنها أمّ تخاطب أبناءها الذين هجروها.
نص القصيدة
رَجَعتُ لِنَفسي فَاتَّهَمتُ حَصاتي ... وَنادَيتُ قَومي فَاحتَسَبتُ حَياتي
رَمَوني بِعُقمٍ في الشَبابِ وَلَيتَني ... عَقِمتُ فَلَم أَجزَع لِقَولِ عُداتي
وَلَدتُ وَلَمّا لَم أَجِد لِعَرائِسي ... رِجالًا وَأَكفاءً وَأَدتُ بَناتي
وَسِعتُ كِتابَ اللَهِ لَفظًا وَغايَةً ... وَما ضِقتُ عَن آيٍ بِهِ وَعِظاتِ
فَكَيفَ أَضيقُ اليَومَ عَن وَصفِ آلَةٍ ... وَتَنسيقِ أَسماءٍ لِمُختَرَعاتِ
أَنا البَحرُ في أَحشائِهِ الدُرُّ كامِنٌ ... فَهَل سَأَلوا الغَوّاصَ عَن صَدَفاتي
فَيا وَيحَكُم أَبلى وَتَبلى مَحاسِني ... وَمِنكُم وَإِن عَزَّ الدَواءُ أُساتي
فَلا تَكِلوني لِلزَمانِ فَإِنَّني ... أَخافُ عَلَيكُم أَن تَحينَ وَفاتي
أَرى لِرِجالِ الغَربِ عِزًّا وَمَنعَةً ... وَكَم عَزَّ أَقوامٌ بِعِزِّ لُغاتِ
أَتَوا أَهلَهُم بِالمُعجِزاتِ تَفَنُّنًا ... فَيا لَيتَكُم تَأتونَ بِالكَلِماتِ
أَيُطرِبُكُم مِن جانِبِ الغَربِ ناعِبٌ ... يُنادي بِوَأدي في رَبيعِ حَياتي
وَلَو تَزجُرونَ الطَيرَ يَومًا عَلِمتُمُ ... بِما تَحتَهُ مِن عَثرَةٍ وَشَتاتِ
سَقى اللَهُ في بَطنِ الجَزيرَةِ أَعظُمًا ... يَعِزُّ عَلَيها أَن تَلينَ قَناتي
حَفِظنَ وِدادي في البِلى وَحَفِظتُهُ ... لَهُنَّ بِقَلبٍ دائِمِ الحَسَراتِ
وَفاخَرتُ أَهلَ الغَربِ وَالشَرقُ مُطرِقٌ ... حَياءً بِتِلكَ الأَعظُمِ النَخِراتِ
أَرى كُلَّ يَومٍ بِالجَرائِدِ مَزلَقًا ... مِنَ القَبرِ يُدنيني بِغَيرِ أَناةِ
وَأَسمَعُ لِلكُتّابِ في مِصرَ ضَجَّةً ... فَأَعلَمُ أَنَّ الصائِحينَ نُعاتي
أَيَهجُرُني قَومي عَفا اللَهُ عَنهُمُ ... إِلى لُغَةٍ لَم تَتَّصِل بِرُواةِ
سَرَت لوثَةُ الإِفرِنجِ فيها كَما سَرى ... لُعابُ الأَفاعي في مَسيلِ فُراتِ
فَجاءَت كَثَوبٍ ضَمَّ سَبعينَ رُقعَةً ... مُشَكَّلَةَ الأَلوانِ مُختَلِفاتِ
إِلى مَعشَرِ الكُتّابِ وَالجَمعُ حافِلٌ ... بَسَطتُ رَجائي بَعدَ بَسطِ شَكاتي
فَإِمّا حَياةٌ تَبعَثُ المَيتَ في البِلى ... وَتُنبِتُ في تِلكَ الرُموسِ رُفاتي
وَإِمّا مَماتٌ لا قِيامَةَ بَعدَهُ ... مَماتٌ لَعَمري لَم يُقَس بِمَماتِ
ملاحظة: نُقل النص عن الديوان كما تتداوله الطبعات المشهورة، وقد تختلف بعض الألفاظ اختلافًا يسيرًا بين طبعة وأخرى.
ثالثًا: قراءة في القصيدة
البناء العام
القصيدة من بحر الطويل، وهو من أكثر البحور جلالًا وفخامة، وقد اختاره حافظ ليناسب مقام الشكوى الوقورة لا البكاء المنكسر. وقافيتها التاء المكسورة الموصولة بالياء في الغالب: حصاتي، حياتي، عداتي، بناتي... وهي قافية تحمل نبرة الأنين والتحسر، وتجعل ضمير المتكلم (ياء النسبة) حاضرًا في نهاية كل بيت تقريبًا، كأن اللغة تشير إلى نفسها في كل مرة: هذا أنا، هذه حياتي، هذه بناتي.
ويمكن تقسيم القصيدة إلى أربع حركات: حركة الدفاع عن النفس ودفع تهمة العقم، ثم حركة الفخر بالقدرة والسعة، ثم حركة العتاب والمقارنة بالغرب، وأخيرًا حركة النداء الأخير بين الحياة والموت.
الحركة الأولى: دفع تهمة العقم
تبدأ القصيدة ببيت يصور اللغة وقد رجعت إلى نفسها تراجع حسابها، فاتهمت "حصاتها"، أي عقلها ورأيها، ثم نادت قومها فلم يجيبوها، فاحتسبت حياتها عند الله كمن يئس من النجاة. إنها بداية مأساوية تضع القارئ مباشرة في قلب الأزمة.
ثم تأتي التهمة: "رموني بعقم في الشباب". والعقم هنا هو العجز عن توليد الألفاظ الجديدة للمعاني الجديدة. وترد اللغة بمرارة: ليتني كنت عقيمًا فعلًا، إذن لما جزعت من كلام الأعداء. ثم تأتي الصورة الأقسى في القصيدة كلها: "ولدتُ ولمّا لم أجد لعرائسي رجالًا وأكفاءً وأدتُ بناتي". فاللغة ليست عقيمة، بل ولّادة، لكن بناتها، أي ألفاظها ومعانيها، لم تجد من يستحقها ويستعملها، فكان مصيرها الوأد والنسيان. وفي استدعاء صورة الوأد الجاهلية إيحاء بأن هجر اللغة جريمة تشبه تلك الجريمة القديمة.
الحركة الثانية: الفخر بالسعة
تنتقل اللغة إلى حجة منطقية قوية: لقد وسعتُ كتاب الله بكل ما فيه من ألفاظ وغايات وآيات ومواعظ، فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة أو تسمية مخترع؟ إنه استدلال بالأعلى على الأدنى، فمن استوعب أعظم نص في تاريخها لن يعجز عن استيعاب أسماء الأدوات والمخترعات.
ثم يأتي البيت الذي صار أشهر أبيات القصيدة: "أنا البحر في أحشائه الدر كامن، فهل سألوا الغواص عن صدفاتي". فالعيب ليس في البحر، بل في من لم يغص فيه. واللغة مليئة بالكنوز، لكن هذه الكنوز لا تطفو على السطح، بل تحتاج إلى غواص ماهر يبحث عنها. وهذه دعوة صريحة إلى العلماء والأدباء أن يجتهدوا في البحث في معاجم العربية وتراثها، بدل أن يتهموها بالفقر.
الحركة الثالثة: العتاب والمقارنة
تلتفت اللغة إلى أبنائها بنبرة حانية حزينة: "فيا ويحكم أبلى وتبلى محاسني، ومنكم وإن عز الدواء أُساتي". فالأطباء الذين يمكن أن يداووها هم أبناؤها أنفسهم، وفي تحذيرها "أخاف عليكم أن تحين وفاتي" معنى عميق: إن موت اللغة ليس موتها وحدها، بل هو خسارة لأهلها قبل كل شيء.
ثم تقارن اللغة بين حال العرب وحال الغرب: لقد عزّ رجال الغرب بعزّ لغاتهم، وأتوا أهلهم بالمعجزات العلمية، فليتكم يا أبنائي تأتون بالكلمات على الأقل. وفي هذا البيت ربط ذكي بين النهضة العلمية والنهضة اللغوية، فالأمم التي تقدمت لم تتخل عن لغاتها، بل طوّعتها للعلم الجديد.
وتصف اللغة دعاة العامية بـ"الناعب"، أي الغراب، الذي ينادي بوأدها في ربيع حياتها، وتعجب كيف يطرب أبناؤها لصوته. ثم تتذكر "الأعظم" في "بطن الجزيرة"، أي رفات الأجداد العرب الأوائل الذين حفظوا ودّها، وتفخر بهم أمام الغرب، بينما الشرق مطرق رأسه حياءً.
الحركة الرابعة: الصحافة والنداء الأخير
يلتفت حافظ إلى واقع عصره بدقة، فيذكر الجرائد التي تنشر كل يوم ما يقرّب اللغة من قبرها، والكتّاب الذين يملؤون مصر ضجيجًا، فإذا هم "نُعاتها"، أي من يعلنون خبر موتها. ثم يصف اللغة الهجينة التي يدعو إليها هؤلاء بأنها "لغة لم تتصل برواة"، لا أصل لها ولا سند، وقد سرت فيها عجمة الإفرنج كما يسري سم الأفاعي في الماء العذب، فجاءت كثوب مرقّع بسبعين رقعة مختلفة الألوان. وهي صورة ساخرة لاذعة، تجعل القارئ يرى بعينيه قبح هذا الخليط.
وتختم القصيدة بنداء إلى "معشر الكتّاب"، فتبسط اللغة رجاءها بعد أن بسطت شكواها، وتضعهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما حياة تبعث الميت من البلى، وإما موت لا قيامة بعده، موت لا يشبهه موت. وهكذا تنتهي القصيدة بلحظة مصيرية مفتوحة، تجعل المسؤولية على عاتق القارئ والكاتب معًا.
رابعًا: لماذا بقيت القصيدة حيّة؟
مضى على هذه القصيدة أكثر من قرن، وتغيرت ظروف كثيرة، فقد أنشئت مجامع اللغة العربية في القاهرة ودمشق وبغداد وغيرها، ووُضعت آلاف المصطلحات العلمية بالعربية، ودخلت العربية الفضاء الرقمي ومحركات البحث. ومع ذلك تبقى القصيدة حيّة لأسباب عدة:
- لأن السؤال الذي طرحته لم يُحسم بعد، فالتحدي اليوم لم يعد العامية وحدها، بل هيمنة اللغات الأجنبية في التعليم الجامعي وسوق العمل ووسائل التواصل.
- لأن حجتها المركزية صحيحة في كل زمن: اللغة لا تفتقر بذاتها، بل تفتقر حين يهجرها أهلها.
- لأن أسلوبها الفني، بتشخيص اللغة وجعلها أمًّا تخاطب أبناءها، يصل إلى القلب قبل العقل.
- لأنها كتبت بلغة واضحة نسبيًا، مقارنة بكثير من شعر عصرها، فسهل حفظها وتداولها.
خاتمة
كان حافظ إبراهيم شاعر الشعب في همومه اليومية، لكنه في هذه القصيدة كان شاعر الأمة في همّها الأكبر: هويتها ولسانها. ولم يكتب قصيدة حماسية تمجد العربية تمجيدًا مجردًا، بل كتب مرافعة شعرية متكاملة، فيها الحجة والصورة والعاطفة والتحذير. ولعل أجمل ما نفعله احتفاء بهذه القصيدة ليس أن نكرر بيتها الشهير في المناسبات، بل أن نكون نحن "الغواصين" الذين يبحثون عن صدفات البحر، فيكتبون بالعربية ويعلّمون بها ويبدعون فيها، حتى تبقى، كما أرادها حافظ، حياةً تبعث الميت في البلى، لا موتًا لا قيامة بعده.