بن عطية كمال

*  باحث من الجزائر

 

خطاب العتبات

" أخبار الدار على عتبة الدار "  مثل مغربي

نحاول من خلال هذا المثل المغربي ، أن نعي مقولة العتبات «  seuils» في المجال الأدبي ودورها وطبيعتها والإشكالات النصية والأيقونية التي تطرحها ، خصوصا في الكتابات والإبداعات الحداثية التي أصبحت لا تمنح نفسها بسهولة للقارئ ، فقد صب الدرس النقدي الأدبي الحديث كل اهتمامه  بالعتبات أو ما يصطلح عليه بالنص الموازي «  le Paratexte» وهي كل مايحيط بالنص ويوازيه ويصاحبه كالعنوان الرئيسي ، والعناوين الداخلية والثانوية ، والصور الأيقونية المصاحبة ، والمقدمات والحواشي ، والشروحات ، وكلمة الصفحة الرابعة من الغلاف .....  الخ ، وقد قام العديد من النقاد أمثال ليوهوك (leo hoek) هنري ميترو ( ITTERANDM.H ) وشارل غريفل (Ch.Grivel  ) وتودروف(T.todorove  ) وجيرارجينيت (Gérard Genette ) ،  وخاصة - هذا الأخير - حيث  أفرد الناقد الفرنسي " جنيت " كتابا خاصا بالمناص سماه عتبـــات «  seuils» وتحدث فيه عن علاقة النص بعتباته ، حيث أنها تمنح حضور النص وتضمن مثوله في العالم ومن ثم استهلاكه على شكل كتاب على الأقل.

وقد عرضت  العتبات  على مجموعة من المناهج النقدية ( بنيوية ، شعرية ، سيميائية ....) وذلك في سبيل استكناه أبعادها الدلالية والجمالية والتواصلية ، وقد أثبت  المنهج السيميائي قدرته وفعاليته على سبر أغوار  حقل العتبات من حيث أنها  تؤسس للعمل الأدبي  وتهبه مشروعية الوجود ، أضف أنها تمثل حلقة وصل مهمة بين عالم النص وعالم المتلقي ، فمن خلال هذه العتبات سيحدد القارئ متابعة هذا  العمل الأدبي أو لا ، فإما أن تحدث إقبالا و إثارة وإعجابا ، وإما أن تحدث نفورا وعزوفا  ويعرف جيرار جنيت المناص ( العتبات ) كالتالي :  " إن المناص يتكون من مجموعة شاذة أو غير متجانسة من الممارسات والخطابات المختلفة ومن أي نوع وأي سنن والتي سأجعلها مؤتلفة تحت هذا المفهوم باسم وحدة المصالح أو تقارب الآثار، والتي تبدو لي أكثر أهمية من تنافر مظاهرها([1] )

إن تحديد عنصر مناصي ما يتطلب تحديد موقعه والمرتبط بسؤال ( أين ؟) ، وزمن ظهوره واحتمال زمن غيابه ( متى؟ ) ، وصيغة وجوده اللغوي وغيره ( كيف ؟ ) وخاصيات تواصله بين المرسل والمرسل إليه ( من وإلى من   ؟  ) والوظائف التي تحرك الرسالة ( لأية غاية أو لماذا ؟ ) ، وواضح أن هذه الأسئلة تحيل إلى الخصائص الآتية :

                       المكانية – الزمانية – الماهية – التداولية – الوظيفية

فالمناص بصفته رسالة مادية يحتاج إلى مكان ، فإما أن يكون حول النص مثل : العنوان ، التمهيد ، عناوين الفصول ، صورة الغلاف ، الصفحة الرابعة ، وهو ما يطلق عليه جنيت : بالنص المحيط (péritexte ) ، أو خارج النص مثل : المقابلات أو الاستجوابات أو بعض العناصر ذات الخصوصية مثل : المراسلات ، التعليقات ، الهوامش ، الشروحات... وهو ما يطلق عليه جينيت النص الفوقي (  épitexte).

وبناء على هذه الأهمية القصوى للعتبات ، فإنه من الأجدى جماليا ووظيفيا وحتى تجاريا ، أن يعي كل من المبدع والناشر هذه الأهمية البالغة ، وأن يسخّروا كل إمكاناتهم الإبداعية والتقنية والخيالية للوصول إلى صناعة احترافية للعتبات قادرة على إغواء القارئ وإثارته واستفزازه وجذبه إلى قراءة النص والإقبال عليه ، فكم من نص جميل حكم عليه بالموت بسبب عدم الاعتناء بعتباته ، وهجره القارئ إما لضعف عنوانه أو لضعف في طريقة إخراجه . 




[1] -1987 .p 08 .  Paris.seuils . ed du seuil  .Gérard Genette-