أثر العقائد الاسماعيلية في شعر عمارة اليمني
وُلد الشاعر العربي الفقيه نجم الدين عمارة اليمني في مرطان باليمن سنة 531 هـ ، وتنقل بين اليمن ومكة ومصر ، كان على جانب عظيم من العلم والفضل والأدب ، وترك بصمات واضحة في الحياة الأدبية والسياسية في زمانه .
لم يثبت بشكل قاطع أن عمارة كان شيعياً ، وربما أمكن الجزم بذلك استناداً إلى دليلين :
- مقاطعته لمجلس الوزير طلائع بن رزّيك عندما تعرّض أحد الحاضرين للشيخين بالإساءة .
- قوله الصريح في قصيدته العينية عن الفاطميين :
مذاهبهم في الجود مذهب سنةٍ وإن خالفوني في اعتقاد التشيُع .
وعلى الرغم من هذا فإن العقائد الاسماعيلية قد تركت بصماتها الواضحة على شعر عمارة ، ولعلّ أسباباً عديدة كانت وراء ذلك ، ومن أبرزها :
إقامته في عدن مدة عشر سنين في كنف بني زريع الشيعة من سنة 538 – 548 هـ ، وصلته الوثيقة بأبي بكر العيدي أحد دعاتهم .
رحلته الأولى إلى مصر ، ومحاولة طلائع بن رُزّيك إغراءه بالمذهب الاسماعيلي ، حيث أوعز إلى أهل اليمن بإسقاط ديونه .
رحلته الثانية إلى مصر وإقامته فيها حتى وفاته سنة 569 هـ .
صلته بعدد من الأئمة الفاطميين ووزرائهم ومدحه لهم .
هذا والمتتبع لشعر عمارة يلمح أثر تلك العقائد في أكثر من موضع . ومن ذلك ما ورد في سياق مدحه للدولة الفاطمية في قصيدته التي مطلعها :
الحمد للعيس بعد العزم والهمم *** حمداً يقــوم بما أولــــتْ من النِعــــم
قرّبن بُعد مزار العزّ في نظري *** حتى أتيتُ إمــام العصر من أَمَــــــم
وللإمــــامة أنــــوارٌ مقدّســـــةٌ *** تجلو النقيضين من ظلـم ومن ظُلَــــمِ
أقسمت بالفائز المعصوم معتقداً *** فـــوز النجــاة وأجـر البَـر في القسـم
يتضح من الأبيات السابقة بعض تلك العقائد مثل : الإمامة ومبدأ الوصاية والقول بعصمة الإمام ، والتأويل الباطن للأشياء . وقد وصل الحد بالشاعر أن أقسم بالإمام الفائز طلباً للنجاة . ثم يتحدث عن الوزير طلائع فيقول :
حمى الدين والدنيا وأهلهما وزيره الصالح الفرّاج للنعم
وفي قصيدة أخرى يرثي فيها الدولة الفاطمية بعد سقوطها سنة 567 هـ ، يبكي الشاعر عمارة على تلك الدولة ويتمنى عودة أيامها ثانية ، ويُعرّض بالذين عملوا على إسقاطها ، ويتهم الدهر بالعثار لأنه المسؤول عن ذلك الحدث ، ويعتبر دولة الفاطميين بأنها كفّ المجد فيقول :
رميت يــــا دهر كفّ المجد بالشلل *** وجيده بعد حُسن الحَلْـي بــالعَطَلِ
يا لائمي في هــوى أبنـــاء فاطمــة *** لك الملامة إن قصّرت في عذَلي
بالله زر ساحة القصرين وابك معي *** عليهمـا لا علــى صفين والجمــل
وهو هنا يعبر عن حبه للشيعة ويطالب بالبكاء على مجد دولتهم ، ويتهم الأيوبيين بالعمل على إسقاطها ، ويقارن عملهم ذلك بعمل الفرنجة ، فيقول :
ماذا تُرى كانت الإفرنج فاعلة *** في نســل آل النبيّيــن علـــي
ثم يصف قصر الأئمة الخاوي ويقارن الحاضر بالماضي :
مررت بالقصر والأركان خالية *** من الوفود وكانت قِبلة القِبل
ويعبر عن حسرته على ذلك فيقول :
لهفي ولهف بني الآمــال قاطبة *** على فجيعتنا فـي أكرم الدول
ويتضح أثر العقائد الاسماعيلية عند عمارة في قوله :
ورثت الهدى عن نص عيسى بن حيدرٍ *** وفــاطمة لا نــص عيســـى بن مريم
وعندما رثى جدة الإمام العاضد بعد سنة من وفاتها أظهر تأثره بتلك العقائد ، وكذلك ظهرت لديه عندما رثى الصالح طلائع بن رُزّيك ، وعندما مدح شاور ، وعندما رثى زوجته " أم سيف الملك " وعند رثائه لأولاده أيضاً .
أما عندما ألقي القبض عليه من قبل صلاح الدين الأيوبي بتهمة التآمر على الدولة الأيوبية هو وجماعة من رفافه ، فقد كتب قصيدة استعطاف لصلاح الدين يعتذر فيها ، ويبين أن تقربه من الفاطميين كان لدوافع مادية ، وبسبب ديون أرهقته ، وقد مدح نفسه في تلك القصيدة وأظهر حماسته للمذهب الشافعي وحاول درء تهمة التشيع عن نفسه :
أيــــا أذن الدنيا إذا قلت فاسمعـي *** لنفثــة مصـــــدور وأنــّــة مــــوجَع
وفيها يشكو الزمان :
تقاصر بي خطب الزمان وباعـه *** فقصّـر عــن ذرعـي وقصّـر أذرعي
ويمّمت مصراً أطلب الجاه والغنى *** فنلتهمــا فـــي ظــــــل عيــش ممنّـع
وجاد ابن رُزّيك من الجاه والغنى *** بما زاد عن مرمى رجائي ومطمعي
ثم يشير إلى كرم الأئمة والوزراء الفاطميين :
مذاهبهم في الجود مذهب سنّة *** وإن خالفوني في اعتقاد التشيع
ثم يخاطب صلاح الدين :
فقل لصلاح الدين والعدل شأنه *** مَنْ الحَكَم المصغي إليّ فأدعي
ألم ترعني للشافعي وأنتم *** أجلُّ شفيع عند أعلى مشفّع
ويمدح نفسه قائلاً :
فإن سُمتني نظماً ظفرت بمفلقٍ *** وإن سمتني نثراً ظفرت بمصقعِ
غير أنّ هذه القصيدة لم تفلح في حصول عمارة على رضا صلاح الدين الأيوبي . حيث حاكم عمارة وأعدمه شنقاً في رمضان سنة 569 هـ .
إن الدارس لشعر عمارة اليمني يرى فيه شاعراً قديراً ومطبوعاً يوازن بين الألفاظ والمعاني ، لا يميل إلى الصنعة اللفظية إلا ما ورد منها عفو الخاطر ، كذلك يتبين الدارس لشعره وسيرته أن أثر العقائد الاسماعيلية واضح في شعره ؛ وهذا ليس غريباً ، فالشاعر ابن بيئته يتفاعل معها ويتأثر بها ، ومع ذلك فقد ظل على مذهبه السني الشافعي ، كما اتضح من قصيدته التي نظمها في أواخر أيامه ، وفيها أظهر حماسته للشافعية التي تعلمها وتأثر بها أثناء إقامته في كنف بني جناح في " زبيد " باليمن .
بقلم : د. محمد الجاغوب
المراجع :
- النكت العصرية في أخبار الوزارة المصرية ، عمارة اليمني ،
الناشر: مدبولي ، سنة النشر :1997
المفيد في أخبار زبيد ، لعمارة اليمني .
ديوان عمارة اليمني . وفيات الأعيان ، لابن خلّكان ، الجزء الأول .