كيف تؤمن بالله ؟ وكيف ترى الله ؟
رأيي الخاص أن الدين يفضي إلى الفلسفة ، والفلسفة هي الوجه الآخر للدين . التفكير المنطقي والسويّ يؤدي إلى الاعتراف بوجود إله واحد أحد هو من خلق هذا الكون بأسره . لكنني لا أعرف مكانه تحديدًا هل هو في السماوات ، أم في الأرض ؟ لا أعرف مكانه لسببٍ بسيط هو أنه من خلق المكان . فلا يمكن قياسه بشيءٍ من

مخلوقاته.
لا يمكن أن أصف الله بأنه كيان عبقري ومبدع ، لأن الله هو من خلق كل الكيانات ، وخلق العقل والذكاء والعبقرية والإبداع . وهذه مقاييس إنسانية وليست مقاييس إلهية ، كي أصف بها الإله الواحد .
لو أن الإنسان اخترع الروبوت الآلي بالذكاء الإصطناعى ، ثم طلب من هذا الروبوت أن يصف الإنسان ، فلن يكون الوصف صحيحًا لو وصف الروبوت الإنسان بأنه ( برنامج عبقري متطور ) أو أنه ( قاعدة بيانات قوية ). هذه المواصفات لا تصف الواقع فعلا.لأن أكثر كلمة تعبر عن الإنسان هي أنه إنسان . لو لم يوضع في ذاكرة الروبوت كلمة ( إنسان ). فسيفشل الروبوت في وصفه.
مصطلحات ومفاهيم الروبوت ، مفاهيم صنعها الإنسان ، وهي مفردات تقنية أو اليكترونية ، وهي تظل عاجزة وقاصرة أمام المفاهيم والمفردات الإنسانية ، فمفهوم ( قاعدة البيانات ) مفهوم قاصر أمام مفهوم ( مرجعية علمية أو معلوماتية ). لأن المعلومات هي المرحلة المتقدمة للبيانات بعد تشغيلها ، وكلمة قاعدة تدل على شيء ثابت غير مرن ، في حين أن المرجعية هي معرفة متكاملة .
بنفس المنطق فالمفاهيم الإنسانية قاصرة وعاجزة أمام المفاهيم الإلهية . فلا يمكن أن يعبر عن الإله إلا ( إله ).
إن الله موجودٌ في كل مكانٍ حولي ، وأنا أشعر به في أنفاسي ، وفي دقاتِ قلبي ، وبين جوانحي ، وفي الموجوداتِ من حولي. أشعر به في داخلي ، وفي خارجي.
إن الله موجودٌ في كل ذرة من ذراتِ هذا الوجود ، حين قال " منصور الحلاج " : (ما في الجُبّـةِ غير الله ). اتهموه بالزندقة والكفر . لأنهم ظنوا أنه يدعى الإلوهية ، لكنهم لم يفهموا المرحلة الإيمانية التي وصل إليها . أنه يشعر بامتزاجه بمخلوقات الله ، وبالطبيعة وبالوجود من حوله. وأن كل هذا الكون وجودٌ واحدٌ بأنفسٍ متفاوتة ، وقد تجلى الله تعالي فيها كلها.
(ما في الجُبةِ غير الله ). لأن الله في داخلي ، وقد سيطرت تعاليمه على كل جوارحي ، فلم يعد بداخلي غير الله ، وقد تضاءلت أمام عظمته كل نفسي ، وكل شروري و آثامي . ويقول الحلاج كذلك : النقطة أصل كل خط، والخط كله نقط مجتمعة. فلا غنى للخط عن النقطة، ولا للنقطة عن الخط. وكل خط مستقيم أو منحرف فهو متحرك عن النقطة بعينها، وكل ما يقع عليه بصر أحد فهو نقطة بين نقطتين. وهذا دليل على تجلّي الحق من كل ما يشاهد وترائيه عن كل ما يعاين. ومن هذا ُقلت: ما رأيت شيئاً إلاّ ورأيت الله فيه.
هكذا أري الله ، وأحبه . وهكذا أؤمن بوجوده ، وأعترفُ له بالإلوهية ، والوحدانية .
وينبثق من هذا الحب وجودي بأكمله ، ويدل على هذا الحب أفعالي . ورغبتي الشديدة في أن يكون الله هو قدوتي و أسوتي . فأحاول التشبه بصفاته التي حدثنا عنها ، وقد أخبرنا الله تعالي عن تسعة وتسعين اسمًا أو صفة من صفاته. وهي نفسها صفات الله – تعالي – التي أحاول التشبه بها ، والسير على نهجها.
وباعترافي بإلوهية الله – تعالي – تأتى أفعالٌ أخرى تدل على هذا الاعتراف ، وهذا الإيمان ، وهى العبادة . عبادة هذا الإله الذي خلقني وخلق كل شيء ، عبادته حبًا له ، وإيمانًا به وبوجوده ، العبادة التي تقربني منه وتجعلني ألتقي به .
لا يمكنني أن أدعى أنني أحب الله ، وأعترف له بالإلوهية والوحدانية . بالكلام فقط . ولكن لا بد مما يقر هذا الحب و هذا الإيمان . ويدل على وجودهما.
السؤال الآن : كيف اخترت أن تحيا وقد عرفت الله ؟
إن الحياة أمامنا واسعة وشاسعة . مساحاتٌ من الأفعال الحرة التي في اختيارك أن تفعلها ، وتقوم بها ، وترفض وتثور فيها على كل العادات والتقاليد والطقوس والروابط التي تمنعك عما تريد أن تقوم به .
هذه حريتك ، وكونك لا تفعل هذا ، فهذا يعنى تنازلك عن هذه الحرية بكامل رغبتك ، وقبولك للقيد . لكنه لا يعني أنك لست مخيرًا فيما تقوم به .
إذا أمرك / نصحك / وصاك أحدٌ بشيءٍ ، فلك الحرية في أن تقبله أو ترفضه .هذه هي الحرية التي جُبلت عليها .
من وسط كل هذا ، أيُ جانبٍ من الحياة قررت أن تحياه ؟ وكيفَ قررتَ أن تحيا فيه ؟ والسؤال الأهم : لماذا قررتَ أن تحيا فيه ، وبهذه الكيفية؟
أنت ستحيا الحياة التي تعبر عنك . التي سيفرضها عليك فكرك واتجاهاتك السلوكية . فمن وسط هذه الحياة الشاسعة ، أين قررت أن تترك نفسك تقودك ؟ وهل ستندم – في نهاية حياتك - على شيءٍ فاتك ولم يسعفك الوقت ولا التفكير في أن تفعله أو تصل إليه ؟
أن تحدد اتجاه مسارك في بداية الطريق ، هذا يتطلب أن تحدد هدفك من هذه الحياة منذ البداية . وبشكل أكثر وعيًا وإدراكًا. أنت ستحدد هدفك الذي سيعبر عن كينونتك. فإذا وصلت إليه في النهاية . رضيت لما وصلت إليه لأن هذا ما يساوي قيمة حياتك . فما هي قيمة حياتك ؟
بالنسبة لي : أنا اخترتُ أن أحيا كـ عابر سبيل.
حينما أنظر إلى الحيوات السابقة من حولي ، أو أقرأ عنها في كتب التاريخ . أتوقف للحظاتٍ وأتساءل : ما هي القوى التي كانت تحركهم ؟
وما الذي دفعهم لهذه الأفعال بالضبط ؟ وما الذي تبقي لهم الآن بعد أن انتهت كل حيواتهم.
ولنأخذ مثالاً في سيرة "إخناتون" الذي أحبه بشكلٍ خاصٍ . هذا إنسانٌ قضي حياته بحثًا عن الحقيقة ، حقيقة هذه الحياة ، وحقيقة خالقها . فكانت قيمة حياته هي الحقيقة التي وصل إليها ، ودعي لها . هو لم يكن رسولاً ولا نبيًا ، بل مجرد إنسان قرر أن يبحث عن الحقيقة ، ويكافح من أجل الوصول إليها والدعوة لها .
ولنتساءل عن القيم التي كان يدافع عنها أعداؤه كهنة آمون ؟ إنها قيم دنيوية جدًا ، ومادية . يدافعون عن سلطاتهم التي كانوا يستمدونها من آمون ، ولم يفكروا للحظة في البحث عن الحقيقة ، ومحاولة التفكر في الإيمان بالله .
قيم حياتهم كانت مادية وزائلة ، وحينما أتوقف وأنا أقرأ سيرهم أتساءل : أين هم الآن ؟ وكم كانت هاماتهم ضئيلة وحقيرة ولا تتساوى إلا مع ما سعوا إليه ! لقد انتهوا وانتهى سلطانهم ولم يعد يبقي من وجودهم أي شيء . وهكذا أرادوا أن يعيشوا حياتهم.
لكي تعرف كيف تريد أن تحيا هذه الحياة ، يجب أن تحدد كيف ترى الحياة ؟
الحياة – بالنسبة لي – نسبية جدًا ، لا توجد فيها ثوابت ولا مطلق . كل شيءٍ مرتبطٌ بآخر في حلقاتٍ متصلة لا نهائية .
لا يوجد صوابٌ مطلق ، ولا خطأٌ مطلق. لأنهما في كل الأحوال يجب ربطهما بالموقف أو الحدث ووضع المقاييس العقلية لقياس مدى الصواب والخطأ . ربما لهذا اخترعوا الاستثناءات من القواعد والقوانين .
حتى الحياة والموت كذلك نسبيين. وأعنى هذا حقيقةً لا مجازًا . فلا موتُ الجسدِ موت ، ولا موتُ الروحِ موتٌ حقيقي . ليس كل من يحيا بجسده فهو حي . وليس كل من تذويه القبور ميتٌ . أنا أعنى هذا بالفعل. ولا دخل للخيال أو الرمزية أو الرومانسية أو الرؤى الفكرية في الموضوع .
فإدراك الحياة بدوره نسبي جدًا ، ونحنُ لم ندرك - في الحقيقة - الطبيعة التي حولنا ، و لا الأحداث على مر العصور ، ولا الحياة بأكملها ، لأننا ندركها بحواسنا : اللمس ، النظر ، السمع ، الشمّ ، و التذوق. لو نظرنا إلى حقيقة هذه الحواس سنجدها قاصرة جدًا .
النظر على سبيل المثال ، في أفضل حالاته وأروعها ، لا يرى دقائق الأجسام الصغيرة ، ولا ضخامة الأجرام البعيدة. لا يرى تفاصيل الأجساد ولا يتخللها ، ولو كانت العين ترى بأشعةٍ أخرى غير الضوء ، لاختلفت تمامًا طبيعة الحياة والموجودات التي ندركها .
العالم المُدرك عن طريق عيوننا ، هو عالم مختلف في الحقيقة عن العالم الخارجي الفعلي ، لأن الإدراك الذي يأتينا عن طريق العقل هو صورة متكونة في داخلنا عن طريق النظر، العين التي تلتقط الترددات أو الذبذبات أو الإشارات الكهربية عن طريق الفوتونات أو الحزم الضوئية فتنقلها للعقل الذي يفسرها في شكل صورة وألوان ومجسمات ، لكن الحقيقة أنه لا توجد ألوان ،النظرية القديمة عن أن الأجسام تمتص كل الألوان عدا لونًا يكون هو لون هذا الجسم يمكن فهمها بشكل آخر ، هو أن الجسم يعكس ترددًا ما تنقله الفوتونات إلى العين التي ترسله للعقل الذي يعطى لونًا ما لهذا التردد بعينه ، ويختلف هذا اللون في طبيعته من إنسان لآخر وفقًا لتفسير كل عقل ، فما يمكن أن أعتبره أنا أحمر تراه أنت أخضر ، لكننا في النهاية اجتمعنا على تسمية هذا التردد باللون الأحمر ، هنا نكتشف بصعوبة أن كل إنسان يرى العالم الخاص به – إذا قسنا هذا التفسير على باقي الحواس – والذي يمكن أن يختلف تمامًا عن عالم الآخر ، والذي بدوره - و في الحقيقة – لا يقابل أصل المادة الموجودة في العالم الخارجي .
السمع – كمثالٍ آخر – عبارة عن تحويل الموجات الترددية ، إلى صوت مسموع ، لكن في حقيقة العالم الخارجي لا يوجد صوت ، ولكنها مجرد طاقة تختلف طبيعة إدراكها من مخلوقٍ لآخر.
إن الحقيقة المتواجدة في العالم الخارجي ندركها بأشكالٍ مختلفة ، لنكون ما نعرفه عنها وهو ( العالم المُدرك ) هذا العالم – والذي يختلف إدراكنا له بدوره – هو جزء من الحقيقة . وفهمنا لها فهمًا نسبيًا . فلا توجد في مداركنا حقائق مطلقة .
هذا العالم المدرك هو في عقولنا نحن ، ولا صلة له بالواقع الحقيقي إلا في فهمنا له. فإذا اختلفت الحواس ، أو صنعنا من الأجهزة ما يُدرك العالم الخارجي بمقاييس مختلفة ، ستتضح لنا أشياءٌ جديدة.
تخيل إذن أن الإنسان محبوسٌ في داخله ، وأن الإنسان لا يحيا داخل المكان ، بل المكان هو الذي يعيش داخله عن طريق الصورة المُدركة داخل عقله.ولا يعيش داخل جسده ، بل جسده هو ما يعيش في داخله كأي عالمٍ مُدركٍ من العالم الخارجي الذي لا نعرف حقيقته.
حتى حقائق الحياة نسبية ، معرفتنا بالزمن ، وبالحياة ، وبالوجود الذي نحياه كلها تتم على معايير نسبية ، ندرك من خلالها أجزاء من الحقيقة.
هناك العديد من المفاهيم التي أدركتاها تباعًا لنظرية "اينشتين " في النسبية . نسبية الزمن ، أهم النقاط التي تحدث فيه الكثيرون. بالإضافة إلى نسبية القياس .

بدورنا يمكننا استخدام نسبية القياس على كل الأمور المنطقية والفلسفية في حياتنا لنكتشف أنه لا توجد معانٍ مطلقة ، ولا صواب وخطأ مطلق ، ولا مفاهيم وقوانين مطلقة .
كيف يمكن للإنسان إذن أن يتخطى بعقلهِ فوق كل هذه النسبيات كي يدرك الحقيقة المطلقة ، ولا يوجد في مداركنا ولا في وجودنا حقائق مطلقة إلا الله سبحانه وتعالي ؟
إن إيماننا بالحقيقة المطلقة - وهي الله - ، وتشبثنا بها هو الطريق الوحيد لفهم الحياة ، والوصول إلى إدراك كامل ومطلق لهذه الحياة.
من هنا يأتي تشبثي بإيماني بالله تعالي . وهذا التشبث ناتج من طريقة فهمي للحياة ، وتحديد الطريقة التي أريد أن أحياها بها ، والتي توصلني إلى مبتغاي من هذه الحياة التي أحياها .
إن هدفي في الحياة هو أن أعبر عن وجودي وعن ذاتي ، والذي أثق تمام الثقة في اختلافه عن وجود وذوات الآخرين . ولكي اعبر عن وجودي ، يجب أن أحدد الوجود الذي يحيا فيه وجودي ، وأفهمه بشكلٍ كامل ( لأن وجودنا وحياتنا نسبية ، وهي ترتبط بما حولها في حلقاتٍ مسلسلة لا نهائية ).
من هذا الفهم ستأتي ردود الأفعال لما أقابله في الحياة ، وستأتي قيمي ومبادئي ، ثم مواقفي وأفعالي  و التي تحدد في مجملها قيمة حياتي كما أراها .
إن الإيمان بالذات – يعتمد في رأيي – على الإيمان بالله ، وعلى الرغبة في الوصول إلى الحقيقة التي تحجبنا عنها الكثير من الضلالات مثل الشهوات ، والرغائب ، والأمنيات المادية والدنيوية . التي تتحكم في الإنسان وتحيد به عن الحقيقة . فتصنع له عالمًا كاذبًا لكنه جذابًا فيتشبث به ،ويحارب من أجله ، كي يشبع أمانيه ، فإذا ما أشبعها ، وانتهت حياته عرف الحسرة والندم على قيمة حياته الخاوية التي قضي عمره فيها.
أما فهم وجود الله ، و فهم قـُربنا منه .سيصل بنا لأحلام أخري – ذات قيم أفضل – تجذبنا إليها . فنقترب من الحقيقة ونعيش فيها حتى تكون المطلقات هي ما تهفو إليها أنفسنا . وهذه هي أسمى مراحل الإيمان بالله .
 

 

*******