قد تصمد غزة و قد تباد عن بكرة أبيها ، و قد تتعافى و تواصل

، و قد ننفق أعمارنا نشكو و نتضرع إلى الله تعالى بالدعاء على كل ظالم خائن ولاه الله أمر هذه الشعوب فضرب في الخيانة و الخذلان المثل و القدوة ، و قد ننعي ضعفنا و قلة حيلتنا و هواننا و إن كنت أتمنى ألا يصل هواننا أن "نسرق" !! الشجب و الاستنكار و الرفض من أهله و مبدعيه ، ليبقى الفضل دوماً يمت بالنسب و الصلة لذويه ! و الأولى أن نبحث و نفتش فيما يمكن أن ننتسب إليه و لعل بعضاً من فضله يُنسب إلينا يوماً .

 

ما يجري في غزة ليس بجديد و لن يكون الأول و لا الأخير ، سنة الله ، و له سبحانه حكمة في كل ما يجري على هذه الأرض شئنا أم أبينا ، علمنا أم جهلنا .

 

و لله في أيام دهركم نفحات ! لم تُوصف هذه النفحات يوماً على أنها تجري دوماً وفق ما يتمنى المرء و يشتهي ، فقد تكون نفحة بالمنع ، بالتأجيل ، بالألم ، بالابتلاء على اختلاف صوره .

 

وما يجري في غزة نفحة لنقف ، لا على قيمة الجهاد في نفوسنا و الذي ضعفت همته كثيراً لما أخلدنا إلى الدنيا و تمتعنا بحلالها لدرجة الترف مما ثبط بداخلنا الإحساس الدائم بهذه القيمة ، و قد يشتعل حيناً و يخبو أحياناً

وإنما لنقف ، فقط على ما نحدث به أنفسنا من آمال و أماني ، لا حرج علينا ، و لكن أما آن لحديثنا أن يصل لدرجة الصحيح حين يشتمل مجرد النية بالغزو ؟

ففي الحديث الصحيح :"من لم يغزو أو يحدث نفسه بغزو، مات ميتة الجاهلية". و في رواية "مات على شعبة من الجاهلية".

 

و اللافت للنظر أن التخيير وقع بين مساحتين عظيمتين ، و الثانية أتت نكرة ، فأي غزو ، و بأي إمكانية و على أي نحو ، و لا يتنافى هذا بالطبع مع الإعداد و التخطيط قبل التنفيذ ، يُلحق صاحبه بركب الحضارة التي لا زوال لها .

 

و على ضوء نفحات غزة ، إن لم نحدد موقعنا بالضبط من الجاهلية التي ذُكرت في الحديث و كذلك عكسها ، و نبذل في هذا أقصى ما نستطيع من جهد ، فمتى ؟

إن لم تكن فرصة لنبحث عن هذا الفضل الذي يمكن أن ننتسب إليه يوماً من خلال تأسيس جيل يُناط به تحرير فلسطين ، فمتى و كيف ؟

 

هذا الجيل لن يُولد بين عشية و ضحاها ،  وليس ثمة اثر و لا دليل أن تأسيسه وقف على شعب بعينه و لكنه نتاج تراكمي لمقدمات طويلة لعل البدء بإعدادها قد شرع فيه أقوام ، و أقوام ما زالوا يراوحون في أماكنهم ، لكن الفرصة ما زالت مواتية من خلال أحداث كالتي تقع في غزة تُشعل حب الجهاد في سبيل الله في القلوب مرة أخرى و توقظ الهمم فينا حين نتخذ خطوات أكثر عملية و نراجع سلوكيات من يريد "تحديث" ! نفسه بالغزو أدركه أم لم يدركه .

 والدعاوى إن لم يقم عليها بينات ، أصحابها أدعياء.

 

و لا بينة أقوى من النظر في الأحوال على مدار الأيام و الساعات ، بل و العمر كله ، و العمل على تحرير "التقوى" ! محل القبول ، و ركيزة بنيان ، لا على شفا جرف هار يُؤسس فينهار .

 

حين نحرر التقوى على مستوى الفرد ، فلعلنا و لله الحمد نجتنب الحرام و ننأى عن الشهوات و نقيم الشعائر و نحفظ الحقوق ...الخ

 

و لكن أوَ ليس من التقوى أن نقوم بإعداد إحصائية حول حفظة كتاب الله في وطننا العربي مقارنة بمن أتقن تفسيره و تدبر آياته ، ذلك حين حررها ابن تيمية ، منذ قرون ، في هذا الجانب بإعلانه هوية المتقين ، حملة القرآن ، أنهم العالمين العاملين به و إن لم يحفظوه .

 

أوَ ليس من التقوى النظر في المبالغ المدفوعة مع كل فاتورة للجوالات و النت و فيما كانت أحاديثنا و شذراتنا و سواليفنا و إنفاق أوقاتنا.

 

أوَ ليس من التقوى إعادة النظر في ولائمنا ، بل و وجباتنا اليومية ، كماً ، كيفاً ، عند فرحنا و احتفالاتنا .

 

أوَ ليس من التقوى تخفيض المليارات ! التي تُنفق ، فقط ، و على سبيل المثال ، في منطقة الخليج من قبل المرأة المسلمة على المكياج و الزينة فتنخفض لملايين و من ثم آلاف ، و ما المانع أن تكون في حق امة تسعى نحو العزة ، فالطريق ليس عبر غزة فقط ، أن يصل حجم الإنفاق إلى مئات معدودة .

 

أوَ ليس من التقوى أن يُخفض الرجل هنا من سقف معايير الجمال الذي ينشده في المرأة من اجل تنشيط الصناعة الداخلية ! فلا تضطر هي للبحث و التنقيب عن المستورد وال new fashion ....

 

أوَ ليس من التقوى إعادة النظر في الكثير من العلاقات بين الجنسين ، كيف بدأت و إلى أين تسير ، صداقة عبر الشات ، أصحاب في الاستراحات ، أم هي ولاية تنفع ، أما آن أن تمكث في الأرض ، و غيرها فليذهب للجفاء .

 

أوَ ليس من التقوى أن نسعى لعودة الغائب و نعيد إليه حقه و لو على نطاق ضيق ، فلئن تم تغييب الجهاد و الصهيونية ، و أرض الإسراء ... من مناهج يتعلمها أولادنا ، فهل حلَ علينا هذا الغائب في حكايات و حواديت معهم ، لا قبل النوم ، و إنما لإنعاش ذاكرة رقدت طويلاً في غرف "التطوير" !، كيف تعود بلا تاريخ نُحييه .  

 

أوَ ليس من التقوى أن نغادر زمن النوم بلا حدود ، و نستبدله بساعات معدودات ، و أن نوقع يومياً في سجلات البكور ، فما حياتنا لولا بركة من الله و فضل ، و أن نعيد لليل سباته إلا قليلاً نحييه كما الأولين ، و للنهار معاشه ، فيشهد الفجر أقوام و جماعات كالتي تنتظم مرة في الأسبوع ! و لعل هذا ، أن يكون ، من المبشرات .

 

و لو فتش كل منا في سلوكياته و أفعاله لوجد الكثير مما تحتاج التقوى معه لتحرير ، فتكون المساهمة منا في صياغة المقدمات قوية راسخة حاديها حماس و همة أُوقظت ، لن يأتي ، و لن نظفر معها بالنصر ، بعد شهور أو سنوات ... نعم

و لكننا بالديمومة و الاستمرار ، و لو قليلاً ، نُثبت الخيرية ، و ليس فقط تفاعل مؤقت و انفعال ، فيلصق بنا شرف المساهمة في الإعداد حيث الفترة التي تتطلب أطول وقت و اكبر جهد بعيد عن الأجواء الصاخبة ... بعيداً عن الشمس و الهواء ، و في النبتة قبل أن تشق طريقها للدنيا عبرة و مثال .

 

على ضوء نفحات غزة حيث تتجلى الجنة بعد أن غيبتها مادية عصرنا طويلاً ، و تعود الدنيا التي امتدت واكتسحت مساحات شاسعة ، إلى حجمها الطبيعي ، تلوح فرصة لعقد العزم و النية لتحديث النفس بالغزو و تجهيز جيل النصر بمقدمات تقية ، فهلا تعرضنا لهكذا نفحات ، فَتُصحح السلوكيات ، فإنما هي سوق مقامة ستنفض عما قريب ، فيوم عند ربنا كألف سنة مما في حسابنا ، و لعل صفوف المواجهة حينها لا تقبل المُعذرين ، سيما و تحرير التقوى و الحديث بالغزو بالنسبة إلينا ليس في أجواء عَسِرةَ .