تشهد الساحة الاقتصادية العربية في السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً يتمثل في الحضور المتنامي للمرأة بوصفها صاحبة مشروع ومؤسسة شركة، لا مجرد موظفة أو مستهلكة كما دأبت الصورة النمطية التقليدية على تصويرها لعقود طويلة. فقد انتقلت أعداد متزايدة من النساء العربيات من موقع البحث عن وظيفة إلى موقع خلق فرص العمل بأنفسهن، مؤسسات مشاريع صغيرة ومتوسطة في قطاعات متنوعة تمتد من التجارة الإلكترونية إلى التكنولوجيا المالية والزراعة والأزياء والتعليم، في ظاهرة تعكس تحولاً عميقاً في نظرة المرأة العربية إلى ذاتها وإمكاناتها الاقتصادية، وتحولاً موازياً في نظرة المجتمعات والحكومات إلى دور المرأة بوصفها محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية لا هامشاً تابعاً لها.

لم يكن هذا الانفتاح على ريادة الأعمال وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تراكم عوامل عدة تضافرت خلال العقدين الأخيرين، في مقدمتها ارتفاع معدلات التحصيل التعليمي للمرأة العربية التي باتت تتفوق في كثير من الدول العربية على الرجل من حيث نسب الالتحاق بالجامعات والتخرج منها، إلى جانب الثورة الرقمية التي أتاحت للمرأة، وبخاصة في المجتمعات المحافظة، إمكانية إطلاق مشروع تجاري من منزلها عبر منصات التجارة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي دون الحاجة إلى مواجهة كل العقبات اللوجستية والاجتماعية التي كانت تحول تقليدياً دون خروجها إلى سوق العمل التقليدي. وقد أسهمت الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي شهدتها المنطقة العربية أيضاً في دفع كثير من النساء نحو ريادة الأعمال كبديل عن سوق عمل تقليدي مشبع أو غير مرن، فتحولت الضرورة الاقتصادية في كثير من الأحيان إلى فرصة لاكتشاف قدرات ريادية لم تكن لتُختبر لولا الظروف الضاغطة.

تُظهر بيانات مؤسسات دولية معنية بالتنمية الاقتصادية أن نسبة النساء بين رواد الأعمال في المنطقة العربية لا تزال دون المتوسط العالمي، إذ تتراوح ما بين اثني عشر وخمسة عشر بالمئة مقارنة بمعدل عالمي يقترب من خمسة وثلاثين بالمئة، وهي فجوة تعكس تحديات هيكلية حقيقية لا تزال قائمة، لكنها في الوقت ذاته تخفي وراءها قصص نمو لافتة على المستوى الوطني في عدد من الدول العربية. ففي الإمارات العربية المتحدة، التي تتصدر الترتيب العربي في تمكين المرأة اقتصادياً، باتت النساء يمثلن أكثر من ثلاثين بالمئة من أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، فيما تضاعفت في المملكة العربية السعودية نسبة المنشآت التجارية المملوكة لنساء بين عامي 2017 و2023 بفضل الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية المرافقة لرؤية 2030 التي رفعت القيود عن حركة المرأة وعملها. أما في مصر، فقد أظهرت بيانات عام 2022 أن أكثر من أربعين بالمئة من الشركات الناشئة الممولة محلياً كانت من تأسيس نساء، تركّز أغلبها في قطاعات التكنولوجيا والتعليم والصحة، في مؤشر واضح على أن الفجوة بين المرأة والرجل في ريادة الأعمال آخذة في التقلص تدريجياً كلما تحسنت البيئة التشريعية والتمويلية المحيطة.

تتوزع مشاريع الريادة النسائية العربية على قطاعات متنوعة تعكس مزيجاً من الاستجابة لاحتياجات السوق المحلي والانخراط في قطاعات المستقبل عالية النمو، فبرزت نساء عربيات رائدات في قطاع التجارة الإلكترونية والأزياء الموجهة للأسواق العربية والإسلامية عالمياً، وفي قطاع الأغذية والمنتجات المنزلية التقليدية التي تحولت من نشاط عائلي محدود إلى علامات تجارية تُصدَّر إلى أسواق إقليمية ودولية، وفي قطاع التكنولوجيا المالية والتطبيقات الرقمية التي تستهدف حل مشكلات يومية تخص المرأة نفسها كخدمات الرعاية الصحية النسائية أو منصات التوظيف المرن أو حلول رعاية الأطفال. ويلاحظ الباحثون في هذا المجال أن كثيراً من المشاريع التي تقودها نساء تحمل بعداً اجتماعياً واضحاً إلى جانب بعدها الربحي، إذ تميل رائدات الأعمال العربيات بشكل ملحوظ إلى تأسيس مشاريع تسهم في حل مشكلات مجتمعية ملموسة، من تشغيل نساء أخريات في مناطق مهمّشة إلى دعم صغار المزارعين والحرفيين، بما يعكس نموذجاً ريادياً يمزج بين الطموح الاقتصادي والمسؤولية المجتمعية.

وإلى جانب المشاريع الناشئة الحديثة، يشهد قطاع الأعمال العائلية العربية التقليدية تحولاً موازياً بالغ الأهمية يتمثل في تصاعد أعداد النساء اللواتي يتولين قيادة شركات عائلية ورثنها عن آبائهن أو أزواجهن، بعدما كانت هذه الشركات تُدار حصراً من الورثة الذكور بحكم العرف الاجتماعي السائد، وأصبحت اليوم كثير من العائلات التجارية الكبرى في الخليج والشام ومصر تُعدّ بناتها منذ سن مبكرة لتولي مواقع قيادية في الشركة العائلية أسوة بإخوتهن، إدراكاً من الجيل المؤسس لأهمية الكفاءة الفردية على حساب معيار الجنس وحده في ضمان استمرارية المشروع التجاري عبر الأجيال. هذا التحول في ثقافة الأعمال العائلية لا يقل أهمية عن صعود الشركات الناشئة النسائية، لأنه يعيد تشكيل موازين القوة داخل أقدم وأكبر الكيانات الاقتصادية العربية من الداخل، ويضع نماذج نسائية قيادية أمام الجمهور العريض بعيداً عن دائرة رواد الأعمال التقنية الشباب فقط.

رغم هذا التقدم الملموس، لا تزال رائدة الأعمال العربية تصطدم بجملة من العقبات الهيكلية التي تحد من قدرتها على التوسع والنمو، وفي مقدمتها فجوة التمويل الحادة، إذ تشير تقارير عدة إلى أن المشاريع التي تقودها نساء تحصل على نسبة ضئيلة من إجمالي التمويل الاستثماري الموجه لريادة الأعمال في المنطقة، نتيجة تحيزات غير معلنة لدى بعض صناديق الاستثمار وشبكات رأس المال الجريء التي لا تزال إدارتها في الغالب بيد الرجال. وتضاف إلى ذلك عقبات اجتماعية وثقافية لا تقل أهمية، من الضغوط الأسرية التي قد تعتبر انشغال المرأة بمشروعها التجاري تقصيراً في واجباتها المنزلية، إلى صعوبة وصولها إلى شبكات التواصل التجاري وغرف صنع القرار التي لا تزال تقليدياً حكراً على الرجال في كثير من البيئات العربية، إلى جانب عقبات إدارية وقانونية متفاوتة بين دولة وأخرى تتعلق بتسجيل الشركات والحصول على التراخيص وفتح الحسابات المصرفية باسم المرأة.

ومن التحديات الأقل حضوراً في النقاش العام لكن العميقة الأثر، ما يتصل بقوانين الملكية والميراث في عدد من الدول العربية التي لا تزال تمنح المرأة نصيباً أقل من الرجل في الإرث العقاري، وهو ما ينعكس مباشرة على قدرتها على تقديم ضمانات عقارية كافية للحصول على تمويل بنكي تقليدي لمشروعها، بخلاف الرجل الذي يمتلك غالباً أصولاً عقارية أكبر يمكن رهنها. ولمواجهة هذه الفجوة، بدأت بعض المصارف والمؤسسات المالية العربية تطوير منتجات تمويلية بديلة لا تشترط الضمانات العقارية التقليدية، بل تعتمد على تقييم جدوى المشروع نفسه وسجل صاحبته الائتماني وحجم مبيعاتها الفعلي، في نموذج تمويلي أكثر مرونة يفتح الباب أمام رائدات أعمال كثيرات لم يكن بمقدورهن سابقاً تلبية الشروط التمويلية الصارمة، ويؤكد أن معالجة الفجوة التمويلية النسائية تتطلب أحياناً إعادة تصميم أدوات التمويل نفسها لا مجرد زيادة حجم الأموال المخصصة للنساء.

واستجابة لهذه التحديات، أطلقت حكومات ومؤسسات عربية عدة في السنوات الأخيرة برامج ومبادرات مخصصة لدعم ريادة الأعمال النسائية، من صناديق تمويل مخصصة للمشاريع التي تؤسسها أو تقودها نساء، إلى حاضنات ومسرّعات أعمال نسائية توفر التدريب والإرشاد وربط رائدات الأعمال الناشئات بشبكات من الرائدات الأكثر خبرة. ففي مصر خُصص في استراتيجية تمكين المرأة اقتصادياً للفترة 2025-2026 مبلغ يقارب خمسة وسبعين مليون جنيه لدعم مشاريع نسائية صغيرة ومتوسطة، فيما أطلقت السعودية والإمارات مبادرات مماثلة ضمن استراتيجياتهما الوطنية لتمكين المرأة اقتصادياً، شملت تيسير حصول النساء على القروض الميسّرة وتبسيط إجراءات تأسيس الشركات وتخصيص حصص للمشاريع النسائية في المشتريات الحكومية. كما برزت شبكات إقليمية من رائدات الأعمال أنفسهن تتولى مهمة التوجيه والإرشاد للجيل الجديد من صاحبات المشاريع، مدركة أن نقل الخبرة من امرأة إلى أخرى قد يكون أحياناً أكثر فعالية من أي برنامج حكومي رسمي في تجاوز الحواجز غير المرئية التي تواجهها المرأة في عالم الأعمال.

ويؤدي الإعلام والمنصات الرقمية دوراً متزايد الأهمية في ترسيخ صورة المرأة الرائدة عربياً، من خلال مؤتمرات وقمم متخصصة تجمع سنوياً آلاف السيدات صاحبات المشاريع لتبادل الخبرات والتواصل مع مستثمرين محتملين، ومن خلال برامج ومحتوى رقمي يسلّط الضوء على قصص نجاح نسائية ملهمة في مختلف الدول العربية، بما يسهم في تطبيع فكرة المرأة صاحبة المشروع في الوعي الجمعي ويكسر الصورة النمطية التي كانت تحصر طموح المرأة في الوظيفة الحكومية الآمنة أو العمل المساعد داخل مشروع الزوج أو الأب. وتشير دراسات في علم الاجتماع الاقتصادي إلى أن رؤية المرأة الشابة لنموذج نسائي ناجح في مجال ريادة الأعمال يرفع بشكل ملموس احتمال إقدامها هي نفسها على خوض تجربة مماثلة مستقبلاً، ما يجعل الاستثمار في إبراز هذه النماذج الناجحة إعلامياً استثماراً غير مباشر في الأجيال القادمة من رائدات الأعمال العربيات.

وتبقى مسألة التوفيق بين متطلبات المشروع الريادي الناشئ ومسؤوليات الأسرة تحدياً يومياً تواجهه رائدة الأعمال العربية بصورة مضاعفة مقارنة بنظيرها الرجل، إذ نادراً ما تراعي بيئة الأعمال التقليدية، من مواعيد الاجتماعات إلى شروط التمويل وجداول الحاضنات التدريبية، احتياجات الأم العاملة التي تدير مشروعها وتربي أطفالها في آن واحد. وقد بدأت بعض الحاضنات ومسرّعات الأعمال العربية الحديثة تستوعب هذا الواقع بإدخال تعديلات عملية على نماذجها، كتوفير خدمات رعاية أطفال مؤقتة أثناء ورش التدريب، أو تصميم برامج تمويل بجداول سداد مرنة تراعي ظروف الأمومة، أو تنظيم فعاليات التواصل التجاري في أوقات نهارية بدل الأمسيات المتأخرة التي طالما استبعدت الأمهات العاملات من حضورها، وهي تعديلات صغيرة في ظاهرها لكنها تعكس تحولاً أعمق في فهم صناع السياسات لطبيعة العقبات الفعلية التي تواجه المرأة الرائدة تحديداً، والتي تختلف جوهرياً عن تلك التي يواجهها الرجل رائد الأعمال.

وتستحق ريادة الأعمال النسائية في المناطق الريفية والأقل حظاً اقتصادياً وقفة خاصة، إذ لا تقتصر هذه الظاهرة على المدن الكبرى وقطاع التكنولوجيا وحده، بل تمتد إلى قرى وأرياف عربية عدة حيث تقود نساء تعاونيات زراعية وحرفية صغيرة تعتمد على تصنيع منتجات غذائية تقليدية أو منسوجات يدوية أو مشغولات تراثية، وتتيح لهن هذه المشاريع دخلاً مستقلاً يعزز مكانتهن داخل أسرهن ومجتمعاتهن المحلية. وقد بدأت منظمات دولية وإقليمية معنية بالتنمية الريفية تولي هذا النوع من الريادة اهتماماً متزايداً عبر برامج تدريب وتمويل مصغر موجهة تحديداً للنساء في الأرياف، إدراكاً منها أن تمكين هذه الفئة اقتصادياً لا ينعكس فقط على دخل الأسرة الواحدة، بل يسهم في الحد من الهجرة من الريف إلى المدينة ويعزز الاقتصاد المحلي في مناطق كثيراً ما تكون الأقل استفادة من برامج التنمية الرسمية.

ومع استمرار هذا الزخم المتصاعد في ريادة الأعمال النسائية العربية، تتجه الأنظار نحو المستقبل بتفاؤل حذر، إذ تؤكد التقديرات الاقتصادية أن سد الفجوة بين الجنسين في ريادة الأعمال يمكن أن يضيف مليارات الدولارات إلى الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية، فضلاً عن أثره المضاعف في خلق فرص عمل جديدة وتحفيز الابتكار في قطاعات ظلت لعقود حكراً على نمط تفكير واحد. وتبقى قصة المرأة العربية الرائدة أكبر من أرقام النمو الاقتصادي وحدها، فهي في جوهرها قصة استعادة المرأة لموقعها الطبيعي في صناعة القرار الاقتصادي بعد عقود من التهميش، وقصة إثبات أن الطموح لا جنس له، وأن أفضل الحلول لمشكلات المجتمعات العربية قد تأتي أحياناً من امرأة قررت أن تحوّل تحدياً شخصياً واجهته إلى مشروع تجاري يخدم آلاف النساء والرجال من حولها، في نموذج ريادي يجمع بين النجاح الفردي والأثر المجتمعي الأوسع.