نواصل قرع الجدران

د.عبدالرحمن أقرع

-لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟
بهذه العبارة أنهى المبدع الفلسطيني الراحل (غسان كنفاني ) رائعته الروائية (رجال في الشمس) والتي جسدت مشهدا تراجيديا من مشاهد المأساة الفلسطينية متعددة الأوجه.

تتحدث الرواية باختصار عن مأساة الشتات الفلسطيني بعد النكبة الأولى حيث ضرب بعض الفلسطينيين في الأرض بحثا عن رزقٍ حالت بينهم وبينه حراب الأعداء ، ونكوص الأشقاء ، فمضوا نحو البلاد الشقيقة طلبا للكسب بعرق الجبين ما يسد الرمق  والأبطال في الرواية المذكورة هم ثلاثة فلسطينيين يتم تهريبهم في خزان مياه فارغ إلى الكويت عبر العراق ليموتوا خنقا إثر توقف الخزان طويلا على نقطة تفتيش حدودية.

واليوم ..نحاول كنخبة فلسطينية مثقفة أن نرتقي لمستوى الدرس ، ونحاول في دوامة الاحتضار أن نقرع الجدران ، وهذه المرة ليست جدران الخزان الجاثم على نقطة تفتيش حدودي في الصحراء القاحلة ، بل جدران السجن الفلسطيني الكبير ، علها تلقى سمعا من صناع القرار ، فيدركونا قبل أن نختنق.

هذه الأيام تُقرَع الجدران بأيدي جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني الذي يطلع علينا بين الحين والحين ببيانات وإحصائيات مرعبة عن حجم الهجرة في أوساط الشباب الفلسطيني ، وتفريغ الوطن من كفاءاته الشابة ، ولسنا هنا بصدد نقل الأرقام وتحليلها ، فهذا شأن أرباب الاختصاص ، ولكن يكفينا مثلا أن نعلم أن نسبة الراغبين بالهجرة حسب معطيات المسوح التي أجراها الجهاز وصلت إلى ما نسبته 45%  مقارنة ب 22% عام 2003 ، أما معطيات وزارة الخارجية الفلسطينية فتشير إلى أنه في أواسط العام 2006 فقط تقدم ما يزيد عن 45000 مواطن فلسطيني بطلبات للهجرة من الهيئات والممثليات الدبلوماسية في الأراضي الفلسطينية.

لقد دفعت هذه الظاهرة الخطيرة  رابطة علماء فلسطين قبل أشهر لإصدار فتوى بتحريم الهجرة معتبرةً ذلك توليا يوم الزحف، ولن نناقش هنا حيثيات الفتوى فلسنا فقهاء ، ولكنها يدٌ أخرى قرعت الجدران ، كما وقرعتها يد رجل دين نصراني إذ حذر أن نسبة النصارى في فلسطين تضمحل وتكاد تتقهقر إلى ما نسبته 1% فقط من النسيج السكاني الفلسطيني ، نظرا للتزايد المضطرد في هجرة الشباب المسيحي الفلسطيني.

ولكن..هل لقرعنا صداه في آذان من يفترض أنهم قادة المرحلة ، أم أن صداه يضيع في فضاءات يعلو فيها خطاب الردح والسب والتخوين والتكفير فوق همس الحكمة الذي يتلاشى في الخضم الهادر من البغضاء والحقد والتجرد المطلق للمصالح الفئوية والحزبية.؟

أم أننا لا نثق بمعطيات جهاز الإحصاء المركزي ، ونحتاج لبيانات مستقلة من جهازي إحصاء : واحد من حماسستان ، والآخر من فتح لاند لنفكر أياً نمنح المصداقية أولا قبل أن نبادر لعلاج الظاهرة؟

مهما كان الأمر ..فسنواصل قرع الجدران ..إذ لا نملك في غياهب الإحتضار وسيلةً أخرى.